الفتاة الشاعرة التي أنقذت أباها.. والحجاج بن يوسف

يحيى الكاتب

27 أكتوبر 2026

30

الفتاة الشاعرة التي أنقذت أباها.. والحجاج بن يوسف

مما يحكى عن الحجاج بن يوسف وعبد الملك بن مروان أن عبد الملك كتب إلى الحجاج أن ابعث إليّ برأس أسلم بن عبد البكري لما بلغني عنه -وفي رواية عباد بن أسلم- فأحضره الحجاج فقال: أيها الأمير أنت الشاهد وأمير المؤمنين الغائب، وقال الله تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِن جَاءكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَأٍ فَتَبَيَّنُوا أَن تُصِيبُوا قَوْماً بِجَهَالَةٍ فَتُصْبِحُوا عَلَى مَا فَعَلْتُمْ نَادِمِينَ) (الحجرات: 6) وما بلغه باطل، وإني أعول أربعة وعشرين امرأة ما لهن كاسب غيري وهن بالباب.

فأمر الحجاج بإحضارهن، فلما حضرن جعلت هذه تقول: أنا خالته، وهذه أنا عمته، وهذه أنا أخته، وهذه أنا زوجته، وهذه أنا بنته، وتقدمت إليه جارية فوق الثمان ودون العشرة، فقال لها الحجاج: من أنت؟ فقالت: أنا ابنته، ثم قالت: أصلح الله الأمير، وجثت على ركبتيها وقالت:

أحجّاجُ لم تشـــهد مـــقامَ بناتهِ … وعــماتــهِ يندبـنــهُ اللــــــيلَ أجمــعا

أحجاجُ كم تقتلْ بهِ إن قتلتهُ … ثمانًا وعشــرًا واثنــتين وأربــــــــــــــعا

أحجاجُ من هــذا يقوم مقامهُ … علينا فمهلًا إنْ تزدنا تضعضعا

أحجاج إما أن تجـــــــودَ بنعمةٍ … علـــينـا وإمـــا أن تُــــقَتِّلـــنا مـــــــــــعا

قال: فبكى الحجاج وقال: واللّه لا أعنت عليكن ولا زدتكن تضعضعًا، ثم كتب إلى عبد الملك بما قال الرَّجل، وبما قالت ابنته هذه، فكتب عبد الملك إلى الحجاج يأمره بإطلاقه وحسن صلته وبالإحسان إلى هذه الجارية وتفقدها في كل وقت.

بيان وفوائد

تُعلّمنا قصة أسلم بن عبد البكري مع الحجاج بن يوسف أن العدل أساس الحكم الرشيد، وأن التسرّع في إصدار الأحكام قد يفضي إلى ظلم الأبرياء، ولذلك أمرنا الله تعالى بالتثبّت من الأخبار قبل تصديقها أو بناء الأحكام عليها، فقال: (فَتَبَيَّنُوا أَن تُصِيبُوا قَوْماً بِجَهَالَةٍ).

أولًا: قوة الحجة في مواجهة السلطان. لم يستسلم أسلم للخوف، بل واجه الموقف بالحجة والاستشهاد بالقرآن الكريم، فنتعلم أن الثبات وحسن البيان من أهم وسائل الدفاع عن الحقوق، وأن الحق يحتاج إلى لسانٍ واعٍ يعرضه بوضوح وحكمة.

ثانيًا: أثر الكلمة الصادقة. استطاعت ابنة أسلم الصغيرة بأبياتها المؤثرة أن تحرّك مشاعر الحجاج وتستثير رحمته؛ مما يدل على أن صدق التعبير قد يبلغ من النفوس ما تعجز عنه القوة، وأن الأدب ليس مجرد زينة للألفاظ، بل وسيلة للتأثير والإصلاح.

ثالثًا: الرحمة لا تناقض القوة. بكاء الحجاج وتراجعه عن الإضرار بأسرة أسلم يذكّران بأن عظمة الإنسان لا تُقاس بقدرته على العقاب، بل بقدرته على ضبط سلطانه وإنصاف المظلومين.

رابعًا: القرارات تتجاوز آثارها أصحابها. لم يكن قتل أسلم ليصيبه وحده، بل كانت ستتحمل أسرته تبعات فقدانه؛ ومن هنا وجوب مراعاة الآثار الإنسانية والاجتماعية للقرارات، وعدم تحميل الأبرياء تبعات ما لم يرتكبوه.

خامسًا: الرجوع عن الخطأ فضيلة. إن مراجعة القرار وإصلاح الضرر دليل على الإنصاف، لا ضعف في الهيبة، كما أن الإحسان إلى المتضررين يكمّل العدل ويخفف آثار المعاناة.

وخلاصة القصة أن التثبّت يحمي من الظلم، والحق يحتاج إلى شجاعة، والكلمة الصادقة قد تنقذ حياة، والرحمة حين تقترن بالعدل تصون كرامة الإنسان وتمنح السلطة معناها الأخلاقي الحقيقي.

الرابط المختصر :

اترك تعليقاً

التعليقات (0)

لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلق!

تابعنا

الرئيسية

مرئيات

جميع الأعداد

ملفات خاصة

مدونة