الفعل الشعبي وإغلاق «الأقصى».. لماذا غاب؟ وكيف نستعيده؟
مثل كل خطواته
العدوانية، بدت خطوة الاحتلال الصهيوني بإغلاق المسجد الأقصى وبمجرد بدء الحرب
بالمنطقة، خطوة غير مبررة وتفتقر الحد الأدنى للمعقولية؛ لكن المؤسف أن هذه الخطوة
مرت في الوعي العربي والإسلامي، خاصة الشعبي، بما لا يتلاءم مع خطورتها ولا مع
المستهدف منها.
استنكار خجول
وقد صدرت بعض
البيانات والمواقف والتصريحات التي يمكن وصفها بـ«الخجولة»، بجانب تدوينات على
مواقع التواصل الاجتماعي تستنكر العدوان الصهيوني على «الأقصى»؛ لكنها في مجملها
لم ترتق لمستوى الحدث، ولم تؤثر في ردع الكيان عن عدوانه.
وكمثال، اعتبرت «مؤسسة
القدس الدولية» أن قرار إغلاق المسجد الأقصى يمثل عدواناً مبيتاً وعملاً حربياً،
وشددت على أن الصمت أمام هذه الخطوة يفتح الباب لفرض وقائع جديدة في المسجد.
كما أوضحت المؤسسة
أن الإغلاق جاء بتعليمات من الجبهة الداخلية «الإسرائيلية» بذريعة السلامة العامة،
وذلك بعدما بدأت الحرب الأمريكية «الإسرائيلية» على إيران بساعات قليلة، في حين
شمل القرار أيضاً كنيسة القيامة والمسجد الإبراهيمي في الخليل.
التطبيع مع الإغلاق
ومن المهم أن
نتعرض ابتداء لما قصد إليه الاحتلال من خطوته العدوانية، وهنا نرصد عدة أمور أراد
الاحتلال تحقيقها؛ منها:
1- تمرير
التطبيع مع الإغلاق: فالكيان يستغل أيَّ فرصة كما حدث مع وباء «كورونا»، أو أي ظرف
طارئ كما في نشوب الحرب، لإغلاق «الأقصى»؛ فيتعود الوجدان العربي والإسلامي على
ذلك، ويتطبع نفسياً معه، مع ملاحظة أن حالة «كورونا» كان بها ولو الحد الأدنى من
المبررات بالنظر للناحية الطبية، فيما خلت حالتنا الراهنة من أي مبرر، وهكذا يمكن
فيما هو قادم أن يختلق الكيان المعاذير الواهية والباطلة للإغلاق، وهو أصلاً لا
يحتاج لمعاذير.
الكيان يستغل الظروف الطارئة لإغلاق
«الأقصى» فيتعود الوجدان العربي والإسلامي على ذلك ويتطبع نفسياً معه
2- فرض السيادة
على «الأقصى» والقدس: فهو يعلن وبطريقة عملية أن قرار الإغلاق ثم الفتح، بيده حصراً؛
ليفرض ويؤكد سيادته على «الأقصى» والقدس، وإذا كان الكيان قد مرر خطوة الإغلاق بحق
أقدس مقدسات القضية، فما بالنا في سائر المجالات، مثل الاستيطان أو انتزاع
الملكيات أو هدم البيوت والأحياء والمقابر، الكيان دائماً بحاجة للتذكير بفرض
سيادته العملية على عموم فلسطين، وللمتاجرة بذلك أمام جبهته الداخلية.
3- إضعاف الصلة
الروحية والوجدانية مع القبلة الأولى: إذ باعتياد العرب والمسلمين على مثل هذه
الخطوات العدوانية، فإن «الأقصى» يتراجع في حساباتهم وأولوياتهم؛ ومن ثم يمضي
الاحتلال في مخططاته الخبيثة من الاقتحامات والحفريات وصولاً -لا قدّر الله- إلى
الهدم.
لماذا غاب الفعل الشعبي؟
وإذا كنا نتساءل
في هذا المقال عن غياب أو ضعف الفعل الشعبي عربياً وإسلامياً ضد قرار إغلاق «الأقصى»،
فإن هذا ينبع من إدراكنا العميق بأهمية حضور هذا الفعل في معادلة الصراع مع الكيان
الصهيوني، وخاصة في جوهر هذه المعادلة؛ أي «الأقصى»؛ لأن هذه القضية قضية الأمة
بأسرها، والجماهير العريضة من إندونيسيا إلى المغرب قاعدة الأمة وهي الكتلة الصلبة
في هذه المعركة الممتدة.
ويمكن أن نفسر
هذا الغياب عن المستوى المطلوب، بعدة عوامل تشابكت سياسياً واجتماعياً وإعلامياً،
إلى غير ذلك من العوامل:
أولاً: حالة
الحرب بالمنطقة: وهي حالة امتدت لتشمل دولاً كثيرة، وتعمّقت لتؤثر في قلب الحياة
اليومية والمقدرات والثروات؛ بما أدى إلى أن تستحوذ هذه الحالة الطارئة والضاغطة
على مجمل الوعي والاهتمام خَصْماً من متابعة إغلاق «الأقصى».
ضرورة تكثيف المتابعة الإعلامية وتطوير الخطاب
الدعوي والفكري بأن «الأقصى» يقع في قلب الصراع
وهذا العامل
نذكره فقط لتفسير ما يخص جماهير الأمة، وليس لتبرير خطوات الكيان كما أشرنا؛ وإلا
فإنه أقدم على الإغلاق في الساعات الأولى لتفجر الأوضاع، ولم ينتظر تطور الأحداث؛ ما
يدل على نية الكيان المبيتة وحرصه على الاستفادة من أي ظرف للمضي في مخططاته.
ثانياً: الوضع
السياسي المتوجس من أي فعل شعبي: لا سيما وسط تصاعد الأحداث بالمنطقة؛ فاكتفت بعض
الحكومات ببيانات الشجب فيما غاب آخرون حتى عن هذه البيانات.
ثالثاً: الوضع
الاجتماعي المضغوط: بالحالة الاقتصادية والسياسية عموماً، وبما تلا تصاعدَ الأحداث
من إجراءات احترازية اتخذتها بعض الدول.
رابعاً: غياب
المتابعة الإعلامية المواكبة والمكثفة: بعد أن تركزت الجهود في متابعة ما هو جارٍ
ومتصاعد.
باتجاه استعادة الفعل الشعبي
وهنا نأتي
للسؤال المهم، حتى ننتقل من الرصد والتأسف إلى المتابعة والعمل المناصر للقضية:
كيف نستعيد الفعل الشعبي إلى ساحة «الأقصى»؟
من المهم لفت
النظر إلى أن الفعل الشعبي لا ينحصر في المظاهرات واحتجاجات الميادين، نصرةً لـ«الأقصى»،
وإن كان لهذه الخطوة أهميتها، لكن الآن وبعد أن أصبح «العالم الرقمي» ساحة
للمواجهة، فيمكن أن يكون الحضور في هذا العالم هو البديل، بل هو من حيث بعض
الاعتبارات يكون أشد تأثيراً، أي فيما يتصل بإيصال الصوت والتأثير في القرارات؛
ولهذا أصبحت «الهشتاجات» العالمية ذات تأثير في التعبير عن القضايا ونصرتها، وفي
ثني بعض السياسات عما تريده من تجاوزات.
غياب الفعل الشعبي عربياً وإسلامياً ضد
قرار إغلاق «الأقصى» مؤشر خطير على ضعف الأمة وتدني تأثيرها
وقد اعترف قادة
الكيان الصهيوني بخسارتهم معركة «الإعلام الرقمي» أو «السردية»، وفشلوا في التغطية
على ما ارتكبوه من إبادة في غزة، فقد اعترف المتحدث السابق باسم جيش الاحتلال
دانيال هاجاري، خلال مؤتمر سنوي للاتحادات اليهودية في أمريكا الشمالية عُقد في
واشنطن (نوفمبر الماضي)، بأن «إسرائيل» خسرت الحرب على وسائل التواصل الاجتماعي،
داعياً إلى إنشاء وحدة متخصصة لرصد وتوجيه الخطاب الدعائي عالمياً تعمل بمستوى
تقني وتنظيمي مشابه لوحدة الاستخبارات «الإسرائيلية» الشهيرة «8200».
وأضاف: نحتاج
إلى تعاطف مشترك مع الجاليات اليهودية في الخارج، الناس يريدون الحقائق، لكن
العالم الرقمي لا يتحرك بالنصوص المطولة، بل بالصورة والفيديو والأرقام.
ولهذا، من المهم
العمل على تكبير هذا الحضور الرقمي وتوسيع دوائر انتشاره وتأثيره، وصولاً إلى
تحويله لحضور في الميدان على الأرض، إضافة إلى تكثيف المتابعة الإعلامية، سواء في
المحطات الفضائيات أو من خلال «المؤثرين» والتدوينات، مع تطوير محتوى الخطاب
الدعوي والفكري للقضية بما يبين لجمهور الأمة أن «الأقصى» يقع في قلب الصراع مع
هذا الكيان الاستيطاني الذي يصيب بشروره كل دول المنطقة؛ فهو كيان احتلالي عابر
للحدود، وبالتالي يجب أن تكون قضية فلسطين برمتها عابرة للأحداث الآنية والخلافات
البينية بل وحتى للمشكلات اليومية.
إن غياب أو ضعف
الفعل الشعبي عربياً وإسلامياً ضد قرار إغلاق «الأقصى» مؤشر خطير من ناحية دلالته
على ضعف الأمة وانعدام أو تدني تأثيرها، حتى في أخص قضاياها؛ بجانب ما يبعثه من
رسائل تطمئن الكيان وهو يحسب حساباته في رد الفعل المتوقع لو مضى بمخططاته الرامية
إلى نهايتها في هدم «الأقصى».
التعليقات (0)
لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلق!
اترك تعليقاً