القرآن وتجديد المجتمع (4)

بناء الموازين الاجتماعية

نتناول في هذه المقالة بشكلٍ موجَزٍ دور القرآن في بناء المعيارية الاجتماعية، واستعادة الموازين الاجتماعية التي تؤسِّس لحركة المجتمع وحيويته، وبيان خطورة فقد المجتمع لهذه المعيارية وتلك الموازيين.

منطق الفكرة

لا يستطيع مجتمعٌ ما أن يضمن سلامة حركته، أو أن يحقِّق تطوُّرًا أو تحسينًا أو تغلُّبًا على مُعوقاتٍ، أو يحقِّق أفراده طموحهم، من خلال توظيف حقيقيٍّ لطاقاتهم ومواهبهم إلا إذا تمتَّع ذلك المجتمع بتوافر موازينَ ثابتةٍ عادلةٍ مطلَقة تحكم حركة المجتمع وتؤسِّس لسيره الحضاري.

هذه الموازين هي ما يُطلَق عليها في علم الاجتماع فكرة/مبدأ المعيار، وهذا المبدأ يتَّسم بالثبات والموضعية، هذا المعيار هو الذي يضمن لأفراده الحياة الاجتماعية التي تتَّسم بالحيوية، ويضمن للعمل الجادِّ مكانته وقيمته في بناء المجتمع وتنميته ونهوضه، ويمنح الأمل -تلك الطاقة الإيجابية الملهِمة للفرد- لمستقبل الفرد والمجتمع.

إن الأدبياتِ الحديثةَ في مجال علم الاجتماع تحذِّر من غياب فكرة/مبدأ المعيار كحاكمٍ لحركة المجتمع وأساسٍ لنظامه التربوي والثقافي والاجتماعي، واعتبرت هذه الأدبيات أنَّ غياب المعيار يعني الضياع الاجتماعي بما يخلِّفه من يأسٍ وقنوطٍ يهيمن على تصورات الفرد وحركة المجتمع عامَّةً، وهو ما يترتَّب عليه بالضرورة الاجتماعية إشاعة الانحراف وزيادة الجريمة الاجتماعية.

يقول أنتوني غدنر: إنَّ ظاهرة الجريمة والانحراف تنتُج عن التوترات والخلل الهيكلي في المجتمع الذي ينتُج بدوره عن الافتقار إلى آليات التنظيم الاجتماعي والضبط الأخلاقي في المجتمع، فإذا لم تتوازن وتتقابل تطلُّعات الأفراد والجماعات مع ما يقدمه المجتمع من مكافآتٍ أو حوافزَ ثوابيةٍ، فإن الشُّقة أو الفجوة بين الرغبة وتحقيقها قد يدفع بعض الأفراد إلى الانحراف لا سيَّما في ظلِّ سيادة اللامعيارية/الضياع الذي يولِّد لدى الفرد الشعور بالقنوط وانعدام الهدف في ظلِّ غياب المعيار الاجتماعي/القيم الاجتماعية الثابتة. (انظر: أنتوني غدنر: علم الاجتماع، ص 283).

ويمكن أن نستنج أهمَّ العوامل التي تهيمن في ظلالها فكرة اللامعيار/الضياع على حركة المجتمع وتعوق طاقاتِ أفراده ناحية العمل والتطلُّع والأمل، هذه العوامل هي:

1- تحوُّل السلطة من ميزانٍ ومعيارٍ لحركة الفرد إلى تسلُّط على هذه الحركة والتحكُّم في مصيرها ومستقبلها.

2- تحوُّل القانون من معيار عدلٍ للفصل بين الناس إلى انحيازٍ في التطبيق واهتراءٍ في الممارسة.

3-تحوُّل قيمة العدالة الاجتماعية -كأساسٍ لبناء المجتمع- إلى طبقيةٍ اجتماعيةٍ مَقيتةٍ تحُول بين الأفراد وحقوقهم المشروعة.

هذه العوامل الثلاثة إنما تؤسِّس بشكلٍ فجٍّ إلى اللامعيار وتؤدِّي كما في حسابات علم الاجتماع واستقراء أحوال الشعوب قديمًا وحاضرًا إلى الضياع الاجتماعي والحضاري.

القرآن وبناء المعيارية الاجتماعية

إن القرآن نزل لتلبية حاجةٍ اجتماعيةٍ وهي بناء مجتمعٍ إنسانيٍّ على أساسٍ من الفطرة السليمة والعقل السَّويِّ، لذلك فإنَّ القرآن توجَّه إلى إرشاد للناس إلى المعيارية الاجتماعية بكلِّ وضوحٍ وشفافيةٍ وعدالةٍ غير مسبوقةٍ، وذلك في معالجةٍ لهيمنة فكرة الضياع التي سيطرت على المجتمع البشري آنذاك أو في أيِّ عصرٍ آخرَ.

يمكن أن نلحظ بناء المعيارية الاجتماعية في القرآن في عدَّة مواضع.

1- النموذج النظري:

يوجِّه هذا الموضع إلى مبدأٍ رئيسٍ يؤسِّس للتصوُّر الاجتماعي الإسلامي وهو أنَّ القرآن وحدَه هو الميزان الذي يتضمَّن أصول الموازيين الاجتماعية كلَّها، قال تعالى: (لَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا بِالْبَيِّنَاتِ وَأَنزَلْنَا مَعَهُمُ الْكِتَابَ وَالْمِيزَانَ لِيَقُومَ النَّاسُ بِالْقِسْطِ) (الحديد: 25)، قيل: الميزان ما يعمل الناس، ويتعاطون عليه في الدنيا من معايشهم التي يأخذون ويعطون، يأخذون بميزانٍ، ويعطون بميزانٍ، يعرف ما يأخذ وما يعطي، والميزان: الأفعال التي فيها عدل الناس ومصلحتهم وهو إشارةٌ إلى رعاية العدل.

ومن وجوه وظائف الميزان في الآية: أنْ يحكم الناس فيما بينهم بالإنصاف؛ أي بالعدل فيما يأخذون وفيما يعطون، أي بالمعيار الثابت الذي لا يتغير حين الأخذ أو العطاء أو الحق أو الاستحقاق.

إنَّ البشر يحتاجون في حركتهم وفي اختلافهم واضطرابهم إلى أن يرجعوا إلى ميزانٍ ثابتٍ يقضي بينهم بالإنصاف بلا تحيزٍ وبلا انفعالٍ وبلا محاباةٍ وبلا مصلحةٍ فرديةٍ وبلا أهواءٍ وبلا ترجيحاتٍ وضعيةٍ أيًّا كان وضعها أو شكلها أو مسمياتها، ولا يجد الإنسان على الأرض كتابًا يعالج هذه القضية بهذه المتطلَّبات إلا القرآن الكريم.

2- النموذج التطبيقي:

(إِنَّا أَنزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ لِتَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ بِمَا أَرَاكَ اللَّهُ ۚ وَلَا تَكُن لِّلْخَائِنِينَ خَصِيمًا) (النساء: 105)؛ تسجِّل الآية حالةً من التطبيق العملي لمبدأ المعيار الاجتماعي ومواجهة اللامعيار، حيث تسجِّل حادثةً وقعت في المجتمع المسلم والحكم فيها كان النبي صلى الله عليه وسلم، والمتخاصمون مسلمٌ ويهوديٌّ، والحادثة: سَرِقة درعٍ، حيث لجأ المسلم الذي سرق الدرع وهو طعمة بن أبيرق إلى اتهام اليهودي وذهب بقومه إلى النبي صلى الله عليه وسلم من أجل تحويل المعيار في الحكم إليهم على اعتبار أنهَّم مسلمون ومن اتهموه يهوديٌّ رغبةً منهم وأملًا أن يحكم النبي صلى الله عليه وسلم.

فنزلت الآية تقرِّر ثبات المعيار في المجتمع المسلم وتوجِّه النبي صلى الله عليه وسلم وتنهاه أن يتَّخذ من الخصومة الدينية (من المتَّهم اليهودي) معيارًا للحكم لصالح المتَّهم المسلم (التوافق الديني).

بل جاء القرآن ناهيًا النبي صلى الله عليه وسلم عن الاستماع لدعاوَى المسلم وقومه واعتبرهم خائنين مجادلين بالباطل أرادوا أن تهيمن فكرة اللامعيار على المجتمع المسلم كما كانت مهيمنةً في الجاهلية.

فجاء النهي للنبي صلى الله عليه وسلم عن ذلك، بل وأمره تعالى بالاستغفار من الميل إلى الإشاعات التي أحاطت باليهودي وإلصاق التهمة به، قال تعالى للنبي صلى الله عليه وسلم: (وَاسْتَغْفِرِ اللّهَ إِنَّ اللّهَ كَانَ غَفُوراً رَّحِيماً {106} وَلاَ تُجَادِلْ عَنِ الَّذِينَ يَخْتَانُونَ أَنفُسَهُمْ إِنَّ اللّهَ لاَ يُحِبُّ مَن كَانَ خَوَّاناً أَثِيماً) (سورة النساء).

وتصل القصة في خاتمتها إلى تأكيد أنَّ القرآن وحدَه بمبادئه وأحكامه ومنهجه هو الضامن لفكرة المعيار/ الحق/ العدل التي يجب أن يستند عليها المجتمع ويستمدَّ منها كلَّ تصوراته ومفاهيمه في بناء الموازين الاجتماعية.

يقول تعالى للنبي صلى الله عليه وسلم وللمسلمين من ورائه: (وَلَوْلَا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكَ وَرَحْمَتُهُ لَهَمَّت طَّائِفَةٌ مِّنْهُمْ أَن يُضِلُّوكَ وَمَا يُضِلُّونَ إِلَّا أَنفُسَهُمْ ۖ وَمَا يَضُرُّونَكَ مِن شَيْءٍ ۚ وَأَنزَلَ اللَّهُ عَلَيْكَ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَعَلَّمَكَ مَا لَمْ تَكُن تَعْلَمُ ۚ وَكَانَ فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكَ عَظِيمًا) (النساء: 113).

كما وجَّهت الآيات اللوم إلى المسلمين الذين جاؤوا إلى النبي صلى الله عليه وسلم متوسلين لبراءة طعمة بن أبيرق (المتهم الحقيقي) على اعتبار توافق الديانة، لكن جاء النهي واضحًا وحاسمًا واللوم كذلك قال جل شأنه للمسلمين: (هَا أَنتُمْ هَٰؤُلَاءِ جَادَلْتُمْ عَنْهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا فَمَن يُجَادِلُ اللَّهَ عَنْهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَم مَّن يَكُونُ عَلَيْهِمْ وَكِيلًا) (النساء: 109).

ومما يُستفاد –في بناء الموازين الاجتماعية -من هذا التسجيل القرآني لهذه الحادثة نشير إلى ما يأتي:

1- النهي عن الانحياز الديني: إنَّ كفر الكافر لا يبيح المسامحة بالنظر له، بل الواجب في الدين أن يحكم له أو عليه وفقًا للمعيار.

2- إنَّ المعيار الثابت المطلَق –وهو القرآن- هو وحدَه ما يحمل كلَّ مبادئ ومعاني الحَيْدة والعدل والعدالة.

3- مدافعة كلِّ أوجه الخلل في الموازين الاجتماعية، لأنَّ هذا الخلل بحسب نظرية فيض الظلم سوف يعود إلى كلِّ أفراد المجتمع أينما كانوا وحيثما كانوا لو لم يتكاتفوا لمدافعته وفقًا للمعيار القرآني وحدَه.

4- إنَّ تربية المجتمع المسلم على فكرة المعيار القرآني لبناء الموازيين الاجتماعية واجبٌ على علماء الأمة ومؤسساتها، لأنَّ هذه التربية الضامن الحقيقي لسلامة المجتمع وصحته وخُلُوِّه من الآفات والأمراض التي تنتج عن فقد المعيار والميزان الاجتماعي.

هذه القصة التي سجَّلها القرآن من أعظم ما يمكن الالتفات إليه في بناء الموازيين الاجتماعية، إذ إنَّها قرَّرت جادة الحكم والمعيار، ونهت عن الانحياز الديني، وندَّدت بالانحياز الاجتماعي واعتبرتهما معوقاتٍ للموازين التي أقرَّها القرآن لبناء مجتمعٍ إنسانيٍّ جديدٍ يقوم على العدالة المطلَقة ونفي التحيُّز واللامساواة والطبقية الاجتماعية وعدم الانصياع للشائعات، وهذه جميعها أسس اللامعيار الذي يهدِّد المجتمع الإنساني بالضياع والاضطراب والتوتُّر والجريمة.


اقرأ أيضاً:

القرآن وتجديد المجتمع (1)

أسباب النزول

سؤال القرآن.. المفهوم والمشروعية


الرابط المختصر :

تابعنا

الرئيسية

مرئيات

جميع الأعداد

ملفات خاصة

مدونة