الشيخ محمد الخضر حسين.. إمام الأزهر وحارس العربية

عنوان الموضوع واسم المؤلف وصورته وصورة للشيخ محمد الخضر حسين

يُعدُّ الشيخ محمد الخضر حسين من العلماء الذين جمعوا بين العلوم الشرعية واللغوية، وكانت له جهود بارزة في خدمة العربية؛ فقد كتب في اللغة والنحو والبلاغة والأدب، وبحث قضايا القياس، والاستشهاد بالحديث، والمجاز، والتضمين، ووضع المصطلحات، وشارك في كثير من لجان مجمع اللغة العربية بالقاهرة. وتدل مؤلفاته وبحوثه على سعة علمه، وتنوع ثقافته، وعنايته بأصول العربية وأساليبها، حتى إن رسالته التي نال بها عضوية هيئة كبار العلماء كانت بعنوان «القياس في اللغة العربية».

وقد اشتهر الشيخ بتوليه مشيخة الأزهر، غير أن جهوده اللغوية والأدبية تمثل جانبًا أصيلًا من سيرته العلمية، يستحق التعريف به، إلى جانب نشأته ورحلاته وأعماله في التعليم والصحافة والإصلاح.

نشأة علمية من نفطة إلى الزيتونة

ولد محمد الخضر حسين في مدينة نفطة بتونس في السادس والعشرين من شهر رجب عام 1293هـ، الموافق السادس عشر من أغسطس عام 1876م.

وهو جزائري الأصل؛ فجدُّه علي بن عمر ولد في مدينة طولقة، بولاية بسكرة جنوب الجزائر، نحو عام 1169هـ، وتوفي فيها عام 1258هـ، ودُفن في زاويته للطريقة الرحمانية الخلوتية. وجدُّه لأمه هو الشيخ مصطفى بن محمد بن عزوز، ولد في بلدة البُرج قرب طولقة عام 1220هـ، وتوفي في نفطة بتونس عام 1282هـ.

ويبدو أن أسرته هاجرت من جنوب الجزائر إلى بلاد الجريد في تونس في منتصف القرن التاسع عشر، إثر الاحتلال الفرنسي للجزائر عام 1830م، واستقرت ببلدة نفطة، وكان بين أفرادها الشيخ الحسين، والد الشيخ محمد الخضر.

واسم الشيخ هو محمد الأخضر بن الحسين بن علي بن عمر، فلما جاء إلى الشرق حذف «بن» من اسمه على الطريقة المشرقية، وغلب عليه «الخضر» عوضًا عن «الأخضر».

نشأ الشيخ في أسرة علم وأدب من جهتي الأب والأم، وكانت بلدة نفطة التي ولد فيها موطن العلم والعلماء، حتى إنها كانت تُلقَّب بالكوفة الصغرى، وبها جوامع ومساجد كثيرة، وهي واحة ذات زرع، يعمل أهلها بالفلاحة.

وفي هذه البيئة نشأ الشيخ طالبًا للعلم؛ فحفظ القرآن، ودرس العلوم الدينية واللغوية على يد عدد من العلماء، منهم خاله الشيخ محمد المكي بن عزوز، الذي كان يرعاه ويهتم به. وحاول الشيخ منذ سن الثانية عشرة أن يقرض الشعر، ثم برع فيه بعد ذلك.

وانتقل مع أسرته إلى تونس، ودرس في جامع الزيتونة، حيث تلقى العلم على خاله محمد المكي بن عزوز، الذي كان له شهرة كبيرة بالجامع، وكان يدرِّس فيه مجانًا. كما درس على يد مشايخ آخرين، أبرزهم الشيخ سالم بوحاجب، الذي كان من أعمدة الإصلاح في تونس، ودرس على يديه «صحيح البخاري».

وقد تخرج الشيخ محمد الخضر حسين في الزيتونة عام 1316هـ/1898م، وألقى دروسًا في الجامع في فنون مختلفة متطوعًا، وبقي كذلك مع حضور مجالس العلم والأدب.

وفي عام 1904م أنشأ مجلة «السعادة العظمى»، وهي من المجلات العربية الرائدة في تونس، وكانت تصدر كل نصف شهر، ولم يصدر منها سوى واحد وعشرين عددًا، ثم انقطع صدورها، وكان الشيخ يكتب أغلب مقالاتها.

وتولى الشيخ قضاء بنزرت، وقام بالتدريس في جامعها الكبير، وما لبث أن استقال وعاد إلى تونس، وتطوع للتدريس في جامع الزيتونة، ثم أُحيل إليه تنظيم خزائن كتب الجامع. وشارك في تأسيس الجمعية الزيتونية، وعُيِّن مدرسًا رسميًّا بجامع الزيتونة، وقام خلال هذه الفترة بالتدريس والخطابة في الجمعية الخلدونية، فجذب الأنظار بسعة علمه.

رحلاته وأعماله في الأزهر

رحل الشيخ محمد الخضر حسين إلى الجزائر، وزار أمهات مدنها، وألقى بها دروسًا مفيدة، ثم عاد إلى تونس وإلى التدريس بجامعها. وقد حاولت السلطات الفرنسية في هذه الفترة ضمه إلى المحكمة الفرنسية، فرفض بشدة. 

وفي عام 1329هـ وُجِّهت إليه تهمة بث روح العداء للغرب، وخاصة سلطات الحماية الفرنسية، فأحسَّ الشيخ بأن حياته وحريته في تونس معرضتان للخطر، فسافر إلى إسطنبول بحجة زيارة خاله بها، وبدأ رحلته بمصر ثم دمشق.

ولما ظن أن الأحوال قد هدأت في تونس، عاد إليها من طريق نابولي الإيطالية، لكنه وجد أن الأمر ازداد تعقيدًا، فأزمع الهجرة نهائيًّا، واختار دمشق موطنًا ثانيًا له، وكان أخوه الشيخ زين العابدين بن الحسين التونسي قد استقر فيها.

وفي رحلاته مرَّ بمصر، والتقى كبار العلماء المقيمين بها، مثل الشيخ طاهر الجزائري، والشيخ محمد رشيد رضا، والشيخ محب الدين الخطيب. وعمل بالتدريس في دمشق، وتنقل بينها وبين إسطنبول، كما سافر إلى ألمانيا في مهمات رسمية. وتعرض خلال إقامته ببلاد الشام للاضطهاد، فسجنه جمال باشا، الوالي العثماني، ثم أُفرج عنه.

وبعد هذه الرحلات استقر الشيخ في القاهرة، وواصل الاشتغال بالبحث والدراسة وكتابة المقالات، وعمل بدار الكتب المصرية، ثم نال شهادة العالمية من الأزهر، وقام بالتدريس فيه.

وعندما أنشأ الأزهر مجلة «نور الإسلام»، وصدر العدد الأول منها في المحرم عام 1349هـ/1930م، كان الشيخ محمد الخضر حسين أول رئيس تحرير لها، واستمر في رئاسة تحريرها حتى عام 1933م. وظلت المجلة تحمل اسم «نور الإسلام» ست سنوات، حتى نهاية عام 1354هـ، ثم تغير اسمها إلى «مجلة الأزهر» منذ عام 1355هـ.

ونال الشيخ عضوية هيئة كبار العلماء برسالته «القياس في اللغة العربية»، وصدر أمر تعيينه في أبريل عام 1951م. ثم تولى مشيخة الأزهر بعد الشيخ عبد المجيد سليم في سبتمبر عام 1952م، وظل في منصبه حتى استقال في يناير عام 1954م، وتولى بعده فضيلة الإمام الأكبر الشيخ عبد الرحمن تاج.

وكان الشيخ يرى أن الطريق إلى إعادة مجد المسلمين هو الإيمان والاتجاه إلى الصناعة والعلوم المادية، وفي ذلك يقول:

أَبْنَاءَ هَذَا الْعَصْرِ هَلْ مِنْ نَهْضَةٍ ... تَشْفِي غَلِيلًا حَرُّهُ يَتَصَعَّدُ

هَذِي الصَّنَائِعُ ذُلِّلَتْ أَدَوَاتُهَا ... وَسَبِيلُهَا لِلْعَالَمِينَ مُمَهَّدُ

إِنَّ الْمَعَارِفَ وَالصَّنَائِعَ عُدَّةٌ ... بَابُ التَّرَقِّي مِنْ سِوَاهَا مُوصَدُ

الشيخ محمد الخضر حسين وخدمة العربية

لم تقتصر مؤلفات الشيخ محمد الخضر حسين على علم بعينه، بل جاءت متنوعة ثرية، تدل على عمق ثقافته وتنوع مشاربها؛ فقد كتب في اللغة والنحو والبلاغة والفقه وأصوله والأدب والتاريخ والتراجم.

وكان من الرعيل الأول الذين اختيروا لعضوية مجمع اللغة العربية بالقاهرة سنة 1933م، كما كان عضوًا بالمجمع العلمي العربي بدمشق. واشترك في كثير من لجان مجمع القاهرة، مثل لجنة اللهجات، ولجنة الآداب والفنون الجميلة، ولجنة دراسة معجم فيشر، ولجنة الأعلام الجغرافية، ولجنة الأصول، ولجنة معجم ألفاظ القرآن الكريم، ولجنة المساحة والعمارة، ولجنة المعجم الوسيط.

ومن أبرز بحوثه اللغوية بحث «الاستشهاد بالحديث في اللغة»، المنشور في الجزء الثالث من مجلة مجمع اللغة العربية بمصر، وهو بحث قيِّم استعرض فيه آراء العلماء في الاستشهاد بالحديث الشريف في الدراسات اللغوية، وناقش أدلتهم، ثم رجَّح الاحتجاج بألفاظ الأحاديث المدونة في الصدر الأول، مع استثناء الألفاظ التي ثبت شذوذ روايتها أو وقوع الغلط أو التصحيف فيها (محمد الخضر حسين، «الاستشهاد بالحديث في اللغة»، مجلة مجمع اللغة العربية، جـ3).

وقد تناول هذه القضية بعده عدد من الباحثين، منهم الأستاذ الدكتور محمود فجال في كتابيه «السير الحثيث إلى الاستشهاد بالحديث في النحو العربي» و«الحديث النبوي في النحو العربي»، وقد قرَّظهما العلامة الأستاذ الدكتور محمد عبد الخالق عضيمة.

 وممن كتب في هذه القضية بعده الدكتورة خديجة الحديثي في كتابها «موقف النحاة من الاحتجاج بالحديث النبوي».

ومن بحوث الشيخ محمد الخضر حسين المنشورة في مجلة المجمع ومحاضر جلساته:

  • «المجاز والنقل وأثرهما في حياة اللغة العربية»، في الجزء الأول.
  • «شرح قرارات المجمع والاحتجاج لها: تكملة مادة لغوية ورد بعضُها في المعجمات ولم ترد بقيتها»، في الجزء الثاني.
  • «الاستشهاد بالحديث في اللغة»، في الجزء الثالث.
  • «وصف جمع العاقل بصيغة فعلاء»، في الجزء السابع.
  • «اسم المصدر في المعاجم»، في الجزء الثامن.
  • «طرق وضع المصطلحات الطبية وتوحيدها في البلاد العربية»، في الجزء الثامن.
  • «الشعر البديع في نظر الأدباء»، في الجزء الحادي عشر.
  • «مَن وُثِّق من علماء العربية ومَن طُعن فيه»، في الجزء الثاني عشر.
  • «التضمين»، في محاضر جلسات دور الانعقاد الأول.
  • «نيابة بعض الحروف عن بعض»، في محاضر جلسات دور الانعقاد الأول.

وتكشف هذه البحوث عن عنايته بقضايا العربية المتنوعة، من مصادر الاستشهاد وأصول القياس إلى دلالة الألفاظ والتراكيب، ومن استكمال المادة المعجمية إلى وضع المصطلحات العلمية وتوحيدها.

أما كتبه ومؤلفاته، فمنها: «آداب الحرب في الإسلام»، و«بلاغة القرآن»، و«تراجم الرجال»، و«تعليقات على كتاب الموافقات للشاطبي»، و«تونس سبعة وستين عامًا تحت الاحتلال الفرنساوي»، و«تونس وجامع الزيتونة»، و«الحرية في الإسلام»، و«حياة ابن خلدون ومثل من فلسفته الاجتماعية»، و«حياة اللغة العربية»، و«الخطابة عند العرب»، و«خواطر الحياة»، وهو ديوان شعر، و«الخيال في الشعر العربي»، و«دراسات في العربية وتاريخها»، و«الدعوة إلى الإصلاح»، و«رسائل الإصلاح»، و«الشريعة الإسلامية صالحة لكل زمان ومكان»، و«القياس في اللغة العربية»، و«علماء الإسلام في الأندلس»، و«محمد رسول الله وخاتم النبيين»، و«مدارك الشريعة الإسلامية وسياستها»، و«نقض كتاب الإسلام وأصول الحكم»، و«نقض كتاب في الشعر الجاهلي».

وإلى جانب ما سبق، نشر الشيخ مجموعة من البحوث والمقالات في مجلات «الأزهر»، و«لواء الإسلام»، و«الهداية الإسلامية». وقد أخرج الأستاذ علي الرضا الحسيني، ابن أخت الشيخ، موسوعة الأعمال الكاملة لمحمد الخضر حسين، فجمعت جانبًا كبيرًا من تراثه العلمي والأدبي.

وفاته

وتوفي فضيلة الإمام الأكبر الشيخ محمد الخضر حسين في القاهرة في فبراير عام 1958م، بعد حياة حافلة بالعلم والتعليم والتأليف والإصلاح.

وقد بقيت جهوده اللغوية شاهدًا على مكانته بين علماء العربية في عصره؛ إذ جمع بين دراسة أصولها، والعناية ببيانها، والمشاركة في خدمة معاجمها ومصطلحاتها. وتستحق هذه الجهود مزيدًا من القراءة والدراسة؛ لما تتضمنه من مسائل علمية، وما تكشف عنه من شخصية عالم جعل خدمة العربية جزءًا أصيلًا من رسالته.

الرابط المختصر :

اترك تعليقاً

التعليقات (0)

لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلق!

تابعنا

الرئيسية

مرئيات

جميع الأعداد

ملفات خاصة

مدونة