«الإتيكيت» النبيل في تربية الطفل المسلم

منذ أن بزغ فجر الرسالة، والإسلام يغرس في النفس الإنسانية قيماً سامية، تُهذّب الطبع، وتصقل الخُلق، وتُنشئ علاقة راقية بين الإنسان وربه، وبينه وبين الناس من حوله، ولم يكن الطفل في قلب هذه الرسالة مهمشاً أو متروكاً لنضج الزمن، بل كان موضع العناية، ومنطلق البناء.

لقد آمن المسلمون منذ اللحظة الأولى أن الأدب هو الوعاء الذي تُسكب فيه معاني العقيدة، وأن الطفل المؤدّب خير من الحافظ الذي لا يزن كلماته ولا يعرف لمجلس قدراً.

كان النبي صلى الله عليه وسلم أول من وضع ملامح هذه التربية النبيلة، حين خاطب عبدالله بن عباس قائلاً: «يا غلام، إني أعلّمك كلمات..»، وهو بذلك لا يخاطب طفولة عابرة، بل يؤسس لوعي مبكر، يربّي على النُّبل، ويُعلّم مراقي السلوك.


قواعد نبوية في تربية الأطفال |  مجلة المجتمع الكويتية
قواعد نبوية في تربية الأطفال | مجلة المجتمع الكويتية
تعد مرحلة الطفولة أهم مراحل حياة الإنسان؛ حيث تتشك...
mugtama.com
×


في موقف آخر، رأى غلاماً يأكل بشراهة وفوضى، فلم يزجره بحدّة، بل قال برفق الناصح: «يا غلام، سمِّ الله، وكل بيمينك، وكل مما يليك»، هنا نكتشف أن «الإتيكيت» في التربية النبوية ليس مظاهر ناعمة، بل أخلاق منبثقة من الإيمان، تضبط السلوك وتحفظ كرامة الطفل.

ولم يكن بيت النبوة استثناءً، بل كان القدوة، فتبعته بيوت الصحابة وأجيال التابعين، فها هو عمر بن الخطاب رضي الله عنه يعلم أبناءه آداب المجلس، ويمتحنهم في رجاحة الرأي وميزان الحديث، ويزرع فيهم الوقار كما يزرع الإيمان، أما عبدالله بن الزبير، فقد كان يُعرف في صباه بسمت الكبار، لأنه نشأ في حجر أمٍّ كأسماء بنت أبي بكر، ترى أن الأدب نصف الشخصية، والصمت أحياناً أبلغ من الكلام.

ومع مرور العقود، أخذت هذه التربية الرفيعة طابعاً مؤسسياً، فظهرت الكتاتيب، ثم المدارس، ثم البيوت العلمية التي اعتنت بتخريج النابهين، في هذه البيئات، لم يكن الطفل يبدأ درسه بالقراءة، بل بالأدب: كيف يجلس؟ كيف يسأل؟ كيف ينصت؟ كانت المعلمة، أو الشيخ، يلاحظ سلوك الطفل قبل ذهنه، فإن رأى فيه تهاوناً في الهيبة أو استخفافاً بالمجلس؛ أخّره عن التعليم؛ لأن العلم عندهم لا يُعطى إلا لمن تأدّب.

أما في قصور الخلفاء، فقد كان للأمر شأن آخر، فلم يكن الأبناء يُربَّون على الترف فقط، بل يُختار لهم من المربين من جمع بين الورع والفطنة، وبين الرزانة والعلم، وكان يُلحق بكل أميرٍ صغير مربٍّ خاص، يُسمّى المؤدِّب، تكون مهمته الأساسية غرس الأدب قبل تلقين الشعر أو الفقه.


20 قاعدة لتعلم «الإتيكيت» |  مجلة المجتمع الكويتية
20 قاعدة لتعلم «الإتيكيت» | مجلة المجتمع الكويتية
تفرض الفطرة السليمة على الإنسان آداباً عامة في الت...
www.mugtama.com
×


ففي الدولة العباسية، كان أبناء الخلفاء يُدرّبون على الوقار في المجلس، وتجنّب القهقهة، وتقديم الكبير، واحترام العلماء، وكان يُعتبر فشل الأمير في أدب الحديث إشارة إلى فشل أهليته في الحكم، وكان يُؤخذ عليه إن زاحم أقرانه، أو رفع صوته بلا حاجة، أو أكل على غير هيئة، وقد سُجّلت في كتب التاريخ نوادر كثيرة لأبناء خلفاء عوقبوا أو عُزل مربّوهم بسبب تقصير في تهذيب السلوك، لا في الحفظ.

أما مدارس تخريج الأطفال النابغين، كـ«المدرسة النظامية» في بغداد، ومدارس الأندلس وقرطبة وفاس، فقد كانت ترى في الأدب جزءاً من البنية المعرفية، وكانوا يقولون: «من لم يُربَّه الأدب، لم يُفلح العلم في تهذيبه»، وكان المعلم يرفض تعليم طفل يتكلم دون إذن، أو يقاطع غيره، أو يجلس متكئاً، بل كانت بعض المدارس تبدأ يومها بفقرة اسمها «مجلس الأدب»، يتحدث فيها أحد الشيوخ عن آداب المجلس، وفضائل السكوت، وفن الإنصات، ومهارات الحديث المؤدّب.

وكانت كتب الأدب والتربية تواكب هذا التوجه، فتؤلف للأطفال والأسر كتباً تجمع بين التعليم والتأديب، فـ«الأدب المفرد» للإمام البخاري، و«الآداب الشرعية» لابن مفلح، و«تربية الأولاد» لابن الجوزي، لم تكن مجرد مؤلفات علمية، بل كانت دساتير سلوك تُقرأ في البيوت، وتُحفظ بعض فقراتها كما تُحفظ السور، بل إن بعض البيوت كانت تبدأ جلسات المساء بقراءة صفحات من كتاب أدب، قبل أن تنتقل إلى الحديث أو العشاء، إيماناً بأن الأدب ليس ترفاً، بل ضرورة، وأنه كما يُغذّى الجسد بالطعام، تُغذّى الروح بالتهذيب.


العالَم الافتراضي.. وأولادنا! |  مجلة المجتمع الكويتية
العالَم الافتراضي.. وأولادنا! | مجلة المجتمع الكويتية
أستاذي الكريم، أكتب إليكم وقد مقتُّ نفسي وصديقة عم...
mugtama.com
×


هكذا نرى أن ما يُعرف اليوم بـ«الإتيكيت» لم يكن يوماً غريباً عن البيئة الإسلامية، بل هو ضارب في جذورها، وإن اختلفت المسميات، الفرق أن «الإتيكيت» في الإسلام لا ينطلق من ذوق اجتماعي متغير، بل من إيمان ثابت بأن حسن التعامل عبادة، وأن تهذيب النفس قربى، وأن الكلمة اللطيفة، والنظرة المؤدبة، والحركة المنضبطة، ملامح لمسلم يعرف قدر نفسه، ويقدّر من حوله.

إن هذا الإرث التربوي الثمين بحاجة اليوم إلى إحياء، لا من باب الزينة، بل من باب الأصالة، كي نعيد لأطفالنا ذلك البريق الداخلي الذي نشأ عليه أبناء الصحابة والخلفاء والعلماء، يوم كان الأدب قبل العلم، والهيبة قبل المناصب، والسكوت قبل الكلام.


الرئيسية

مرئيات

العدد

ملفات خاصة

مدونة