الزكاة.. والتنمية الاقتصادية

د.محمد معتمد

17 سبتمبر 2026

37

رسم يجسد تدفق الزكاة والعطاء ليدعم الزراعة والتجارة والحرف اليدوية

إن للزكاة أهدافاً، وحِكماً، فرضت من أجلها، وليس الغرض منها مجرد أن يقوم المسلم بالدفع من ماله مقدار زكاته، وإنما الغرض منها تزكية نفسه، وتطهيرها وتحقيق التكافل الاجتماعي في المجتمع المسلم، كما قال الله تعالى: (خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِمْ بِهَا وَصَلِّ عَلَيْهِمْ إِنَّ صَلَاتَكَ سَكَنٌ لَهُمْ وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ) (التوبة: 103)، ومن بين أهداف الزكاة أهداف اقتصاديه، حيث إن الزكاة عبادة مالية لها بعد روحي وبعد تشريعي وبعد اجتماعي واقتصادي.

فالبعد الأول: يتمثل في شعور الفرد بتأدية فرض الله تعالى: (وَالَّذِينَ هُمْ لِلزَّكَاةِ فَاعِلُونَ) (المؤمنون: 4).

والبعد الثاني: والذي يتعلق بجمعها وصرفها وتناول هذا الجانب الفقهاء.

البعد الثالث: يتعلق بالنفع الذي يعود على المجتمع من الجانب الاجتماعي والاقتصادي من ورائها والذي نتعرض له فيما يلي:

أولاً: توفير حد الكفاية لأفراد المجتمع وتقليل حدة الفقر والبطالة:

يسعى الإسلام إلى توفير حد الكفاية – وهو الحد الفاصل بين الفقر والغنى لجميع أفراد المجتمع الإسلامي حتى يتمكن المجتمع من الوصول إلى حد الرفاهية والرغد، وللوصول إلى حد الكفاية أوجد الإسلام عدة وسائل أبرزها فريضة الزكاة، وتساهم الزكاة في توفير حد الكفاية للمجتمع من خلال:

1- محاربة الفقر:

وذلك من خلال صرف الزكاة إلى مصارف محددة أبرزها الفقراء والمساكين يساهم في تحقيق حد الكفاية لهم من حصيلة الزكاة، ففي قوله تعالى (إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِينِ وَالْعَامِلِينَ عَلَيْهَا وَالْمُؤَلَّفَةِ قُلُوبُهُمْ وَفِي الرِّقَابِ وَالْغَارِمِينَ وَفِي سَبِيلِ اللَّهِ وَاِبْنِ السَّبِيلِ فَرِيضَةً مِنَ اللَّهِ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ) (التوبة: 60).

جاء الصرف للفقراء من أول مصارف الزكاة، كما أن الإسلام جعل للفقراء حقاً في مال الأغنياء وذلك من خلال فرض الزكاة، وبذلك يجعل الفقير يحب أخاه الغنى ويشعر أن في نماء ماله فائدة تعود عليه، فحينما يخرج الغنى والميسرون زكاة أموالهم يشعر الفقراء بالتضامن وروح المحبة في المجتمع المسلم(1).

2- محاربة البطالة:

تعمل الزكاة على محاربة البطالة، عن طريق توفير فرص عمل للشباب، مثل إقامة مشروعات إنتاجية، وتمليكها للمستحقين لها من الشباب العاطلين، وغيرها للمستحقين، والتي تأتى بطرق غير مباشرة، كرفع نسبة الاستهلاك، والرواج التجاري، اللذان يوفران فرص للتشغيل وبذلك ينعش الاقتصاد، ولا يظل المال دولة بين الأغنياء، فقط كما حذر القرآن الكريم، كما يمكن إخراج مال الزكاة عيناً، كشراء آلة للعمل بدلاً من إخراجها نقداً، كما أجاز الفقهاء إخراج أموال من الزكاة المخصصة الفقراء، والمساكين، للعاطلين عن العمل، بشرط ألا يكون هذا العاطل يملك المال، حيث لا يجوز إخراج الزكاة للغنى، والعاطل هنا هو من يبحث عن العمل ولا يجده، وهو ما يسمى البطالة الإجبارية.

كما أن الإسلام من خلال فرض الزكاة، يعمل على الحفاظ على الأيدي العاملة، وفي مخرج الغارمين دليل على ذلك، حيث يشجع على الاستثمار، وإعطاء الطمأنينة لدى أصحاب المال؛ ما يؤدي إلى الحفاظ على الأيدي العاملة، ومحاربة البطالة.

ثانياً: الزكاة وتشكيلة الموارد:

تسهم مصارف الزكاة في تشكيل الموارد؛ لأن المهم هو أن حصيلة الزكاة لا تذهب كلها لاستهلاك الفقراء كما يعتقد الكثيرون، وهذا لا ينطبق فقط على أسهم العاملين عليها والمؤلفة قلوبهم وفي سبيل الله، والأول والثاني يذهب إلى أشخاص ليسوا بالضرورة فقراء يستهلكون كل ما يدفع لهم، والثالث ينفق في كثير من مصارف الأمة الاستثمارية، كالإنتاج العسكري والأبنية الهيكلية، والخدمات الاقتصادية.

حتى باقي المصارف الأخرى مثل الفقراء والمساكين لا تذهب حصيلتهم كلها للاستهلاك، بل يذهب جزء منها في الإنتاج لأن الهدف منها مساعدتهم للاستغناء عنها، أما الغارم فيدفع له من حصيلة الزكاة ما يمكنه من العودة إلى مجال الإنتاج مرة أخرى(2).

ثالثاً: تنمية الاقتصاد من خلال التأثير على الاستثمار:

تؤثر الزكاة على الاستثمار من خلال أن الزكاة تحفز على الاستثمار وتعمل على تنمية المال(3)، كل مسلم تجاوز حد الكفاية وتوافرت في ثروته شروط وجوب الزكاة أمامه أمران؛ الأول: أن يدفع الزكاة مع تعطيل الثروة بعدم استثمارها، وبمرور الزمن يجد نفسه في مستوى حد الكفاية لا يزيد عنه، وهو مالا يوافق هوى النفس البشرية، الثاني: أن يدفع الزكاة مع استثمار الثروة وبمرور الزمن يجد نفسه في مستوى الرفاه والرغد، وهو ما يوافق هوى النفس البشرية، وبالتالي تؤدي الزكاة إلى زيادة حجم الاستثمار، بالإضافة إلى تناسب نسبة الزكاة مع الجهد، فهي على الذهب والفضة وعروض التجارة 5.2%، والزروع المروية بالأمطار 10%، وعلى وعاء المزروعات التي تروى بالآلة تبلغ النسبة 5%، فيه دافع إيجاب للمنتج لزيادة الإنتاج.

محاربة الاكتناز: يؤدي الاكتناز إلى تعطيل وظائف النقود الاقتصادية، وعملية الاستثمار يتطلب وجود مبالغ نقدية تدفع لعناصر الإنتاج المختلفة لتقديم مساهمتها في العملية الإنتاجية، مما يؤثر على حجم الاستثمار.

والاكتناز يؤدي إلى عدم معرفة الفرص الاستثمارية، وقد لا يكون الاكتناز نتيجة للخوف من المخاطرة، ولكنه يكون نتاجًا للجهل بالأوضاع الاستثمارية والفرص الاستثمارية وهذا يتحقق أيضا في المجتمعات المتخلفة خاصة في العصر الحديث، حيث كثيرًا من الأغنياء في المجتمعات يحتفظون بكميات من النقود القيمة الحقيقية لمكتنزاتهم، مما يعني التدهور المستمر لقيمة النقود، الأمر الذي يعني أن الاكتناز في عدم تنمية المال.

وتعمل الزكاة على زيادة حجم الاستثمار من خلال سهم «الغارمين»؛ حيث إن في سداد ديون الغارمين من أموال الزكاة له أثر كبير على الاقتصاد وذلك من خلال دعمه الاستثمار وتشجيعه لأنه يحافظ على تجارة المدين ويحفظ له ماله كما أنه يعمل على زيادة اطمئنان أصحاب الأموال المقرضون لأموالهم بأنه في حالة خسارة المقترضون وعدم قدرتهم على سداد الديون فيتم سداد ديونه من أموال الزكاة فهذا يدفع أصحاب المال إلى استثمار أموالهم دون خوف عليها، مما يؤدى في النهاية إخراج سهم من أموال الزكاة إلى زيادة الحافز على الاستثمار(4).

رابعاً: توفير الاستقرار الاجتماعي:

توفير البيئة المستقرة اجتماعيًا وتضمن وضعا أفضل للنشاط الاستثماري، تقلل من درجة المخاطر التي تتعرض لها الاستثمارات، والزكاة تعمل توافر هذه البيئة المستقرة لأن من مقاصدها الكبرى:

1- تأليف قلوب المجتمع:

وهكذا يؤدي الإنفاق على مصارف الزكاة إلى تشجيع الاستثمار من خلال توفير بيئة اجتماعية وسياسية أكثر استقرارًا.

الإنفاق من حصيلة الزكاة لسداد ديون الغارمين، فإن هذا يعني أن بيت المال يضمن للدائن وفاء دينه وفي هذا دعم الائتمان، لأن المقترض في غير معصية للقيام بتجارة أو صناعة أو فلاحة سوف يطمئن إلى أنه إذا عجز عن سداد دينه فإن المجتمع سوف يؤدي عنه دينه لذلك يتجنب الإفلاس ومما يؤدي إليه من حرمانه من المساهمة في النشاط الاقتصادي، ومن ناحية أخرى فإن المقرض لا يحجم عن الإقراض مادام مطمئنا إلى سداد دينه ولذلك تعمل الزكاة على تسير الائتمان وتشجيعه الأمر الذي له أكبر الأثر على تمويل التنمية الاقتصادية العام(5).

2- تحقيق الضمان والتكافل الاجتماعي:

الزكاة جزء رئيس من حلقة التكافل الاجتماعي، التي تقوم علي توفير ضرورات الحياة، من مأكل ومشرب، ومسكن، وسداد للديون، وإيصال المنقطعين إلى بلادهم، وفك الرقاب، ونحو ذلك من أوجه التكافل وهذا ما جاء في قوله تعالي في سورة التوبة (إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِينِ وَالْعَامِلِينَ عَلَيْهَا وَالْمُؤَلَّفَةِ قُلُوبُهُمْ وَفِي الرِّقَابِ وَالْغَارِمِينَ وَفِي سَبِيلِ اللَّهِ وَاِبْنِ السَّبِيلِ فَرِيضَةً مِنَ اللَّهِ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ) وهذه مصارف الزكاة تبين أوجه الصرف المقررة في الآية مدى التكافل الاجتماعي، فالزكاة وسيلة كبير في تحقيق التكافل الاجتماعي(6).

نظراً للأثر الكبير سواء على المستوى الاقتصادي أو الاجتماعي للزكاة فقد عرفت اهتماماً خاصاً بها منذ نشأة الدولة الإسلامية، وذلك لمساهمتها في تشجيع الاستثمار وعدم تركز الثروة في يد فئة قليلة من خلال تحقيق العدالة الاجتماعية في توزيع المداخيل كما أنها تسهم في معالجة الفقر والتقليل من حدته إلى أبعد مدى ممكن.

من جهة أخرى تعمل الزكاة على معالجة إحدى المشكلات المستعصية في دول العالم الإسلامي وهي البطالة، وللزكاة مقاصد شرعية مما يتطلب بكل مسلم أن يؤدها على الوجه المطلوب(7).

الهوامش
  • 1 انظر: سعيد هلاوي، الزكاة تحارب البطالة وتدعم الفقراء وتساهم في التوزيع العادل للثروة، جريدة التجديد، المغرب، العدد (3028)، 26 نوفمبر، 2012م، ص9، وانظر: البشير عبدالكريم، الأبعاد النظرية والميدانية للزكاة، مداخلة قدمت للملتقى الدولي حول: مؤسسات الزكاة في الوطن العربي، دراسة تقويمية لتجارب مؤسسات الزكاة ودورها في مكافحة الفقر، جامعة سعد، بحلب، البليدة، الجزائر، ص7.
  • 2 د. سلطان بن محمد بن علي السلطان، الزكاة تطبيق محاسبي معاصر، ص 20.
  • 3 د. عبدالله بن منصور الغفيلي، نوازل الزكاة، بنك البلاد، دار الميمان، المملكة العربية السعودية، ط1، 2008م، ص 54.
  • 4 د. سلطان بن محمد بن علي السلطان، الزكاة تطبيق محاسبي معاصر، ص 103.
  • 5 د. عزالدين مالك الطيب، اقتصاديات الزكاة وتطبيقاتها المعاصرة، المعهد العالي لعلوم الزكاة، السودان، ص 47 - 52.
  • 6 راجع: د. عبدالله بن منصور الغفيلي، نوازل الزكاة، ص55.
  • 7 مهداوي هند وصباغ رفيقة، الزكاة آلية من أجل تشجيع الاستثمار ومحاربة البطالة، المجلة الدولية للبحوث الإسلامية والإنسانية المتقدمة، المجلد (5)، العدد (9)، سبتمبر 2015، ص14.
الرابط المختصر :

اترك تعليقاً

التعليقات (0)

لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلق!

تابعنا

الرئيسية

مرئيات

جميع الأعداد

ملفات خاصة

مدونة