الإسلام وعلم الطب

عباس العقاد

25 أكتوبر 2026

18

الإسلام وعلم الطب

أشاد "هوميروس" في "الأوديسا" بمهارة الأطبَّاء المصريين، وقال "هيرودوت" غير مرة: إنهم كانوا يعالجون أنواعًا شتى من الأمراض، يختص كل منهم بمرض يبرع في علاجه، وروي أن "قورش" أرسل إلى مصر في طلب طبيب للعيون، وأن "دارا" كان عظيم الإعجاب بهم كثير الثناء عليهم.

وكان الإغريق يعرفون اسم "إمحوتب" رب الحكمة في مصر القديمة، ويسمونه بلغتهم "أموثيس"، وقد نقلوا عن الطب المصري كثيرًا من العقاقير كما نقلوا آلات الجراحة بغير تبديل، وتلقى الإغريق شيئًا من الطب الكلداني؛ كما كان في عصوره القديمة مزيجًا من السحر والتعويذ والعلاج.

ثم دارت دورة الثقافة الإنسانية على أتَمِّها في هذه الصناعة التي يحتاج إليها جميع الناس، فأعاد الإغريق ما أخذوه، وما زادوه إلى المصريين في عهد مدرسة الإسكندرية، وإلى الكلدان والسريان في أواخر الدولة الرومانية الشرقية، وكان في ذلك الحين حصة من تراث الأديرة وكهانها، يتدارسه مَن يتدارسون العلوم باليونانية أو اللاتينية، وكان معظمهم يومئذ من رجال الدين.

واستعان الفرس بأطباء السريان والروم فأنشؤوا المدرسة الطبية، والمستشفى المشهور بجنديسابور، وكان عليه معول الشعوب القريبة كلها في إتمام معارفهم الطبية، والتوسع في الاطلاع على فنون العلاج عند سائر الأمم، ومن تلاميذه النابهين بين أطباء العرب الحارث بن كلدة، الذي تعلم الطب في الجاهلية وأدرك الإسلام.

وقد عرف العرب التطبيب في أقدم عصور الجاهلية على طريقة البداوة في مزج الطب والكهانة وعلاج الأمراض بالوسائل البدائيَّة، فكان لكل قبيلة عرَّافها الذي يستشار في كل ما حزبها من الأمور، ومنها العلل والشكايات.

جَعَلْتُ لِعَرَّافِ اليَمَامَةِ حُكْمَهُ      وَعَرَّافِ نَجْدٍ إِنْ هُمَا شَفَيانِي

وكان طب هؤلاء العرافين يخلط بين الرقى والتبخير، وتعاطي الأدوية التي تقترن بالعزائم والتمائم والتعاويذ، ومع العرافين أطباء مختصون بالعلاج لا يزاولون الكهانة، ولا يموهون على المرضى باسم الجن أو الأصنام، ويعالجونهم بالفصد، والكي، والحجامة، والحمية، وبعض العقاقير والأعشاب، التي تنبت في بلاد العرب أو تجلب من الهند والصين، ووصايا هؤلاء الأطباء تدل على خبرة حسنة بتصحيح الأجسام، كما قال الحارث بن كلدة: "من سره البقاء - ولا بقاء - فليباكر الغداء، وليخفف الرداء، وليقل غشيان النساء".

وسأله معاوية: ما الطب، يا حارث؟ فقال: الأَزْمُ، يا معاوية، يعني الجوع، وكان ينهى عن الاستحمام بعد الطعام، ويوصي بالتخفف من الديون والهموم، وكانت لهم طريقة عملية ناجعة في التماس الدواء لما استعصى عليهم دواؤه، وهي أن يخرجوا المريض إلى طريق القوافل ليراه من أصيب بمثل مرضه ويصف له الدواء الذي شفاه.

ويبدو لنا أن اشتغال العرب الطويل برعي الماشية قد باعد بينهم وبين طب الكهانة والخرافة، وقارب بينهم وبين طب التجارب العمليَّة، لأنهم راقبوا الحمل والولادة والنمو وما يتصل به من الأطوار الحيوية، وشرحوا الأجسام فعرفوا مواقع الأعضاء منها، وعرفوا عمل هذه الأعضاء في بنية الحيوان نحوًا من المعرفة السليمة، فاقتربوا من الإصابة في تعليل المرض والشفاء.

وجاء الإسلام فقضى على الكهانة وفتح الباب للطب الطبيعي على مصراعيه؛ لأنه أبطل المداواة بالسحر والشعوذة، ولم يحدث في مكان الكهان طبقة جديدة تتولى العلاج باسم الدين؛ بل سمح النبي - عليه السلام - باستشارة الأطباء ولو من غير المسلمين، فلما مرض سعد بن أبي وقاص في حجة الوداع عاده النبي، وقال له: إني لأرجو أن يشفيك الله حتى يضر بك قوم وينتفع آخرون، ثم قال للحارث بن كلدة: "عالج سعدًا مما به"، والحارث على غير دين الإسلام، وذكر القرآن الكريم لقمان الحكيم: (وَلَقَدْ آَتَيْنَا لُقْمَانَ الْحِكْمَةَ أَنِ اشْكُرْ لِلَّهِ) (لقمان: 12)، ومنها التطبيب أو هي الطب قبل سائل ضروب الحكمة، فجعل الإسلام هذه الصناعة نعمة يشكرها من أسبغها الله عليه، واتخذها وظيفة معترفًا بها ولو لم تكن من أعمال المتدينين(1).

الهوامش
  • 1 المصدر: من كتاب «أثر العرب في الحضارة الأوربية».
الرابط المختصر :

اترك تعليقاً

التعليقات (0)

لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلق!

تابعنا

الرئيسية

مرئيات

جميع الأعداد

ملفات خاصة

مدونة