سؤال الهوية والقيادة
النخبة بين المأزق والتجديد
حين يثار السؤال
عن النهضة يستدعي معه الحديث عن النخبة القائدة، والطليعة الرائدة، فلا بد لكل
مشروع من حمَلة ورموز، يكونون متمثلين به، وممثلين له، يرتادون لأهله الطريق،
ويوضحون المسالك، ويعطون القدوة، ويتحملون التبعة، وقد ورد في الأثر أن الرائد لا
يكذب أهله، وقال شاعرهم يرتجز:
كان الرئيس
حقًّا حقاً أن يخضب الأصعدة أو تندقا
لقد ترسخ في
الوجدان العام والعقل الجمعي أن النخبة هي المعوَّل عليها في القيادة والريادة،
وهو قول فيه نصيبٌ وافر من الصواب، فالمجتمعات لا تتحرك بلا طلائع تصوغ الرؤية،
وتُدير المؤسسات، حتى الثورات الشعبية التي افتقرت إلى قيادة منظمة انتهت في
الغالب إلى فراغٍ ملأه الأقدر تنظيمًا، لا الأصدق قضية.
النخبة.. الملأ والبطانة
وللقرآن الكريم
حديث عن النخبة القائدة وتأثيرها، جاء تحت مصطلحات من قبيل «الملأ» أحياناً، وهؤلاء
يتفرقون بحسب الهوية والغاية التي لها يعملون، فهناك ملأ قوم فرعون الصالون، كما
في قوله تعالى: (وَقَالَ فِرْعَوْنُ يَا أَيُّهَا الْمَلَأُ
مَا عَلِمْتُ لَكُم مِّنْ إِلَهٍ غَيْرِي) (القصص: 38)، وهناك ملأ سليمان العالِمون، كما في قوله تعالى: (قَالَ يَا أَيُّهَا المَلَأُ أَيُّكُمْ
يَأْتِينِي بِعَرْشِهَا قَبْلَ أَن يَأْتُونِي مُسْلِمِينَ) (النمل: 38)، وملأ ملكة سبأ الناصحون، كما في قوله تعالى: (قَالَتْ يَا أَيُّهَا المَلَأُ أَفْتُونِي
فِي أَمْرِي مَا كُنتُ قَاطِعَةً أَمْراً حَتَّى تَشْهَدُونِ) (النمل: 32).
وهناك الملأ
الأعلى من الملائكة المكرمين، كما في قوله تعالى: (مَا كَانَ لِي مِنْ عِلْمٍ بِالْمَلَإِ
الْأَعْلَى إِذْ يَخْتَصِمُونَ) (ص: 69)، وقال النبي صلى الله عليه وسلم: «ما استُخلِفَ خَليفةٌ
إلَّا له بطانَتانِ: بطانةٌ تَأمُرُه بالخَيرِ وتَحُضُّه عليه، وبطانةٌ تَأمُرُه
بالشَّرِّ وتَحُضُّه عليه، والمَعصومُ مَن عَصَمَ اللهُ» (رواه البخاري، 6611)، وخلاصة
الآيات والأحاديث أن طبائع الملأ (البطانة) تتباين بحسب الهوية والمنطلق والغاية.
بين دور الملأ وتحقيق الهوية
وعلى ذلك،
فالأسئلة عن دور النخبة في مجال النهضة لصيقة بأسئلة عن ماهيتها وشروطها، بل تالية
لها، وجميعها مترابطة متعاضدة، لا يمكن حسم أحدها دون الآخر، فالذي ينحاز إلى
الهوية الإسلامية ينبثق في ذهنه تصور عن شروطها وحمَلتها، يختلف من يراها حداثة
وعصرنة، والذي يراها امتزاجاً واختياراً بين هذين يختلف تصوره عن السابقين، ولذا
فمن الضروري أن يسبق سؤالُ الهوية سؤالَ النخبة، فعلى حسب زاوية النظر يختلف
المنهاج.
وسؤال الهوية
موروث عن الصدمة الحضارية في القرن التاسع عشر، حين تفرّقت الطلائع بين إصلاحية
دينية، وليبرالية متغرّبة، وقومية جامعة، ووطنية قُطرية، وإسلام سياسي، ولا شك في
أن أزمة النخبة في عالمنا العربي والإسلامي نتاج الافتراق حول الهوية، الذي أنتج
بدوره إشكالية اغتراب النخبة عن جمهرة الأمة.
فقد تشكّل كثير
من النخب الحاضرة في كنف الدولة الحديثة أو التعليم الوافد، فاختلف قاموسها عن
قاموس مجتمعها، كما اختلفت العقول والمشاعر، ومدت حبال الوصل للغرب، فزادها ذلك
اغتراباً عن الأمة، ووضعها في دائرة الاتهام أو الشك، وبخاصة أن عقل الأمة يستحضر
أفاعيل الغرب بها، ولسان حالها يقول: كيف آمنك وهذا أثر فأسك التي أردت قتلي بها؟!
فأصبح الدور
الوظيفي للنخبة المستغربة أكثر حضورًا، وأشد ظهورًا من الدور الاستقلالي الرائد، وارتهن
كثيرٌ منها للسلطات الحاكمة -على ما بينها وبين شعوبها من فجوة وجفوة- يستمد منها
قوة إلى قوته، ويأمن بها الغوائل والفواجع.
أو انكفأ عنها؛
مستبقيًا دينه وعرضه، أو صارعها منتصراً لفكرته ومشروعه، صراعاً يحتسب فيه
العاقبة، ويرجو فيه العافية، إذ لا تكافؤ بين قوة الفرد الفذِّ والنظم المتغوِّلة
الطاغية.
فالنخبة القائمة
بصورتها الراهنة كانت جزءاً من صناعة الأزمة، لا واسطة للحل! وظلت تعاني العزلة
والغربة، والتاريخ حاكم في أن النخبة المعزولة عن الأمة يتسرب إليها العطب العاجل
أو الآجل، ثم تدور عليها الدوائر.
ويشير مصطلح
النخبة إلى طيف متعدد الاختصاصات، فهناك نخبة سياسية أو مالية أو ثقافية أو علمية
أو أدبية أو فنية، ومنها من يضرب بنصيب وافر من الشهرة وتتركز حوله الأضواء، وربما
كان ذلك علامة على نيله الرضا، بغضِّ النظر عن حظه من الكفاءة؛ ما يرجح القول
بأنها نخب مصنوعة، قُدمت لتقود الأمة في زمن عصيب!
وفي زمن التردي
العربي، تنحسر دلائل النجابة عن هذه النخبة اللامعة بمضي الزمن، في الوقت نفسه الذي
تتفخم فيه ألقابها، كما حدث في عصور الانهيار الأندلسي، فتصبح:
ألقاب مملكة في
غير موضعها كالهر يحكي
انتفاخات صولة الأسد!
ويحدث ذلك بينما
تعاني نخب إسلامية من التجاهل والتضييق والتحييد، بينما تنفذ ثلة منها إلى مواقع
التأثير والفعل، ولعل أزمتنا المعاصرة -في أحد تجلياتها- حصيد هذا التدافع بين
نخبة اطمأنت إلى مكانتها، وتشابكت مصالحها، وأخرى تؤهل نفسها إلى مستقبل ترى أنه
لا بديل عنه، وثالثة تنكفئ على ذاتها لا ترى لها أربًا في ذلك الصراع.
بين إصلاح الممكن وإحلال الجديد
والنقطة الفاصلة
في مسيرة النهضة قدرة الأمة على حسم الجواب عن قضية الهوية الحائرة، وهي خطوة تبدو
عسيرة حين نقع في التباس موقع الأعراف بين الأمة والنخبة؛ (وَلِكُلٍّ وِجْهَةٌ هُوَ مُوَلِّيهَا) (البقرة: 148)، فكثير من فعاليات الأمة تنحاز إلى موروثها الديني
والأخلاقي والفكري، والنخبة في غالب أمرها منحازة إلى قيم الحداثة والتغريب، وبعض
من هؤلاء وأولئك يرى أن لا التقاء بين الدائرتين، وفريق منهما تراهم (مُّذَبْذَبِينَ بَيْنَ ذَلِكَ لاَ إِلَى
هَـؤُلاء وَلاَ إِلَى هَـؤُلاء) (النساء: 143).
وإصلاح الطليعة
دون تغيير الشروط التي أنتجتها يُعيد إنتاج الداء نفسه، ولهذا يلزم شقّ مسالك
جديدة تُخرّج نخبًا مختلفة من الأساس، مِلاكُها تعليمٌ وبحثٌ يطرحان أسئلتنا نحن،
لا أسئلة غيرنا، ومجالٌ عامٌّ يتيح صعود القيادات من القاعدة بالمنافسة في
المؤهلات والكفاءات، لا بالولاء السياسي أو التجاذب المصلحي، وخطابٌ تصوغه لغة
الناس وهمومهم، لا لغة مستعارة أو متعالية، وطبقة منتجة في الاقتصاد والتقنية،
وتكاملٌ إقليمي عربي وإسلامي يمنح الكيانات الصغيرة وزنًا لا تملكه منفردة.
ضغوط تجعل التجديد قدرًا لا ترفًا
لم يعد التجديد
خيارًا فكريًا يُترك لمزاج المثقفين، فثمة ضغوطٌ تفرضه؛ فهناك جيلٌ جديد متصل
بالعالم لا يمنح الثقة بالمكانة والتوارث، وقد بدأ يبني نخبًا موازية خارج الدوائر
القديمة، وهذا الجيل مفعم بالقناعة بالشفافية الرقمية التي كشفت زيف الادعاء
الإعلامي الأجوف بعدما اقتاتت منه الأمة قرونًا، فلم يغنها من جوع، ولم يؤمنها من
خوف.
وهناك أزمات
اقتصادية وأمنية تجعل الكفاءة العملية معيارًا بدل الولاء، ومقارنات إقليمية
ودولية تُظهر فداحة الإبقاء على النمط المتكلس القديم، وفي الداخل المهني
أكاديميون وإداريون وإعلاميون يأبون أن يتحمّلوا كلفة الفشل الجماعي.
ويبقى التساؤل
قائماً: هل يسبق الإصلاحُ السياسي كلَّ شيء، حتى ينفتح المجال للتطور المجتمعي أن
يبسط رؤيته، ويجدد نخبته وقيادته؟ وذلك مرهون بعوامل يقع كثير منها خارج الإرادات
الشعبية الطامحة، أم إن البدء ينطلق من القاعدة؛ تعليمًا واقتصادًا ومجتمعًا
مدنيًا؟
ومهما اختلفت
الإجابات والرؤى، فإن سُنة التاريخ تنحاز إلى التجديد والتطوير، وإن إفساح المجال
أمامه يقتضي الحكمة، تلك التي ما زال كثيرون يؤملون في وجودها وانتصارها.
التعليقات (0)
لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلق!
اترك تعليقاً