التفكير والزمن
التفكير والزمن!
ليست كل فكرة
شائعة في المجتمع فكرة صائبة، ولا كل رأي متداول رأياً حقيقياً، إن الفكرة الجديرة
بالتأمل هي تلك التي تخضع للتفكير النقدي الدقيق ويتحقق من صدقها، رغم أن كثيراً
من الأفكار السائدة تجد قبولاً مجتمعياً عاماً دون أن تمر بالتدقيق والفحص.
فالإنسان بطبعه
لا يستنفد طاقته الذهنية في فحص فكرة ما إلا إذا ارتبطت بغاية تحقق له مصلحة أو
تدفع عنه ضرراً، وكلما ارتفعت القيمة أو الجدوى -سواء كانت اقتصادية أو معرفية أو
حيوية- شحذ العقل أدواته للتفكير فيها، بينما يتغاضى عن التمحيص العميق في المسائل
ذات الجدوى الضئيلة.
إن التفكير
النقدي يتطلب تحليل مكونات الفكرة وتفكيك صلاتها بمحيطها، إذ لا توجد فكرة معزولة
عن السياق، ولا تدور عجلة التفكير إلا بوجود قصدية واعية، فالذات الواعية هي
المحرك الأساس لآليات العقل، ومن هذا المنطلق، تبرز الفكرة الحقيقية بوصفها ثمرة
حوار داخلي عميق تجريه الذات مع نفسها داخل بنية الوعي.
وهو ما يؤكده
جان بياجيه بقوله: «إن التفكير حوار ذاتي، وبالرغم من أن الكلام وسيلة للتواصل مع
الآخرين، فإنه يعد أيضاً أداة للتفكير عندما يتحول إلى حوار مع الذات».
بناء على ذلك،
يعد وجود الدافع المؤثر -سلباً أو إيجاباً- الشرط الأساس للتفكير، فالعقل لا يشتغل
تلقائياً دون قصد ذاتي يحركه.
وفي هذا السياق،
يشير الفيلسوف جوزايا رويس إلى أنه: «لا يوجد تفكير دقيق دون تحقق غرض ما، يسعى
الفرد من خلاله إلى أن يكون واعياً بكنه الفكرة قبل الخوض فيها».
غير أن هذا
التفكير المقترن بالغاية والمصلحة لا يتم بين عشية وضحاها، بل يعتمد اعتماداً
أصيلاً على العامل الزمني، إن مكونات الفكرة متشابكة وتتطلب وقتاً لاستيعاب
خصائصها وفهم علاقتها بالواقع، ومن الخطأ إغفال الزمن بوصفه ركيزة محورية في
ميكانيكية التفكير، فحجم التفكير وعمقه محكومان بالزمن اللازم لفك تشابك الفكرة
وتقدير قيمتها.
إن التفكير
الدقيق لا يتحقق آنياً، بل هو بحاجة إلى زمن لوعي ماهية الفكرة وتقدير قيمتها
الحقيقية أو المثالية، والزمن لا يرتبط بحجم التفكير في الفكرة فحسب، بل بتحديد
صلاتها الممتدة مع المحيط.
التعليقات (0)
لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلق!
اترك تعليقاً