الدور الاجتماعي للموازين في المنظور القرآني

د. مي سمير

11 يناير 2026

545

الدور الاجتماعي للموازين في المنظور القرآني

تبين مسألة «الموازين» في الخطاب القرآني مدى إحكام الشريعة الإسلامية في التعاطي مع الظلم الاجتماعي ومكافحته في كافة أشكاله، حتى تلك التي قد تبدو أنها بسيطة أو غير مؤثرة أو هامشية، فنجد أن الخطاب القرآني قد تفرد بتناوله لمسألة «الميزان» بشمول وتفصيل لافت، إذ لم يقتصر على التعاطي معها في صورتها الحرفية كآلة للكيل في التجارة، ولكن أيضاً في صورتها المجازية العامة التي ترمز للعدل في شتى صوره ومعانيه، إذ وظف القرآن مفهوم الميزان لتأسيس وعي اجتماعي بالعدل يحول دون انحراف المجتمع وفساده.

قد وردت كلمة الميزان والوزن زهاء 16 مرة في القرآن الكريم في مواضع متفرقة ومناسبات مُختلفة، وبمعانٍ متنوعة، وقد تجلى معنى الميزان في القرآن في 4 صور أساسية:

1- «الحساب»: في هذا المعنى ورد الميزان كناية عن الحساب يوم القيامة، ووزن الأعمال الحسنة والسيئة للناس في الدنيا لتقرير مصائرهم في الآخرة ومقاعدهم من الجنة أو النار: (وَنَضَعُ الْمَوَازِينَ الْقِسْطَ لِيَوْمِ الْقِيَامَةِ فَلَا تُظْلَمُ نَفْسٌ شَيْئاً وَإِن كَانَ مِثْقَالَ حَبَّةٍ مِّنْ خَرْدَلٍ أَتَيْنَا بِهَا وَكَفَى بِنَا حَاسِبِينَ) (الأنبياء: 47).

2- «الاتزان»: ورد في هذا المعنى الميزان كإشارة إلى الانضباط والانسجام الكوني ودقة خلق الله لقوانين هذا الكون: (وَالسَّمَاءَ رَفَعَهَا وَوَضَعَ الْمِيزَانَ) (الرحمن: 7).

3- «الكيل»: الميزان كآلة للحساب والتقدير في مُعاملات البيع والشراء بين الناس في الدُنيا: (وَيْلٌ لِّلْمُطَفِّفِينَ {1} الَّذِينَ إِذَا اكْتَالُواْ عَلَى النَّاسِ يَسْتَوْفُونَ {2} وَإِذَا كَالُوهُمْ أَو وَّزَنُوهُمْ يُخْسِرُونَ {3} أَلَا يَظُنُّ أُولَئِكَ أَنَّهُم مَّبْعُوثُونَ {4} لِيَوْمٍ عَظِيمٍ {5} يَوْمَ يَقُومُ النَّاسُ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ) (المطففين).

4- «العدل»: الميزان بمعنى العدل بين الناس في كافة مناحي حياتهم استناداً إلى الشريعة الإلهية السمحاء: (اللَّهُ الَّذِي أَنزَلَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ وَالْمِيزَانَ) (الشورى: 17).

هذه المعاني المتنوعة للَّفظ نفسه في القرآن تبين مُراد الخطاب القرآني الداعي إلى العدل الشامل في كافة مناحي حياة الإنسان المؤمن، إذ استخدم الوحي لفظ «الميزان» للإشارة إلى تجليات متعدّدة قد تبدو للوهلة الأولى غير مترابطة، لكنها تنتظم في مفهوم واحد؛ من أصغرها شأنًا كما في المعاملات التجارية الثنائية البسيطة، إلى أعلاها قدرًا كما في الحفاظ على ميزان الكون وحمل أمانة صيانته من الإفساد، مرورًا بالعدل الاجتماعي والسياسي والاقتصادي بين الناس بعدم طغيان فئة على أخرى، وانتهاءً بموازين الأعمال التي يُحاسَب عليها الإنسان في الدار الآخرة، حيث لا ينبغي أن تطغى الذنوب والآثام على الحسنات والخيرات.

قصة مدين.. ومآلات الجور في الموازين

تجلت أهمية الميزان كمقياس اجتماعي للعدل في قصة مدين قوم شعيب عليه وعلى نبينا الصلاة والسلام، وهي القصة التي وردت في القرآن الكريم في نحو 10 مواضع، فقال تعالى: (وَإِلَىٰ مَدْيَنَ أَخَاهُمْ شُعَيْبًا ۗ قَالَ يَا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُم مِّنْ إِلَٰهٍ غَيْرُهُ ۖ قَدْ جَاءَتْكُم بَيِّنَةٌ مِّن رَّبِّكُمْ ۖ فَأَوْفُوا الْكَيْلَ وَالْمِيزَانَ وَلَا تَبْخَسُوا النَّاسَ أَشْيَاءَهُمْ وَلَا تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ بَعْدَ إِصْلَاحِهَا ۚ ذَٰلِكُمْ خَيْرٌ لَّكُمْ إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ) (الأعراف: 85).

وفي ذلك السرد القرآني يتجلى براعة موقع الميزان في عملية الضبط الاجتماعي، فبعد الأمر بعبادة الله جاء الأمر بالإيفاء في الميزان، ثم شرع الخطاب القرآني يوضح مجالات الظلم التي أدى إليها انتشار الجور في الميزان في أهل مدين، إذ أدى ذلك إلى انتشار الظلم بشكل عام بين الناس؛ (وَلَا تَبْخَسُوا النَّاسَ أَشْيَاءَهُمْ)، ثم انتهى إلى الفساد الشامل؛ (وَلَا تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ بَعْدَ إِصْلَاحِهَا)، وبذلك يتضح موقع الميزان كأداة ضابطة للعدل الاجتماعي؛ فصلاحه يؤمِّن استقامة المعاملات وطمأنينة الناس، وفساده يفتح الباب أمام سلسلة من صور الظلم والفساد تهدّد كيان المجتمع كله.

ويظهر في قصة مدين الارتباط الواضح بين الكفر بالله والشرك في عبادته من ناحية، والظلم الاجتماعي والفساد من ناحية أخرى، وهي السمة العامة التي نجدها في القصص القرآني، إذ يقترن الكفر غالبًا بالظلم الاجتماعي، فيكون العذاب نتيجة منظومة من الانحراف العقدي والفساد العملي، لا مجرد انحراف نظري منفصل عن الحياة.

وفي أهل مدين، كانت خطيئتهم الاجتماعية التي لازمت كفرهم بالله انتشار السرقة والظلم نتيجة الغش في الموازين في معاملاتهم اليومية.

الأدوار الاجتماعية للميزان

إن الخيط الناظم لصلاح المجتمع انطلاقاً من فكرة الميزان في معناه القرآني المتفرد، يتكئ على مسألة التوازن في كافة مناحي المجتمع الإسلامي الحق، فالعدل هو ميزان معنوي يقيس كافة الأمور في المجتمع، لا تُرجَّح كفة على كفة إلا بميزان الحق والعدل.

وفي السُّنة النبوية الشريفة ما يُبرز ذلك المفهوم العادل للموازنة بين الناس في إدارة المجتمع، حين روي أن قريشًا أهمهم شأنُ المخزوميَّة التي سرقت فقالوا: من يُكلِّمُ فيها؟ قالوا من يَجترِئُ عليه إلا أسامة بنُ زيدٍ حِبُّ رسولَ اللهِ صلى الله عليه وسلَّم، فكلَّمَه أسامةُ فقال النبي صلى الله عليه وسلَّم: «إنما هلك الذين من قبلِكم، أنهم كانوا إذا سرق فيهمُ الشريفُ تركوه، وإذا سرق فيهمُ الضعيفُ أقاموا عليه الحدَّ، وأيمَ اللهِ لو سرقت فاطمةُ بنتُ محمدٍ لقطعتُ يدَها».

في هذا الحديث تتجلى خطورة اختلال ميزان العدالة حين تُقام الحدود على الضعفاء ويتفلت منها الأقوياء، إذ يتحول القانون من ميزان حق إلى أداة تكريس طبقية، بينما في الميزان الإسلامي لإقامة العدل يوزن الناس بميزان الحقوق والحدود التي فرضها الله، لا بأنسابهم ولا أموالهم، ولا استثناءات يمكن أن تتفلت من ذلك الميزان الإسلامي المُحكم والدقيق، لأن أي اختلال في ذلك الميزان سيؤدي إلى نتائج مدمرة على الفرد والمجتمع بل والكون بأسره.

مآلات الجور في الميزان

ويقودنا ذلك مباشرة إلى الأضرار الاجتماعية التي يتسبب بها فساد الموازين بمعانيها القرآنية المتنوعة وبسياقاتها المتدرجة من الأدنى إلى الأعلى، إذ يترتب بعضها على بعض ويؤدي فساد أحدها إلى إفساد كافة الموازين الأخرى، وذلك على مستويات متعددة، منها:

1- انتشار الأمراض الاجتماعية: إن استحلال السرقة عبر الجور في الموازين -التي حذر منها القرآن في قصص الأمم وفي آيات التطفيف- يؤدي إلى تجذر الأمراض الاجتماعية كالسرقة والغش والاحتيال والنفاق والكذب، وكلها أمراض تضرب تماسك المجتمع الذي أراد له الإسلام أن يكون كالجسد الواحد يشد بعضه بعضاً، فهذه الأمراض الاجتماعية الذميمة تخلف أزمة ثقة في المجتمع واستشراء الكراهية والعنف والجرائم.

2- توحش التفاوت الطبقي: إن تحقق الثراء السريع بطريق غير مشروع من خلال الجور في الموازين والسرقة يسفر عن تأصيل التفاوت الطبقي عبر تكريس مصالح فئة على حساب سائر فئات المجتمع؛ ما يحرض الأفراد على اتباع الأساليب غير المشروعة للثراء، ويُراكم شعورًا بالغبن يمكن أن ينفجر في صور من العنف والجريمة والاضطراب الاجتماعي.

3- ظهور الاستبداد: تؤدي سيطرة فئة اجتماعية ثرية حققت ثراءها بالسرقة والجور إلى سعي تلك الفئة للاستئثار بكافة المنافع في المجتمع وتركيز السلطات في أيدي كوادرها وذلك لاستدامة الوضع المختل لميزان المجتمع على ما هو عليه، ما ينشأ عنه نظام اجتماعي واقتصادي وسياسي تُحتجز فيه الثروة والسلطة بيد قلة، بينما يُدفع عموم الناس إلى الهامش، في صورة صريحة لاختلال الميزان الذي جاء الوحي لإقامته.

وأخيراً، فإن الميزان في الفهم القرآني يفتح آفاقاً شديدة الأهمية للإصلاح الاجتماعي من منظور العدل، فإقرار ميزان العدل كمقياس لكافة جوانب حياة الفرد والمجتمع الضامن الوحيد لحماية المجتمع من الفوضى والفساد، وصيانة ميزان المجتمع، في الاقتصاد والسياسة والقضاء، هي جزء من صيانة ميزان الكون الذي أقامه الله على العدل، ولا يمكن لمجتمع أن ينجو من الهلاك وهو يعبث بموازين الله في الأرض.

اقرأ أيضا:

بناء الموازين الاجتماعية

الأقلِّية المفسِدة في المجتمع المسلم

الأثرياء في الفضاء الاجتماعي.. ترف أم رفاهية؟

الرابط المختصر :

اترك تعليقاً

التعليقات (0)

لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلق!

تابعنا

الرئيسية

مرئيات

جميع الأعداد

ملفات خاصة

مدونة