عظماء قانونيون (3)

د. محمد حميد الله الحيدر آبادي الأخير.. عالم بأمة!

أسامة الشاهين

11 أكتوبر 2026

24

د_محمد_حميد_الله_الحيدر_آبادي

صنفان من الناس تصعب كتابة سيرتهما؛ الأول: الفارغ، قليل العمل، محدود الإنجاز، والثاني: كثير الأعمال، متعدد الإنجازات، وشخصية مقالنا هذا مسلم عظيم، قانونيٌّ من الصنف الثاني بلا شك، حتى يحتار الكاتب والقارئ معاً فيما يكتبان عنه أو يقرآن له، لقد عاش العالم الجليل د. محمد حميد الله حياة طويلة عريضة؛ طويلة حيث ناهزت مائة عام، منذ عام 1908 إلى 2002م، وعريضة حيث تعددت علومه وكثرت مؤلفاته، سواء في تحقيق الوثائق النبوية والإسلامية المبكرة، والدفاع الدستوري والسياسي و«الأممي» عن بلده المحتل «حيدر آباد»، أو في تدريس القانون الدولي في الجامعة «العثمانية» في الهند، وجامعات إسطنبول وفرنسا وباكستان وماليزيا وجنوب أفريقيا.

وكان نابغة شديد الذكاء، عظيم الهمة؛ إذ أتقن 22 لغة، وكتب 165 كتاباً، على الأقل، و937 مقالاً، وغير ذلك كثير.

يحمل هذا القانوني العظيم شهادتي دكتوراة؛ الأولى في القانون الدولي من جامعة «بون» الألمانية، والثانية من جامعة «السوربون» الفرنسية الشهيرة، وفيها أنجز رسالته، ثم كتابه، الأشهر «مجموعة الوثائق السياسية للعصر النبوي والخلافة الراشدة».

وأثبت بهذا الكتاب، وعموم أعماله، أن «صحيفة المدينة»، التي وضعها النبي صلى الله عليه وسلم عام 622م، وتتكون من 47 مادة لتنظيم العلاقة بين مواطني الدولة النبوية الوليدة، من مسلمين ويهود ومشركين، هي أول دستور مكتوب في تاريخ البشرية، سابقة بقرون كل الوثائق الدستورية الغربية والشرقية.

وحين اجتاحت الهند إمارة «حيدر آباد» المسلمة عام 1948م، رافضة استقلالها أو انضمامها إلى باكستان، تخلى الشيخ حميد الله عن عمادة كلية القانون، وتطوع عضواً في وفدها المدافع عن قضيتها أمام مجلس الأمن، ورفض حمل جنسية الاحتلال بعد ذلك، وعاش بقية عمره -أكثر من نصف قرن- لاجئاً بلا جنسية في باريس.

وفي منفاه، أنجز أول ترجمة «مسلمة» لمعاني القرآن الكريم إلى الفرنسية، وأسلم على يديه الكريمتين خلق كثير، عدَّهم البعض بعشرات الألوف.

وأسَّس جمعية للطلبة المسلمين فيها، وتبرع لها بمقر رسمي من ماله الخاص، وقد استفاد منها مولوي (لبنان)، والغنوشي (تونس)، والترابي (السودان)، وابن نبي (الجزائر)، وغيرهم من الأعلام.

وانطلق من رحاب القرآن الكريم إلى رياض السُّنة النبوية، وحقق «صحيفة همام بن منبه»، أقدم تدوين مكتشف للأحاديث الشريفة، مثبتاً التدوين المبكر للسُّنة المطهرة على يد التابعي الجليل همام، تلميذ الصحابي الجليل سيدنا أبي هريرة رضي الله عنه، المتوفى عام 679م، وغيره من الصحابة الكرام.

كان العالم الجليل محمد حميد الله عازفاً عن الدنيا، منشغلاً عن الزواج والمال، منكباً على العمل الدعوي والعلمي، حريصاً على الإخلاص والبعد عن الشهرة خوفاً من الرياء.

لذا، رفض ترشيحه لجائزة الملك فيصل العالمية -للعمل الإسلامي الاستثنائي- قائلاً: «أنا لم أكتب ما كتبت إلا من أجل الله عز وجل، فلا تفسدوا عليَّ ديني»، واعتذر عن عدم قبول الجائزة المالية لوسام باكستان الأرفع، قائلاً: «لو قبلت الجائزة في هذه الدنيا الفانية، فماذا سأنال هناك في الدار الباقية؟».

توفي هذا المسلم القويم، خادم القرآن والسُّنة، وهذا القانوني العظيم، فقيه القانون الدولي يرحمه الله عام 2002م في الولايات المتحدة، عند قريبة له كانت ترعاه، بعد عقود من النبوغ والعطاء؛ فودَّعت الأمة عالماً ربانياً ندر نظيره، جمع بين دقة القانوني، وتحقيق المحدِّث، وتواضع الزاهد، وإبداع النابغة.

الرابط المختصر :

اترك تعليقاً

التعليقات (0)

لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلق!

تابعنا

الرئيسية

مرئيات

جميع الأعداد

ملفات خاصة

مدونة