السنن الإلهية في الدعوة الى الله.. البلاغ المبين
البلاغ المبين
إن من أفجع
الآفات التي تُبتلى بها المقاصد الشريفة والدعوات الإلهية في هذه الحياة، أن تثقل
عليها وسائُلُها، فتتحول الأدوات في نفوس حامليها من خادمٍ يؤدّي إلى غايةٍ تُعبد
من دون المقصد؛ فيغدو المصلح أو الداعية مشغولاً بما يصنعه ويشيّده أكثر من
انشغاله بما يصل إلى أرواح الناس، وبما يبنيه من كيانات وهياكل أكثر من انشغاله
بما يزرعه من إيمان وبصيرة في الإنسان، وبما ينشره من مقاطع وكلمات أكثر من
انشغاله بما تحدثه هذه الألفاظ من أثر يغير مجرى الحياة.
ولقد استشرت في
العمل الدعوي المعاصر مظاهر الاستكثار الشكلي؛ حتى غدت الكثرةُ معياراً للنجاح،
تُقاس ببريق الحشود، وضخامة المؤسسات، وسعة النشر في المنصات، بينما يظل السؤال
الخالد غائباً أو مغيباً تحت ركام الصخب: هل بلغت رسالة الله كما أنزلها؟ وهل وصلت
حقيقتها ناصعةً إلى القلب الذي يحتاجها؟
لقد كثر القول
وقلّ البلاغ، واتسعت المنصات وانحسر الأثر، وتكاثرت الخطب والمحاضرات بينما بقي
الإنسان وهو المدار والأصل الذي أنشئت لأجله هذه الوسائل نائياً عن أنوار الهداية،
أو حائراً في زحام الرسائل المتضاربة.
وحين يطوف هذا
الاضطراب بموازين الفكر، ينساب البيان القرآنيّ كالفجر الصادق ليردّنا إلى نقطة
الابتداء، وإلى المعيار الأصيل الذي لا يخدع ببريق الكثرة ولا بضخامة المشهد: (فَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنَّمَا
عَلَيْكَ الْبَلَاغُ الْمُبِينُ) (النحل: 82).
إنها آيةٌ تختزل
فلسفة الوجود الدعوي كله؛ إذ ليس البلاغ المبين مجرد إلقاء للكلمة في الهواء، ولا
صعودٍ للمنابر، ولا ملءٍ للفضاء الرقمي بالصور والتصاميم، وإنما هو وصول الرسالة
في نصاعتها وحجتها، ومقصدها ومناسبتها للروح؛ حتى يقوم الحق بين يدي المدعوّ جلياً
لا غَبَش فيه، يرى به كيف يسير وإلى أين يُساق
إن الفرق شاسع
بين أن تصل كلمات الداعية إلى آذان الناس، وبين أن تصل رسالة الله إلى عقولهم
وقلوبهم؛ فقد تصل الكلمة إلى الآلاف ولا يصل معناها، وقد تنتشر الموعظة في الآفاق
ولا تلامس سوى الفراغ؛ لأن الانتشار ليس هو البلاغ، والشهرة ليست هي البلاغ،
والتفاعل الرقمي ليس هو البلاغ، وإنما البلاغ هو قيام الحجة واستنارة الفطرة.
ومن هنا جاء
التكليف الحاسم لرسول الله صلى الله عليه وسلم: (يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ
مِنْ رَبِّكَ وَإِنْ لَمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ) (المائدة: 67)،
لتظل الأمانة مقيدة بصفاء النقل ورعاية المقصد، أما هداية القلوب وتوفيقها فتلك
يدٌ إلهيةٌ لا يملكها بشر: (إِنَّكَ
لَا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ) (القصص: 56)؛
وتلك التفرقة الدقيقة هي التي تحرر الداعية من وهم صناعة الجمهور، وتنقله إلى شرف أداء
الأمانة.
ومن رحم هذا
الغياب للميزان القرآني، تتسلل إلى الجسد الدعوي آفاتٌ مهلكة يتدحرج بعضها إلى
بعض؛ وفي مقدمتها هوس التدقيق في النشر وحسابات الرقم، حيث يستبدّ بالناس السؤال
الشكلي: كم نشرنا وكم جمعنا؟ بدلاً من السؤال الأعمق: ماذا أردنا أن نبلغ؟ وكيف
يلامس الدواء موضع الداء؟
إن المريض لا
يبرأ بكثرة العقاقير وإنما بالدواء الذي يصيب موضع العلة؛ وكذلك القلوب والعقول
منها ما يطلب الحجة والبرهان، ومنها ما يستسقي الرحمة والسكينة، ومنها ما يحتاج
إلى جواب شافٍ يزيل الشبهة لا إلى تكرار الشعارات، فالبلاغ المبين فقهٌ أعمق من
المهارة والإنتاج؛ إنه فقه بالرسالة، وفقه بالمخاطَب، وفقه بالظرف والزمان.
غير أن الأمر لا
يقف عند حدود الخطابة والشاشات، بل يتجاوزها إلى ما هو أشدّ عمى وأعظم خطراً؛ حين
تتحول الكيانات والمؤسسات من جسور تُوصل إلى الحق، إلى سُدودٍ تحجب نوره، تنشأ
المؤسسة في أول أمرها خادمةً للدين، ومع تطاول الأيام يتسلل الصنمُ الخفي إلى
النفوس، فيغدو الهمّ الشاغل هو بقاء المؤسسة وتمدد اسمها!
وتوضع اللوائح
لتنظيم السير، فإذا بها تُعبد من دون المقصد، ويُضحّى بالغاية الشريفة حذراً على
الهيكل الإداري أو الرصيد المالي! وهنا تنكشف الحقيقة الصارمة التي لا مهرب منها،
إن الكيان وسيلةٌ لحفظ الرسالة، وليس الدينُ وسيلةً لحفظ الكيان؛ والوعاء إنما
يُطلب لما فيه، فإذا فرغ الوعاء من جوهره استحال عبئاً، وإذا تحول الهيكل إلى مقصد
صار عقبة تدفع الناس بعيداً عن الله.
وتكتمل المأساة
حين تتسع دائرة الانحراف لتصل إلى خطيئة انقلابات الغايات؛ حين تُسَخَّر الدعوةُ
لمشروعات سياسية أو نفوذ حزبي ضيق، إن الأصل الأصيل أن تكون الدعوة إلى الله هي
الغاية العليا التي تتسع لها كافة مجالات الإصلاح، لكن الخلل الماحق يبدأ حين
يُستجلب الدين مادةً للتعبئة الجماهيرية، ويُساق الداعية خادماً لعرش الصراع
السياسي، بدلاً من أن تُسَخَّر السياسةُ نفسُها بوصفها تدبيراً من تدابير الإصلاح
ورعاية المصالح لخدمة كليات الدين ومقاصد الحق، حينئذٍ ينقلب الميزان الإلهي؛ فلا
يعود السؤال: كيف نخدم دين الله في الأرض؟، بل كيف نستخدم الدين لخدمة مشروعنا؟.
بينما الحقيقة
التي تبدد كل زيف تؤكد أن الرسالة أعظم من الأحزاب، وأبقى من الكيانات، وأوسع من
المؤسسات، وأنفذ من التقلبات السياسية المتقلبة.
وأمام هذه
المتاهة، لا مناص للمصلحين والمؤسسات من وقفة تجريد صادقة مع النفس، يطرحون فيها
أسئلة البصيرة الناقدة: لو انطفأت منصاتنا وسقطت كياناتنا، أيبقى أثر الرسالة حياً
في النفوس أم يزول بزوال الاسم؟ ولو توارت ألقابنا، أيبقى نور البصيرة الذي غرسه
الخطاب أم كان هباءً منثوراً؟
إن العالم اليوم
لا يعاني من قلة الكلام، بل يعاني من زحام الأصوات وضجيج الرسائل؛ ولهذا لا نحتاج
إلى رفع العقيرة بالصراخ، بل إلى جعل الرسالة أوضح وأصدق وأنفذ، نحتاج إلى كلمات
خرجت من روح تقية، وإلى كيانات تعرف لماذا وجدت ومتى يجب أن تتوارى ليظهر نور الله
وحده.
إن النجاح
الدعوي الحقيقي لا يُقاس يوماً بضخامة البناء الإداري، ولا بكثرة الضجيج الإعلامي،
وإنما يُقاس بمدى استقامة الميزان في القلوب؛ نشرٌ أقلّ وبلاغٌ أوضح، وخطبٌ أقلّ
وأثرٌ أعمق، وكياناتٌ تتضاءل لتعظم الرسالة، وسياسةٌ تُسَخَّر للإصلاح لا دعوةٌ
تُستغلُّ للسياسة، حينئذٍ فقط تعود الدعوة إلى أصلها الشريف النقي؛ رسالةً لا
دعاية، وبلاغاً لا ضجيج، وبصيرةً لا كثرة، وعبوديةً لا زعامة، وإنساناً يتصل بربه
وعقيدته، لا رقماً يُجمع في سجلات المتابعين، وحين يستقيم هذا الميزان، تنحسر
الظلال ويبقى البلاغ، ويُمحى اسم الداعية ليَسطعَ وحده نورُ الله.
التعليقات (0)
لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلق!
اترك تعليقاً