القابضون على دينهم كالجمر.. الابتلاء وعبادة الصبر
يكمن ابتلاء هذا
الزمان في إفساد الفطرة، وتفشي الفساد الأخلاقي، وقلب الحق باطلاً، ويميل الكثيرون
إلى التقليد الأعمى لما هو سائد، فيتركون الخير إما لصعوبة الصبر عليه، أو خشية
النبذ المجتمعي، أو طمعاً في مكاسب مادية أو معنوية لا تنال إلا برضا المجتمع عنهم.
ورغم أن حل هذه
المشكلة يبدو بسيطاً من الناحية النظرية، فإن صعوبته الحقيقية تكمن في مجاهدة
النفس وتربيتها على عبادة الصبر، وفقه أن القبض على الدين مشروع إيماني متكامل،
يتطلب تصوراً واعياً لتبعاته من صعوبات وابتلاءات، وفيما يلي نقاش لأهم عناصر هذا
المشروع، وسبل بناء المناعة الإيمانية التي تجعل من المؤمن مستمسكًا بدينه مهما
عمت الفتن.
فهم سُنة الابتلاء والعمل الواجب تجاهها
الابتلاءات
والفتن سُنة الله في الأرض، والصبر والتمسك بالدين أمامها له كلفة ومشقة، كمشقة من
يقبض على الجمر بين يديه، وما يصيبه من ألم حسي ومعنوي، وكذلك ما يصيب القابض على
دينه، وخاصة إن ابتلى بأن يحيا في فصل فيه الدين عن الحياة الواقعية، فهو بين
مجاهدة لهوى نفسه ولتأثير المجتمع عليها، ولذلك وُعد المتمسك بدينه فيه بعظيم
الأجر.
ففي حديث
عبدالله بن مسعود عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: «إِنَّ مِنْ ورائِكُم
زمانُ صبرٍ، لِلْمُتَمَسِّكِ فيه أجرُ خمسينَ شهيدًا منكم» (صححه الألباني في صحيح
الجامع رقم 2234)، فهذا الوعي المدعوم بجزيل الثواب يعد النفس لما ستلاقيه ويهونه
عليها، وتتجلى آثار هذا فيما يلي:
1- الثبات على الطريق المستقيم:
معرفة سُنن الله
في التدافع بين أهل الحق والباطل، وما يتبعه من أذى وتشكيك لفتنة المؤمن، تُهيئ
النفس للتحديات وتقويها، فلا تتذبذب لكثرة النقاد، ولا تغتر بزيف الباطل وزينته،
فيكون المسلم قوياً في نفسه، حتى إنه يرى محاولات التضليل دليلاً على صحة طريقه؛ ما
يثبته عليه أكثر.
2- تحويل الألم إلى معنى فاضل:
لا يقتصر أثر
الوعي على تثبيت النفس فقط، بل يحول معاناة المؤمن من مجرد ألم سلبي إلى ألم ذي
معنى، فيستحيل أن تخلو الحياة من أكدار، ولكنها في حالة المسلم تزيده قرباً من
الله، فالقابض على الجمر لا يحترق فقط، بل يشعر أن حرارة الألم تُطهر نفسه وترفع
درجته، كما يُطهّر الذهب بالنار، هذا التحول في النظرة إلى ألم الابتلاء هو ما
يجعل المؤمن لا ينكسر تحت وطأة الابتلاء، بل ينطلق منه إلى مرتبة الرضا والتسليم.
3- البعد الاجتماعي للابتلاء:
الابتلاء في هذا
الزمان قد يدعو للعزلة الفكرية والاجتماعية، حيث يصبح المتمسك بدينه غريباً في
بيئته، وقد بشر النبي صلى الله عليه وسلم هؤلاء الغرباء في حديثه الذي رواه أبو
هريرة: «بَدَأ الإسلامُ غَريبًا، وسَيَعودُ كما بَدَأ غَريبًا، فطوبى للغُرَباء»
(صحيح مسلم، 145)، وهذا الوعي يهون على المؤمن وحدته، ويجعله يبحث عن رفقاء الدرب
المشابهين له بدلاً من الانكسار أمام كثرة المخالفين، فيحيط نفسه بمن يشدد أزره.
2- الصبر على الدعوة:
تلك البصيرة
بحقيقة الإيمان وما فيه من ابتلاء، تعطي المؤمن قوة الصبر على دعوة الناس ورحمتهم،
لعلمه بما يلاقونه من مصاعب وإغراءات، فيحمل هَمّ أمته ومسؤولية إيجاد وسائل
مناسبة ولغة تناسب لغة عصره ليحقق لأمر بالمعروف والنهي عن المنكر.
3- استشعار نعمة الدين وفضل الله:
حينما يرى
المسلم الواعي بطريقه وعلاماته، فهو يعلم لم خلق، ويعلم بدايته ونهايته، وحينما يرى
حيرة غيره وتخبطه يستشعر نعمة كونه عبداً لله، فيوقن أن الدين هو حبل نجاته،
فيزداد تمسكاً بدينه خوفاً من الضلال وشكراً لله، ويزداد صبراً على شدة ما يلاقيه
في سبيله، وذلك أيضًا مما يحميه من عُجب النفس، فالمؤمن الواعي لا ينظر إلى نفسه
بعين الإعجاز لأنه قد ثبت، بل يرى أن الثبات فضل من الله، فيزداد تواضعاً وشكرًا
له، وهذا هو حصن آخر من حصون الثبات.
4- ينشغل بنفسه وأهله:
فقه المؤمن
بأولوياته يجعله يوجه طاقاته في أماكنها الحقيقة، فلا يهدر جهده فيما لا يستحق ولن
يُسأل عنه، فعظيم أن يبذل جهده في أن ينصح نفسه وأهله وعامة الناس، ولكن إن طغى
الواجب على ما هو أوجب فلا بد وأن يدخر جهده لكي ينجو بنفسه وأهله، كما أمره الله
تعالى في قوله: (يَا أَيُّهَا
الَّذِينَ آمَنُوا عَلَيْكُمْ أَنْفُسَكُمْ لَا يَضُرُّكُمْ مَنْ ضَلَّ إِذَا
اهْتَدَيْتُمْ) (المائدة: 105).
5- الإنتاجية بدل الاستهلاكية الفكرية:
من آثار الوعي
الحقيقي أن المؤمن لا يبقى في دائرة التأثر فقط، بل ينتقل إلى دائرة التأثير، فلا
يكون مستهلكاً للأحداث، متفاعلاً معها بردود فعل انفعالية، بل يكون سابقاً لها
بخطوة، يُعد لها العدة، وعليه العمل على تربية أبنائه على المناعة الفكرية منذ
الصغر، وتعليمهم فقه الابتلاء، فذلك من أعظم صور التأثير.
كيف يقبض المسلم على دينه؟
1- الإخلاص لله:
أن تكون عبادته خالصة لله، ممتثلاً لأمر الله فيما أوجب ونهى، وأن يراقب نيته
بانتظام، لتنقيتها من الرياء، فالقابض على الجمر قد يُغريه الشيطان بأن يُري الناس
صبره فيصاب بالرياء، أو قد يصيبه العجب بنفسه، فيضيع أجره.
2- اعتزال
الباطل: فالبعد عن الباطل، والوقوف في صف الحق، ونصرته بكل ما يملك من أدوات،
يُحدث التأثير البالغ في الثبات، فلا يتطبع بالباطل أو يتصالح معه، فيبقي قلبه
وولائه لله عز وجل.
3- الوعي
بالتاريخ والواقع: فهم التاريخ والوعي بما يدور في الحاضر من أهم أدوات المسلم
التي تحدد تحركاته، وتساعده على نصرة الحق والنجاة بنفسه من الفتن، لكن المطلوب
ليس مجرد معرفة الأحداث، بل فهم سنن الله فيها، كسُنة التدافع، وسُنة الابتلاء، وسُنة
الاستخلاف، ومعرفة أن العاقبة للمتقين، وهذه القراءة العميقة تمنح المؤمن رؤية
استباقية للأحداث؛ فلا تفاجئه الفتن، بل يستعد لها قبل وقوعها.
4- تدبر القرآن:
تدبر القرآن ومصاحبته يثبت القلب ويزكي النفس؛ ما يعين على الثبات في الشدائد
وأوقات الفتن، قال الله تعالى: (وَقَالَ
الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْلَا نُزِّلَ عَلَيْهِ الْقُرْآنُ جُمْلَةً وَاحِدَةً ۚ
كَذَٰلِكَ لِنُثَبِّتَ بِهِ فُؤَادَكَ ۖ وَرَتَّلْنَاهُ تَرْتِيلًا) (الفرقان: 23)،
والتدبر الذي يثبت القلب يكون من خلال تثوير القرآن لمعرفة صفات الله وأفعاله
ونصرته لعباده، وكذلك لإيجاد طرق النجاة من الفتن، والتيقن من علامات الطريق
المستقيم، وتزويد القلب بتذكرة تشدد عضده، وتشفيه من أمراضه قبل أن تتمكن منه.
5- الصبر: الصبر
الثمرة الجامعة لكل ما سبق غرسه من عقيدة ووعي بسنن الله في كونه وما مضى من تاريخ
الأمم، ومن مصاحبة القرآن والصلاة، فيصبر على الطاعات ويصبر عن المعاصي ويصبر على
الابتلاء والأذى في سبيل الله؛ لذا فالصبر والقبض على الدين لا يفترقان، فالعبد
يصبر ليقينه في عاقبة الصبر عند الله كما جاء في قوله تعالى: (إِنَّمَا يُوَفَّى الصَّابِرُونَ
أَجْرَهُم بِغَيْرِ حِسَابٍ) (الزمر: 10).
6- الرفقة
المؤمنة: القابض على الجمر يحتاج إلى من يسانده ويثبته، فالصحبة الصالحة هي البيئة
الحاضنة التي تعين على الثبات، فعن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه قال: «المرءُ
على دينِ خليلِه فلينظرْ أحدُكم مَن يُخاللُ» (حديث صحيح أو حسن رواه الترمذي،
وأحمد واللفظ له)، فالبحث عن الصحبة الصالح التي تذكر بالله وتعين على طاعته من
أقوى أسباب الثبات في زمن الفتن.
7- الدعاء
والتعلق بالله: الثبات توفيق من الله وحده؛ لذا فمن أهم صفات القابضين على الدين
كثرة الدعاء بثبات القلب، والتذلل لله والافتقار إليه، والاعتراف بأنه لا ثبات إلا
بفضله؛ لذا فالاستعانة به عز وجل هي أقوى أسباب الثبات على الدين وأعظمها.
إن التمسك
بالدين في زمان الفتن ليس مجرد حالة، بل هو مشروع إيماني متكامل يُبنى في النفوس،
أساسه الإيمان، وسقياه الصبر، وثماره الثبات وصدق الله تعالى حيث قال: (يُثَبِّتُ اللَّهُ الَّذِينَ
آمَنُوا بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الْآخِرَةِ ۖ
وَيُضِلُّ اللَّهُ الظَّالِمِينَ ۚ وَيَفْعَلُ اللَّهُ مَا يَشَاءُ) (إبراهيم: 27).
التعليقات (0)
لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلق!
اترك تعليقاً