الفن الهادف.. بين رسالة السماء وضجيج التفاهة
في زحمة الصور
واللوحات والألحان التي تُغرقنا بها الشاشات كل يوم، بات لزاماً أن نسأل سؤالاً
بسيطاً في ظاهره، عميقاً في جوهره: هل كل ما يُرسم يعد فنّاً؟ وهل كل ما يُسمع
لحناً يستحق أن يُنسب إلى هذا الاسم الجليل الذي حمل عبر التاريخ رسائل الأنبياء
والحكماء والمصلحين؟
الفن حين كان رسالة
لم يكن الفن
يوماً ترفاً عابراً أو زخرفة فارغة، كان، في أرقى صوره، وسيلة الإنسان للتعبير
عمّا يعجز اللسان عن قوله، وأداة لنقل القيم والمعاني الكبرى؛ الحق والخير والجمال،
المعمار الذي يرتفع نحو السماء في المساجد والكاتدرائيات، والخط العربي الذي حوّل
كلمات القرآن إلى لوحات تأخذ بالألباب، والشعر الذي حمل حكمة الأمم عبر القرون؛ كل
هذا فنٌّ حمل رسالة، وخاطب الروح قبل العين والأذن.
الفنان الحق، في
هذا المعنى، أشبه بالرسول الصغير؛ يرى ما لا يراه الناس، ويعبّر عمّا يعجزون عن
التعبير عنه، ويترك أثراً يبقى بعد رحيله، يهذّب الذوق ويوقظ الضمير ويقرّب القلوب
من الحقيقة.
حين يتحول الضجيج إلى بديل
لكن عصرنا
الراهن يشهد ظاهرة مقلقة؛ تضخّم الشكل وانحسار المضمون، أصبح كثير مما يُعرض تحت
مسمّى الفن مجرد إثارة بصرية أو سمعية، خالية من أي معنى، هدفها الوحيد جذب
الانتباه وتحقيق الانتشار، صار المقياس عدد المشاهدات لا عمق الأثر، والصدمة
بديلاً عن الدهشة الحقيقية، والابتذال طريقاً مختصراً إلى الشهرة.
هذا الخلط ليس
بريئاً دائماً؛ فحين يُقدَّم التفاهة في ثوب الفن، يُسلَب الجمهور -وخصوصاً
الأجيال الناشئة- القدرة على التمييز بين ما يرفع الذوق وما يهبط به، بين ما يبني
الوعي وما يخدّره.
معايير نميّز بها
كيف إذن نفرّق
بين الفن الهادف وضجيج التفاهة؟ ثمة معايير يمكن الاستئناس بها:
1- الأثر بعد
اللحظة: العمل الفني الحقيقي يترك في النفس شيئاً يبقى، بينما التفاهة تزول أثرها
بزوال المشاهدة.
2- الصدق مقابل
الاستغلال: الفن الصادق ينبع من تجربة إنسانية حقيقية، أما المصطنع فيستغل الغريزة
أو الفضول العابر لتحقيق الرواج.
3- الرفعة لا
الابتذال: الفن الهادف يرتقي بالمتلقي ولو تناول موضوعاً قاسياً، بينما التافه
يستدرجه إلى ما هو أدنى.
4- الحرفة
والجهد: خلف كل عمل فني أصيل مهارة تراكمت وصقلت، بخلاف المحتوى العابر الذي
يُنتَج بلا تعب ولا تأمل.
بين الحرية والمسؤولية
لا يعني هذا
الكلام الدعوة إلى الوصاية على الإبداع أو تقييد الحرية الفنية؛ فالفن بطبيعته
يحتاج إلى مساحة من الحرية ليزدهر، وقد يكون بعض ما يبدو غريباً أو صادماً في
ظاهره حاملاً لمعنى عميق لم نفهمه بعد، لكن الحرية شيء، والفراغ من المعنى شيء آخر،
المسؤولية هنا لا تقع على الفنان وحده، بل على المتلقي أيضاً، الذي عليه أن يتعلم
كيف يميّز، وألا يستسلم لكل ما يُعرض عليه دون تفكير أو تمحيص.
الفن، في أصله
وجوهره، امتداد لرسالة أعمق من الترفيه؛ رسالة تشبه في نبلها رسائل السماء حين
تخاطب الإنسان بلغة الجمال بدل لغة الأمر المباشر، وحين يُفرَّغ هذا الفن من غايته
ويُختزل في الإثارة والضجيج، فإنه يخون أصله ويهبط بالإنسان بدل أن يرتقي به، فليس
كل ما يُرسم فناً، وليس كل ما يُسمع لحناً، وإنما الفن الحق ما بقي أثره في القلب
بعد أن يغيب عن العين.
التعليقات (0)
لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلق!
اترك تعليقاً