السيدة سودة بنت زمعة.. كثيرة الطاعة شديدة الالتزام بالسُّنة
كان النبي صلى
الله عليه وسلم يجبر خاطر المتضررين، ويذكر فضل السالكين معه طريق الإسلام، ويلبي
رغبات الطامعين في رحمته، ويرخص للمرضى العبادات تيسيراً عليهم، ولقد نالت السيدة
سودة بنت زمعة ما سبق من سمو أخلاق النبي صلى الله عليه وسلم، فكان لا بد من إلقاء
الضوء على حياتها معه صلى الله عليه وسلم على النحو التالي:
حياة السيدة سودة بنت زمعة قبل النبي
هي سودة بنت
زمعة بنت قيس من بني شمس، وأمها الشموس بنت قيس بن عمرو من بني النجار من أهل
يثرب، ولدت في مكة ونشأت وترعرعت فيها حتى بلغت مبلغ الأزواج، تقدم لخطبتها زوجها
السكران بن عمرو فقبلت به زوجاً.
ولما جاء
الإسلام أسلمت هي وزوجها مع النبي صلى الله عليه وسلم، ولما تعرض المسلمون للأذى
حثهم النبي صلى الله عليه وسلم على الهجرة إلى الحبشة، فكانت أم المؤمنين ممن هاجر
هي وزوجها، إلا أنه بعد أن أسلم عمر بن الخطاب ظن من هاجر إلى الحبشة أن الأذى
الذي لحق بالمسلمين قد انقطع، وأن أرض مكة أصبحت آمنة، فعادوا من الحبشة إلى مكة؛
إلا أنهم وجدوا أن الاضطهاد كما هو.
وزاد على ذلك
مرض زوجها؛ ما دفعها إلى البقاء معه في مكة، إلا أنها وفي مرض زوجها، رأت في
المنام كأنّ النبيّ صلى الله عليه وسلم أقبل يمشى حتى وطئ على عُنقها، فأخبرت
زوجها بذلك فقال: وأبيك لئن صَدَقَت رؤياك لأموتنّ وليتزَوّجنّك رسول الله صلى
الله عليه وسلم، فقالت: حجرًا وسترًا.
وقال هشام:
الحجر تنفى عن نفسها ذاك، ثمّ رأت في المنام ليلةً أُخرى أنّ قَمَرًا انقضّ عليها
من السَّماء وهي مُضطجعة، فأخبرت زوجها فقال: وأبيك لئن صَدَقت رؤياك لم ألبث إلا
يسيرًا حتى أموت وتزوّجين من بعدى، فاشتكى السكران من يومه ذلك، فلم يلبث إلا
قليلًا حتى مات، وتزوّجها النبي صلى الله عليه وسلم(1).
زواج النبي بالسيدة سودة بنت زمعة
بعد وفاة زوج
السيدة سودة أصبحت وحيدة لا ناصر لها ولا معين، ولو رجعت إلى أهلها الكفار لعذبوها
وحاولوا ردها إلى الشرك قسراً، وما كان هناك شخص يمكن أن يقوم بكفالتها والمحافظة
على إسلامها، فاختار النبي كفالة هذه الأرملة الوحيدة الحزينة
فتزوجها، فقد أشارت خولة بنت حكيم امرأة عثمان بن مظعون على النبي صلى الله عليه
وسلم بزواجها، فقال صلى الله عليه وسلم: «فاذكريها عليّ»، فذهبت إلى سودة وأبيها، فقلت:
ماذا أدخل الله عليكم من الخير والبركة، فقالت: وما ذاك؟ قالت: أن النبي صلى الله
عليه وسلم أرسلني إليك لأخطبك عليه، قالت: وددتّ ذلك ولكن ادخلي على أبي، واذكري
له ذلك، فقلت: أنعم صباحك، فقال: ومن أنت؟ فقلت: خولة، فرحّب بي، وقال ما شاء الله
أن يقول.
قالت: فقلت: إن
محمد بن عبدالله بن عبدالمطلب يذكر ابنتك، قال: هو كفء كريم، فما تقول صاحبتك؟
قلت: تحب ذاك، قال: قولي له فليأت، قالت: فجاء النبي صلى الله عليه وسلم فملكها،
وقدم عبدالله بن زمعة فوجد أخته قد تزوّجها النبي صلى الله عليه وسلم فحثا التراب
على رأسه، فلما أسلم، قال: إنّي لسفيه يوم أحثو التّراب على رأسي أن تزوج النبي
صلى الله عليه وسلم أختي(2).
الرضا المتبادل بين السيدة سودة والنبي
جبر النبي صلى
الله عليه وسلم خاطر السيدة سودة حين أراد طلاقها وأرادت البقاء معه، فقد كانت
صوامة قوامة، ويقال: كان في خلقها حدة، وقد كبرت فأراد النبي صلى الله عليه وسلم،
أن يفارقها -ويقال: بل فارقها- فقالت: يا رسول الله، لا تفارقني وأنا أجعل يومي
لعائشة، فتركها النبي صلى الله عليه وسلم وصالحها على ذلك، وفي ذلك أنزل الله، عز
وجل: (وَإِنِ امْرَأَةٌ
خَافَتْ مِنْ بَعْلِهَا نُشُوزًا أَوْ إِعْرَاضًا فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا
أَنْ يُصْلِحَا بَيْنَهُمَا صُلْحًا وَالصُّلْحُ خَيْرٌ) (النساء: 128)،
قالت عائشة: نزلت في سودة بنت زمعة(3).
وذكرت سبب طلبها
زوجة للنبي صلى الله عليه وسلم وقالت، قد كبرت ولا حاجة لي في الرجال ولكني أحبّ
أن أُبعث في نسائك يوم القيامة، فراجعها النبيّ صلى الله عليه وسلم، قالت: فإني قد
جعلتُ يومي وليلتي لعائشة حبّة النبي صلى الله عليه وسلم(4).
فقد أرضاها النبي
صلى الله عليه وسلم بعودتها إليه وقد أرضت النبي صلى الله عليه وسلم بأن جعلت
أيامها لمحبوبته السيدة عائشة رضي الله عنها، وهذا من خواصها: أنها آثرت بيومها حب
النبي صلى الله عليه وسلم تقرباً إليه، وحباً له، وإيثاراً لمقامها معه، فكان يقسم
لعائشة يومها ويوم سودة، ويقسم لنسائه، ولا يقسم لها وهي راضية بذلك مؤثرة، لترضي النبي
صلى الله عليه وسلم(5).
الاستجابة الكاملة لله ورسوله
كانت السيدة
سودة تؤثر طاعة الله ورسوله، ولم تكن لتقدم على عمل حتى تعرضه على النبي صلى الله
عليه وسلم حتى يوافق عملها مراد الله عز وجل ورسوله، ففي أثناء فريضة الحج أرادت
أن ترمي الجمار مبكراً خشية الزحام فعرضت ذلك على النبي صلى الله عليه وسلم فأذن
لها تيسيراً ورفعاً للحرج، فعند مسلم عن عائشة أنها قالت: استأذنت سودة النبي صلى
الله عليه وسلم ليلة المزدلفة، تدفع قبله وقبل حطمة الناس.
وكانت امرأة
ثبطة (ثقيلة)، قال: فأذن لها، فخرجت قبل دفعه وحبسنا حتى أصبحنا فدفعنا بدفعه،
ولأن أكون استأذنت النبي صلى الله عليه وسلم، كما استأذنته سودة، فأكون أدفع
بإذنه، أحب إليّ من مفروح به.
وعن محمد بن
سيرين أن عمر بعث إلى سودة بغرارة من دراهم، فقالت: ما هذه؟ قالوا: دراهم، قالت:
في غرارة مثل التمر! فقالت يا جارية، بلغيني القِنَع (الطبق) قال: ففرّقتها(6).
فكانت كثيرة
الطاعة لله تعالى شديدة الالتزام بسُنة النبي صلى الله عليه وسلم.
توفيت رضي الله عنها في خلافة عمر بن الخطاب رضي الله عنه.
الهوامش
التعليقات (0)
لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلق!
اترك تعليقاً