الكويت تواجه التصعيد الإيراني باتزان وحكمة
اتخذت الكويت،
وكذلك دول الخليج، موقفاً متزناً وحكيماً من الحرب على إيران، قائماً على ضبط
النفس العسكري في الوقت الذي تقوم فيه بتعزيز الدفاعات، مع تجنب الانجرار إلى
مواجهة مباشرة، والتركيز على الحلول الدبلوماسية وحماية الاستقرار المجتمعي
والاقتصادي.
فقد رسمت
الكويت، بتوجيهات سامية من حضرة صاحب السمو أمير البلاد الشيخ مشعل الأحمد الجابر
الصباح، معالم طريق واضحة؛ مفادها أن «الوطن خط أحمر» لا يقبل المساومة، وأن
السيادة مصونة ببسالة رجالها، ومع نجاح الدفاعات الجوية في التصدي لغالبية
التهديدات، اختارت القيادة الكويتية المتمثلة في صاحب السمو الأمير وحكومة البلاد
ألا تنجر إلى مربع المواجهة الشاملة التي تستنزف المقدرات، متمسكة بكونها «جسراً
للحوار لا ساحة للصراع».
الكويت تواجه الهجمات الإيرانية بكفاءة عالية
وقد شنت إيران هجمات صاروخية وبطائرات مسيّرة على نطاق واسع استهدفت مطارات ومنشآت نفطية في
الكويت وباقي دول الخليج، في واحدة من أخطر العمليات العسكرية التي شهدتها المنطقة
طوال تاريخها، ووفقاً لتقارير خليجية ودولية، تجاوز عدد المقذوفات التي أطلقتها
إيران خلال أول 72 ساعة نحو 450 صاروخاً وطائرة مسيّرة، وهو رقم يعكس حجم التصعيد
الإيراني غير المسبوق.
ورغم كثافة
الهجوم، أظهرت الدفاعات الجوية الكويتية والخليجية كفاءة عالية؛ إذ نجحت في اعتراض
أكثر من 90% من الصواريخ، و85% من الطائرات المسيّرة؛ ما حال دون وقوع كارثة أكبر،
ومع ذلك، تمكنت بعض الضربات من إصابة أهداف حساسة مثل مطار الكويت الدولي، ومطار
دبي، إضافة إلى منشآت نفطية سعودية ومبانٍ مدنية في البحرين وقطر.
سمو الأمير يضع النقاط على الحروف
وجاء خطاب حضرة صاحب السمو أمير البلاد الشيخ مشعل الأحمد الجابر الصباح بمناسبة العشر الأواخر من
رمضان، ليضع النقاط على الحروف، ويرسم ملامح الرد الكويتي الحكيم في هذا الوقت
العصيب من حياة الوطن، فلم يكن الخطاب مجرد رسالة طمأنة، بل كان تأكيداً لعقيدة
أمنية وسياسية ثابتة توازن بين حكمة الردع وغصن الزيتون.
الوطن خط أحمر
وفي كلمته
التاريخية، حدد سمو أمير دولة الكويت سقفاً مرتفعاً للتعامل مع أي تهديد خارجي،
حيث صدح صوته بعبارات حاسمة تجسد إرادة الدولة، قائلاً: «إن الوطن خط أحمر،
وسيادته مصونة بإرادة شعبه الأبي وبسالة رجاله ونسائه في مختلف الميادين، ولن نسمح
لأي دولة كانت، ومهما كانت المبررات، بالمساس بأمن الكويت أو استقرارها أو التعدي
على شبر من أرضها وطهر ترابها».
وهذا يؤكد سياسة
«الحزم الإستراتيجي»، وأن الحكمة الكويتية في الرد لا تفرط في الثوابت والسيادة
الوطنية التي لا مساومة عليها.
الكويت جسر للحوار لا ساحة حرب
وبالرغم من
الجراح التي خلفتها الضربات العدوانية الإيرانية على مرافق حيوية كمطار الكويت
الدولي، لم يتردد سموه في تقديم رؤية تنم عن حكمة القائد الذي يرى ما وراء غبار
المعارك، فقد أعاد سموه التأكيد على هوية الكويت الدولية في ظل هذا الصراع بقوله: «لقد
آلينا على أنفسنا أن تظل الكويت دائماً منبراً للسلام ومنارة للإنسانية، ولن ننجر
إلى صراعات لا تخدم استقرار منطقتنا، ولن تكون الكويت ساحة حرب لتصفية الحسابات،
بل ستظل كما عهدها العالم جسراً للحوار وساعية لتقريب وجهات النظر».
وهذا الموقف هو
الذي يفسر سياسة «ضبط النفس» التي تنتهجها القيادة السياسية، مفضلة المسار
الدبلوماسي الهادئ الحكيم على الانزلاق لحرب إقليمية شاملة يمكن أن تحرق الأخضر
واليابس وتدمر كافة المكتسبات الاقتصادية والاجتماعية والسياسية.
جبهتنا الداخلية حصننا المنيع
وفي تحليل سموه
لعوامل الصمود، لم يغفل الجبهة الداخلية التي اعتبرها لا تقل أهمية عن منصات
الصواريخ الاعتراضية، حيث وجه رسالة مباشرة لأبناء شعبه قائلاً: «إن قوتنا
الحقيقية لا تكمن فقط في عتادنا وعلاقاتنا الدولية، بل في وحدة صفنا وتماسك جبهتنا
الداخلية.. إن التفافكم حول قيادتكم في هذه الظروف الاستثنائية هو الرد الأبلغ على
كل من يتربص بنا سوءاً، وهو الضمانة الأكيدة للحفاظ على مقدراتنا».
وهكذا يكرس سمو
الأمير مشعل الأحمد معادلة «التصدي والردع جنباً إلى جنب مع الدبلوماسية النشطة»، فبينما
وصفت الحكومة الهجمات بأنها «خرق فاضح للقانون الدولي وإهدار لسيادة الدول»، ظل
الخطاب الأميري متمسكاً بالثوابت التاريخية للكويت كدولة وسيطة، محذراً في الوقت
ذاته من أن هذا التسامح ينتهي عند حدود «المساس بأمن المواطن واستقرار الوطن».
حكومة الكويت تدين العدوان
ولم تقتصر ردود
الفعل الكويتية على الجانب الدفاعي فحسب، بل رافقها حراك دبلوماسي مكثف عبّر عن
صلابة الموقف الكويتي ووضوح رؤيته، وفي هذا السياق، جاء تصريح وزير الخارجية
الكويتي الشيخ جراح جابر الأحمد الصباح، واصفاً الهجمات الإيرانية بأنها «خرق فاضح
للقانون الدولي والإنساني، واعتداء سافر على مبادئ حسن الجوار التي طالما نادت بها
الكويت.. إننا أمام تصعيد غير مبرر يهدد السلم والأمن الدوليين، ومع ذلك، يظل
التزامنا بالحلول السياسية والدبلوماسية خياراً إستراتيجياً لا نكوص عنه، صيانة
للمنطقة من ويلات حرب شاملة».
وفي ذات السياق،
أكد رئيس مجلس الوزراء خلال اجتماع استثنائي للمجلس، أن صيانة الجبهة الداخلية
وحماية المقدرات هما الأولوية القصوى، مشدداً في تصريح رسمي على أن «الكويت مارست
أقصى درجات ضبط النفس، لا من موقف ضعف، بل من منطلق القوة المسؤولة التي تدرك كلفة
الدمار.. إن دفاعاتنا الجوية التي تصدت للعدوان بكفاءة عالية هي رسالة لمن يعنيه
الأمر بأن سيادتنا ليست مستباحة، وأن أمن المواطن الكويتي ومنشآتنا النفطية خطوط
حمراء دونها تضحيات جسام».
كما صرح المتحدث
الرسمي باسم الحكومة الكويتية عقب جلسة مجلس الوزراء، في فبراير 2026م، موضحاً
طبيعة التحرك الكويتي القادم: «إن الإجراءات التي تتخذها الكويت حالياً هي إجراءات
دفاعية صرفة تهدف إلى تحصين سمائنا وأرضنا، ونحن مستمرون في التنسيق مع أشقائنا في
دول مجلس التعاون لضمان ألا تنجر المنطقة إلى منزلق عسكري يستنزف ثروات شعوبها.. إن
يدنا ممدودة للحوار، لكن عيننا يقظة لحماية الوطن».
وهكذا يعكس هذا
التناغم في التصريحات بين مختلف أركان الدولة إستراتيجية «الردع الهادئ»؛ حيث
يتمسك المسؤولون الكويتيون بلغة القانون الدولي والمواثيق الدولية، مع التأكيد
الدائم على جاهزية القوات المسلحة للرد على أي خرق للسيادة؛ ما يعزز صورة الكويت
كدولة حكيمة تقود الدبلوماسية في حقل من الألغام.
موقف الكويت يعكس حكمة إستراتيجية بليغة
وقد رأى محللون
خليجيون أن موقف الكويت يعكس حكمة إستراتيجية، حيث يوازن بين حماية السيادة
والاقتصاد، وتجنب التصعيد العسكري، ففي صحيفة «القبس» الكويتية (مارس 2026م)، أشار
المحلل السياسي الكويتي د. عبدالله الشايجي إلى أن الكويت اختارت سياسة ضبط النفس؛
لأنها تدرك يقيناً أن الانجرار لمواجهة مباشرة وشاملة مع إيران سيلحق ضرراً جسيماً
بالبنية التحتية للاقتصاد الوطني، وقد يؤدي إلى زعزعة الاستقرار الداخلي الذي يمثل
الأولوية القصوى للقيادة السياسية.
وفي ذات السياق،
يذهب محللون إستراتيجيون آخرون إلى أن هذا الموقف يعزز من مكانة الكويت كلاعب دولي
مسؤول، حيث يرى الخبير العسكري اللواء متقاعد فهد الشعلة أن نجاح الدفاعات الجوية
في اعتراض 90% من الصواريخ منح القيادة السياسية مساحة من المناورة والهدوء،
معتبراً أن الرد العسكري المتسرع كان سيفقد الكويت ميزتها كدولة وسيطة ويحولها إلى
طرف في حرب إقليمية مفتوحة النتائج، بينما أثبت التفوق الدفاعي أن أمننا محمي بقوة
السلاح، واستقرارنا محصن بقوة العقل.
انعكاسات اقتصادية حرجة
ومن زاوية
اقتصادية، مثّلت الهجمات الإيرانية على الكويت ودول الخليج تهديداً مباشراً
لاستقرار الاقتصاد الوطني والإقليمي، فضلاً عن العالمي، وقد حذرت تقارير خليجية من
أن استمرار الحرب قد يؤدي إلى انكماش اقتصادي يمكن أن يصل إلى 14% من الناتج
المحلي الإجمالي، وهو أسوأ ركود منذ حرب تحرير الكويت، وهذا الرقم يعكس حجم الأخطار
التي قد تواجهها الميزانيات العامة إذا تحولت الموانئ والمنشآت النفطية والغازية
إلى أهداف دائمة للعدوان الإيراني.
في هذا السياق،
أوضح الخبير الاقتصادي الكويتي جاسم السعدون، في تصريحات سابقة، أن الحفاظ على
تدفق النفط والغاز هو جوهر الأمن القومي الكويتي، بينما أشار الاقتصادي البحريني د.
علي فخرو إلى أن الاعتماد المفرط على النفط يجعل أي مواجهة عسكرية طويلة الأمد
كارثة مالية واجتماعية، داعياً إلى تعزيز التنويع الاقتصادي كخيار إستراتيجي.
ومن جانبه، أكد
الخبير الإماراتي ناصر السعيدي أن ضبط النفس السياسي والدبلوماسي أسهم في حماية
أسواق المال الخليجية من انهيار حاد، إذ فقدت البورصات نحو 7% من قيمتها خلال
الأيام الأولى للهجمات، لكنها استعادت جزءاً من عافيتها بفضل الموقف المتزن.
تنسيق خليجي حقيقي
ولم يكن التنسيق الخليجي في مواجهة الهجمات الإيرانية مجرد خطوة بروتوكولية، وإنما قرار إستراتيجي
يعكس إدراكاً جماعياً بأن أي تصعيد عسكري سيؤدي إلى كارثة إقليمية.
ففي الاجتماع
الطارئ لمجلس التعاون بالرياض مطلع مارس 2026م، شدد وزراء الدفاع والخارجية على أن
العمل ككتلة موحدة هو الضمانة الوحيدة لحماية الأمن القومي والاقتصاد معاً.
وقال وزير
الخارجية السعودي بوضوح: أمن الخليج خط أحمر، لكننا لا نسعى لحرب شاملة، بل إلى
ردع يحمي شعوبنا واقتصادنا، فيما أكد نظيره الإماراتي أن ضبط النفس هو السلاح
الأقوى في هذه المرحلة، والتنسيق المشترك هو ما يمنع الانزلاق إلى مواجهة مفتوحة.
وقد رحب العالم بالنهج
الخليجي المتزن في مواجهة الاعتداءات الإيرانية؛ فقد أشاد الاتحاد الأوروبي والأمم
المتحدة بضبط النفس الذي أظهرته الكويت ودول مجلس التعاون، معتبرين أن هذا الموقف
يمثل نموذجاً للحكمة الإستراتيجية في منطقة مشتعلة.
ففي اجتماع
استثنائي بين وزراء خارجية مجلس التعاون والاتحاد الأوروبي، في 5 مارس 2026م، صدر
بيان مشترك أدان الهجمات الإيرانية ووصفها بأنها غير مبررة، مؤكداً دعم الاتحاد
الأوروبي لسيادة دول الخليج ووحدة أراضيها، وشدد البيان على أن التنسيق الخليجي
وضبط النفس العسكري يمثلان خطوة مسؤولة تمنع الانزلاق إلى مواجهة شاملة، وأكد أن
الاتحاد الأوروبي سيواصل دعم الحلول الدبلوماسية وتخفيف التوترات.
وفي 11 مارس
2026م، اعتمد مجلس الأمن الدولي القرار (2817) بأغلبية 13 صوتاً مقابل امتناع
دولتين، حيث أدان الهجمات الإيرانية ضد الكويت والسعودية والإمارات وقطر والبحرين
وعُمان والأردن.
وحذر الأمين
العام للأمم المتحدة، أنطونيو غوتيريش، في جلسة طارئة، من أن الهجمات الإيرانية قد
تشعل حرباً أوسع في الشرق الأوسط، لكنه أشاد بضبط النفس الخليجي ودعا إلى العودة
للمفاوضات.
ووصف دبلوماسيون
أوروبيون الموقف الكويتي بأنه نموذج للدبلوماسية الوقائية، معتبرين أن تجنب
التصعيد العسكري ساعد على حماية أسواق الطاقة العالمية من انهيار أكبر.
وهكذا، فإن
الموقف الخليجي، وخاصة الكويتي، من الحرب على إيران يُظهر حكمة إستراتيجية تقوم
على حماية المدنيين، وتجنب التصعيد، والحفاظ على الاستقرار الاقتصادي، هذا التوازن
بين الرد الدفاعي والبحث عن حلول سياسية يعكس إدراكاً عميقاً بأن أي حرب مفتوحة
ستضر بالمنطقة أكثر مما ستفيدها، ويجعل من الخليج لاعباً حكيماً مسؤولاً في إدارة
الأزمة.
---
إقرأ أيضا:
هل
تؤدي سياسات ترمب المتهورة لتصدع «حلف الأطلنطي»؟
ترمب شن الحرب على إيران دون خطة
عرض
كتاب «متواطئون: دور بريطانيا في تدمير غزة» لبيتر أوبورن
الهوامش
- 1 وكالة الأنباء الكويتية (كونا) (فبراير 2026م)، تصريحات مجلس الوزراء ووزارة الخارجية حول الهجمات الإيرانية.
- 2 القبس الكويتية (مارس 2026م)، عبدالله الشايجي: الكويت اختارت سياسة ضبط النفس لتجنب الإضرار بالاقتصاد الوطني.
- 3 الراي الكويتية (فبراير 2026م)، تغطية الهجمات الإيرانية وردود الفعل الرسمية والشعبية.
- 4 الجريدة الكويتية (مارس 2026م)، تحليلات اقتصادية حول تداعيات الهجمات الإيرانية.
التعليقات (0)
لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلق!
اترك تعليقاً