الحرية المطْلقة وهْم يهدمه العقل والمنطق قبل أن ترفضه الأخلاق
ليس كل ما
يستطيع الإنسان فعله يحق له أن يفعله، وليست كل رغبة تستيقظ في داخله جديرة بأن
تتحول إلى سلوك، كما أن كل تحرر من القيود ليس بالضرورة أن يكون طريقاً إلى الحرية،
وهنا تبدأ واحدة من أكثر القضايا إلحاحاً في حياة الإنسان المعاصر: هل الحرية أن
تفعل ما تشاء وقتما تشاء؟ أم أنك تمتلك ما يجعلك تعرف أنه ينبغي أن تفعل؟
لقد أصبح مصطلح
الحرية في بعض الخطابات المعاصرة وكأنه ترويج لتذكرة عبور من المسؤولية؛ يرفعها
الإنسان حين يريد أن يفعل ما يشاء، ويستدعيها حين يسأل عن أثر أفعاله في الآخرين، وكأن
حقه في الاختيار يمنحه حصانة من النقد، وكأن استقلاله عن الآخرين يعني استقلاله عن
نتائج قراراته!
لكن العقل قبل
الأخلاق يضعنا أمام حقيقة لا يمكن تجاوزها؛ وهي أن الإنسان لا يعيش وحده، وأن كل
حرية تمارَس في مجتمع تتقاطع بالضرورة مع حريات الآخرين وحقوقهم.
الحرية المطلقة فكرة تناقض أصل الفكرة
إن الحرية
المطلقة ليست مجرد فكرة يصعب تطبيقها، بل هي فكرة يناقض إطلاقها أصل معناها؛ لأنك
حين تمنح إنساناً حق التصرف بلا حدود ولا ضوابط ولا قوانين، فإنك تمنحه ضمنياً
القدرة على تجاوز حدود الآخرين، وكذلك تمنحه تجاوز الحدود التي وضعها الله تعالى
للعبيد، وحينها ستصبح حريته اعتداءً على حرية الناس والمجتمع، وتعدياً على حدود
الله، فكيف يستقيم أن يكون لكل إنسان حق مطلق في فعل ما يشاء، بينما قد تتعارض
إرادته ورغباته مع حقوق غيره؟!
إن الحرية لا
تفقد معناها حين تضبط بالحق، بل تفقد معناها حين تتحول إلى سلطة تمنح الفرد ما
تسلبه من الآخرين، فليست الحرية أن تكون إرادتك بلا حدود، بل أن تكون حدودك عادلة،
واختياراتك واعية وواقعية، وألا تتحول حريتك إلى قيد على حرية من سواك، فالحرية
المطلقة لا تصنع مجتمعاً من الأحرار، بل تفتح الباب لصراع الإرادات والرغبات؛ حيث
يحاول كل إنسان أن يوسع مساحة حريته ولو على حساب مساحة الآخرين لإشباع نزواته
ورغباته.
وهنا يتدخل
العقل والمنطق ليقررا حقيقة لا ينبغي أن تغيب؛ وهي أن الحرية التي لا تعترف بحقوق
الآخرين لا تدافع عن الحرية، بل تدافع عن حق الأقوى في فرض إرادته.
الحرية المطلقة فكرة تناقض أصل العبودية
إن أخطر ما في
شعار الحرية المطلقة أنه قد يخرج الإنسان من مقام العبودية لله جل جلاله، فالعبد
الذي يريد أن يبيح لنفسه فعل أي شيء يريده وفي أي وقت، وهو يبرر هذا بمبررات،
فكأنه يقول في ذات نفسه: أنا أعلم من الله! وأنا أحكم من الله! (حاشا لله)، وإن لم
يستطع أن يبوح بهذا القول الفاسد الباطل، ولذلك نجد أن الله تعالى يقول: (وَاللّهُ يَعْلَمُ وَأَنتُمْ لاَ
تَعْلَمُونَ) (البقرة: 216)، لكي يحذرنا من مثل هذه الأفكار الهدامة التي
استوردناها من مجتمعات غير مسلمة.
وبالفعل، فإن
الآية توافق الحق والحقيقة والواقع، فنحن كبشر ما نجهله أكثر بكثير مما نعلم، فكم
من إنسان عمل عملاً وندم عليه بعد ذلك! وكم من إنسان تكلم بكلام أفسد عليه حياته!
وكم من إنسان سار في طريق خطأ وخسر الكثير! وكم من إنسان تمنى شيئاً فلما وصل إليه
صار وبالاً عليه! وكم من إنسان غلبته الشهوة الجنسية فسار في طريق غير ما أحل الله
فأصيب بمرض الإيدز! وكم من إنسان تزوج من امرأة كان يرى أنها هي التي ستسعده
ولكنها أفسدت عليه حياته!
وهنا وفي مثل
هذه المواقف نجد الآية تنادينا بصوت عال وتقول: (وَاللّهُ يَعْلَمُ وَأَنتُمْ لاَ
تَعْلَمُونَ)،
فالذي ينادي بشعار الحرية المطلقة إنما يريد أن يتحرر من كل سلطة في الوقت الذي
يخضع فيه لسلطة هواه وشهواته ورغباته وملذاته، وهو يظن أنه امتلك زمام الحياة.
فالحرية
الحقيقية ليست أن تفعل كل ما تشتهيه، بل ألا تكون أسيراً لشهواتك ونزواتك، وألا
تكون شهواتك هي التي تقرر عنك، وليست أن تتحرر من كل قيد، بل أن تتحرر من كل ما
يستعبد إرادتك ويعطل عقلك ويفسد ضميرك.
ومن هنا، فإن
الإنسان لا يصبح حراً لمجرد أنه كسر القيود والضوابط من حوله؛ بل يصبح حراً حين
يمتلك من الوعي ما يجعله سيد قراره، ومن القيم ما يمنعه من تحويل حريته إلى أداة
لاستعباد الآخرين.
الحرية من منظور إسلامي.. اختيار تصحبه مسؤولية
لا ينظر الإسلام إلى الحرية باعتبارها انفلاتاً من كل قيد، ولا إلى الإنسان باعتباره كائناً مسلوب الإرادة،
بل يقر له حق الاختيار، وفي الوقت نفسه يحمله مسؤولية ما يختار، فليس كل ما ترغب
فيه النفس مشروعاً، ولا كل ما تستطيع فعله مباحاً، ولا كل اختيار يعفي صاحبه من
تبعاته ولو ألقى معاذيره.
ولنضرب مثالاً
على ذلك، قال الله تعالى: (وَقُلِ الْحَقُّ مِن رَّبِّكُمْ فَمَن شَاء
فَلْيُؤْمِن وَمَن شَاء فَلْيَكْفُرْ) (الكهف: 29)، فهنا أعطاه الاختيار، ثم بين سبحانه عاقبة اختياره: (إِنَّا أَعْتَدْنَا لِلظَّالِمِينَ نَاراً) (الكهف: 29)؛ وذلك ليقرر أن امتلاك الإنسان لحرية الاختيار لا يعني
انفصاله عن المسؤولية وتحمل تبعاتها.
وهنا تتجلى عظمة
التصور الإسلامي للحرية، فالإنسان حر في اختياره نعم، ولكنه ليس مشرعاً للحق وفق
أهوائه، ولا يملك أن يجعل من حريته ذريعة للاعتداء على حقوق الآخرين، فالحرية في
الإسلام ليست أن تفعل ما تشاء لمجرد أنك تريد، بل أن تختار عن وعي، وتتصرف وفق
الحق والصواب، وتتحمل تبعة قرارك أمام الله، ثم أمام الناس؛ لأن قيمة الاختيار لا
تكتمل بمجرد امتلاك القدرة عليه، وإنما بما يحمله من عدل وخير، وما يترتب عليه من
مسؤولية.
تربية الأبناء على الحرية المسؤولة منذ الصغر
إن من أخطر
الأخطاء التربوية أن نخير أبناءنا بين طرفين متناقضين؛ إما طاعة لا تسمح لهم
بالاختيار، وإما حرية تمنحهم ما يريدون دون أن تحملهم مسؤولية ما يفعلون، فالتربية الواعية لا تصنع طفلاً ينتظر الأوامر في كل صغيرة وكبيرة، ولا طفلاً يظن أن كل
رغبة له حق واجب التحقيق؛ بل تبني إنساناً يعرف كيف يختار، ولماذا يختار، وما الذي
يترتب على اختياره من مسؤولية.
علّم ابنك أن من
حقه أن يعبر عن رأيه، وليس من حقه أن يهين غيره؛ وأن يختار بين البدائل المتاحة،
لا أن يفرض رغباته على الجميع؛ وأن يرفض ما لا يقتنع به ولكن بأدب، ولا أن يتخذ
الرفض وسيلة للتمرد على كل توجيه، فحين تمنح طفلك مساحة للاختيار، وتجعله يتحمل
نتائج قراراته المناسبة لعمره وقدراته ومهاراته، فإنك لا تربيه على مجرد
الاستقلال، بل تساعده على بناء الضمير الذاتي الذي يوجه استقلاله.
وعلينا أن نتذكر
أن الهدف الحقيقي من التربية ليس أن يبقى الابن مطيعاً وتابعاً لي طوال حياته، بل
أن يصبح قادراً على اتخاذ القرار الصحيح في الوقت الصحيح؛ خاصة حينما لا أكون
حاضراً معه لأراقب سلوكه؛ فهناك فرق كبير جداً بين طفل يمتنع عن الخطأ خوفاً من
العقاب، وطفل آخر يتجنب الوقوع في الخطأ عن قناعة وشعور بقيمة المسؤولية.
التعليقات (0)
لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلق!
اترك تعليقاً