الطوفان القادم.. وسنن الله

الطوفان القادم.. وسنن الله

سنن الله..

تعيش البشرية زمناً مثقلاً بالقلق؛ تتلاحق فيه الأزمات، وتضطرب الموازين، وتتسع دوائر الخوف من مستقبل لا تستقر ملامحه، فمن الناس من يترقب حرباً عالمية، ومنهم من يستعد لكوارث محتملة، ومنهم من يملأ المخازن بالأقوات، مترقباً فاجعة جديدة، وليس ذلك بمستبعد في عالم تتراكم فيه أسباب الاضطراب، وتتصادم المصالح، وتستطيل أيدي الطغيان.

ليس منشأ القلق في اضطراب السياسة والاقتصاد وحدهما؛ فثمّة اختلال أعمق أصاب صلة الإنسان بربه وبالفطرة، لقد بلغ من أسباب الحضارة شأواً بعيداً، وامتدت يده إلى أسرار المادة، لكنه لم يحرز من معرفة الغاية ما يوازي معرفته بالوسيلة، اتسعت قدرته ولم تتسع رحمته، وتضاعفت أدواته ولم يزدد تواضعاً لربه؛ عرف كيف يطوي المسافات، ولم يعرف كيف يصل المسافة بين قلبه وخالقه، ابتعد عن كتاب ربه وهدي أنبيائه، واستبدل بميزان الوحي أهواء، وبنور الفطرة أضواء تخطف الأبصار.

لقد تكاثرت المظالم حتى غدت كالجبال، واستشرى الفساد حتى صار مؤسسات ومنظومات تحرسه المصالح وتزينه الدعايات، وصار الضعيف يدفع ثمن نزوات الأقوياء، والمظلوم يحمل جراحه من أرض إلى أرض، وتستباح الأوطان والكرامات، غير أن اعتياد الباطل لا يحوله حقاً، وطول أمد الظلم لا يخرجه عن سلطان الله، قال تعالى: (ظَهَرَ الْفَسَادُ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ بِمَا كَسَبَتْ أَيْدِي النَّاسِ) (الروم: 41)؛ إنها آية ترد الإنسان إلى مسؤوليته، وتكشف صلة الأعمال بمآلات العمران.

إن سنن الله ماضية، لا تتبدل لمكانة صاحب سلطان، ولا تتعطل أمام كثرة أتباعه، وقد يأتي على البشرية طوفان من الأحداث، تتدافع فيه قوى الظلم، ويسلط الله فيه بعض الظالمين على بعض، فتتهاوى مراكز قوة، وتسقط غايات بدت عصية على السقوط، فالقوة التي لا يضبطها العدل تحمل أسباب زوالها، والبغي مهما طال لا يفلت من سنن الله.

ومع ذلك، فليس المؤمن أسير الخوف من الطوفان؛ إنه يعلم أن الله لا يغفل عن ظالم، ولا ينسى مظلوماً، ولا تخفى عليه دمعة، ولا دعوة في جوف ليل، ولا أنَّة جريح، ولا حسرة مهجر، آلام المستضعفين معلومة عند مَن لا تخفى عليه خافية، وحقوقهم ليست ساقطة من حسابه، ودعواتهم لا تضيع وإن طال انتظار الإجابة، فقد طمأنهم ربهم سبحانه فقال: (وَلاَ تَحْسَبَنَّ اللّهَ غَافِلاً عَمَّا يَعْمَلُ الظَّالِمُونَ) (إبراهيم: 42)، وقال سبحانه: (إِنَّ رَبَّكَ لَبِالْمِرْصَادِ) (الفجر: 14)، وللأقدار مواقيت؛ وإن تأخر المشهد لا يعني غياب الحق، وامتداد الليل لا ينفي مجيء الفجر.

وعليه، فإن السؤال الذي يجب أن يطرح بقوة الآن ليس فقط ماذا نخزن إذا اشتدت الأزمة؟ وإنما ماذا أعددنا لأنفسنا ولأمتنا؟ ما الإيمان الذي يحرس قلوبنا حين تتزلزل الأرض؟ وما الأخوة التي تحفظ وحدتنا حين تتكاثر أسباب الفرقة؟ وأي عمل صالح يبقى شاهداً لنا إذا تبدلت الأحوال وانقطعت أسباب اعتدنا الاتكاء عليها؟

بيعة جديدة

إن أول العدة أن نصلح ما بيننا وبين الله ببيعة جديدة؛ نراجع فيها ذنوبنا، ونرد المظالم، ونستغفر من تقصيرنا، ونخرج فيها من غفلة ألهتنا بزينة العاجل عن حقيقة المصير، نعد قلوبنا بإيمان يورث الثقة بالله، ومحبة تصدق في الطاعة، وعبودية تجعل أمره أحب إلينا من أهوائنا، ونعد نفوسنا بالصبر واليقين، فلا تستعبدها المخاوف ولا تقطعها الأخبار عن واجبها.

أخوة صادقة

ثم نعد علاقاتنا بالأخوة الصادقة؛ نتعافى فيما بيننا، ونتغافل عن الزلات، ونتناصح برفق، ونحفظ الود، ونقضي الحاجات، ونستر العثرات، ونقيم من التعاون ما يجعل الضعيف آمناً، والغريب مألوفاً، والمحتاج محفوظ الكرامة، فالأمم لا تصمد بأدواتها فحسب، بل بما يسكن بين أبنائها من ثقة وتراحم؛ وإذا تآكلت الروابط صار كل فرد جزيرة خائفة.

عمل دائب

نعد جهدنا للعمل؛ ننشر كلمة الحق، ونوقظ الوعي، ونعلم الجاهل، ونسعى في مصالح الناس، ونبني الإنسان الذي يحمل رسالة الإسلام علماً وخلقاً وعملاً، ونأخذ بأسباب القوة، ونحسن الإعداد، امتثالاً لقوله تعالى: (وَأَعِدُّواْ لَهُم مَّا اسْتَطَعْتُم مِّن قُوَّةٍ) (الأنفال: 60)؛ فالتوكل لا يلغي السعي، والإيمان لا يعفي من المسؤولية، نعمل بما نستطيع، ثم نفوض ما لا نملك إلى من بيده ملكوت كل شيء.

صدق الانتساب

قد وعد الله بنصر المؤمنين؛ (وَكَانَ حَقّاً عَلَيْنَا نَصْرُ الْمُؤْمِنِينَ) (الروم: 47)، (وَاللّهُ غَالِبٌ عَلَى أَمْرِهِ) (يوسف: 21)، وهذا وعد يبعث الرجاء ويوقظ المسؤولية أن نكون صادقين في انتسابنا إلى الله، أوفياء لأمانة الدين، أهلاً لحمل الحق؛ وأن نعد له رجالاً وقلوباً وعقولاً، لا أن نردد أمنيات النصر ونحن مقيمون على أسباب الضعف، ليس المطلوب أن نعرف موعد الفرج، بل أن نكون على الطريق حين يأتي، وأن نصدق في عبودية ساعاتنا.

ومن أبلغ ما يربيه فينا الوحي أن العمل لا يفقد قيمته حين تضيق الآفاق؛ يقول النبي صلى الله عليه وسلم: «إن قامت الساعة وفي يد أحدكم فسيلة، فإن استطاع أن لا تقوم حتى يغرسها فليغرسها»؛ يا لها من وصية تفتح في قلب المؤمن أفقاً لا تغلقه النهايات، إذا بقيت لحظة ففيها أمانة، وإذا بقيت فسيلة ففيها رجاء، إنه يغرس لا ليضمن الثمر، بل لأنه عبد لله، ولأن الغرس عبادة، والخير حق اللحظة ورجاء المستقبل.

لسنا ندعو إلى التشاؤم، وإنما إلى يقظة تردنا إلى حقائقنا، واستعداد يبدأ من الداخل قبل المخازن والمعدات، فإن البشرية قد تقف على أبواب أزمة عظيمة، ولكن أعظم الوقاية أن نحسن الانتساب إلى الله؛ صدقاً في المحبة، وإخلاصاً في العبودية، واستقامة في العمل، ورحمة بالخلق، فليكن زادنا قلباً يعرف ربه، ونفساً تتطهر، وأخوة تتماسك، ويداً تعمل، ودعاء لا ينقطع.

أعدوا إيمانكم ليحرسكم، وأخوتكم لتجمعكم، وأعمالكم لتشهد لكم، وقلوبكم لتثبت عند الفتن، ما دام في العمر متسع لخير فلا تؤخروه، وما دامت في اليد فسيلة فاغرسوها، فليس الأمن أن تملك الدنيا من حولك، وإنما أن تكون مع الله حيثما تقلبت بك الدنيا؛ وليس الغنى بما تحفظه لنفسك، بل بما تقدمه بين يديه، ومن صدق مع الله لم يضع سعيه، ومن أقبل عليه لم يتركه.

الرابط المختصر :

اترك تعليقاً

التعليقات (0)

لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلق!

تابعنا

الرئيسية

مرئيات

جميع الأعداد

ملفات خاصة

مدونة