الإهمال.. الوجه الآخر للعنف ضد الأطفال
قصص واقعية لا
حصر لها، ومقاطع فيديو عن أب يرفض استلام ابنه من أهل طليقته، تكشف آثار حرمان
الأطفال من الرعاية والاهتمام الأبوي، التي تتمثل في القلق والوحدة والخوف، وقد
تصاحب هذه المشاعرُ المؤلمةُ الطفلَ طوال حياته.
إحدى الحالات
لطفل في العاشرة من عمره، تتوافر له جميع احتياجاته المادية، لكنه يفقد الاهتمام
العاطفي من والديه المنشغلين معظم الوقت بالعمل وليس لديهم الوقت الكافي للحديث
معه أو متابعة يومياته، وبمرور الوقت بدأ الطفل يعاني من العزلة وضعف الثقة بالنفس
وتراجع مستواه الدراسي.
يصف المختصون
هذا اللون من الإهمال بأنه الوجه الآخر للعنف أو العنف الصامت ضد الأطفال،
فالإهمال لا يعني فقط عدم توفير الطعام أو الملبس، بل يشمل أيضًا التقصير في تلبية
احتياجات الطفل النفسية والعاطفية، فالطفل يحتاج إلى الرعاية والاهتمام والشعور
بالأمان، بقدر حاجته إلى المأوى والغذاء، فإن حُرم هذه الاحتياجات تأثرت شخصيته
ونموه بشكل مباشر.
وفي شريعتنا
الغرّاء، يعدُّ إهمال الأطفال كبيرة، خصوصًا إذا ترتب عليه ضرر شديد، فرعاية
الأطفال في الإسلام أمانة عظيمة، ومسؤولية شرعية وأخلاقية على كلا الوالدين؛ (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا
قُوا أَنْفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَارًا) (التحريم: 6)، وقوله صلى الله
عليه وسلم: «كلكم راع وكلكم مسؤول عن رعيته..» (متفق عليه).
أسباب الإهمال والعلامات الدالّة عليه
لا يحدث إهمال
الأطفال –غالبًا- بصورة متعمدة، بل يكون نتيجة مجموعة من الظروف التي تواجهها
الأسرة، وتعد الضغوط الاقتصادية من أبرز العوامل التي تسهم في انتشار الظاهرة،
فانشغال الوالدين بتوفير الاحتياجات الأساسية لأبنائها يضعف قدرتها على متابعتهم.
كما يؤدي ضعف
الوعي التربوي دورًا مهمًّا في تفاقم المشكلة، فتجاهل الأسرة لدعم أبنائها نفسيًّا
وعاطفيًّا يؤدي إلى ممارسات إهمالية يصعب علاجها، وكذلك المشكلات الأسرية والتفكك
العائلي، تجعل الطفل ضحية للصراعات القائمة.
وقد برز مؤخرًا
عامل جديد، يتمثل في الانشغال المفرط للوالدين بوسائل التواصل الاجتماعي، على حساب
التفاعل المباشر مع أطفالهم.
ومن أبرز
العلامات التي تدل على تعرض الطفل للإهمال، ظهور مشكلات متكررة متعلقة بالنظافة
الشخصية أو المظهر العام، أو ظهور علامات سوء التغذية والإرهاق المتكرر.
والطفل الذي
يعاني من الإهمال قد يتكرر غيابه عن المدرسة أو يتراجع مستواه الأكاديمي بشكل
ملحوظ، وقد يبدو غير قادر على التركيز أو إنجاز واجباته المدرسية.
وقد تظهر على
الطفل علامات الحزن المستمر، أو القلق، أو الانطواء، وقد يعبِّر عن معاناته من
خلال سلوكيات عدوانية أو تمرد، وقد يبدو فاقدًا الثقة بنفسه، شديد الحساسية تجاه
النقد.
آثار الإهمال على الأطفال
تمتد آثار إهمال
الطفل –كما سبقت الإشارة- إلى صحته النفسية والجسدية، وإلى تحصيله الدراسي
وعلاقاته الاجتماعية، وتزداد خطورة هذه الآثار عندما يستمر الإهمال لفترات طويلة
دون تدخل أو دعم مناسب؛ إذ قد يتطور الأمر إلى سلوكيات تعويضية أو دفاعية، منها:
1- العناد
والشجار مع إخوته: للفت الانتباه وجذب الأنظار، كأنه يبعث برسالة إلى والديه أو
المسؤولين عن رعايته بأن له رغبات ينبغي أن تُلبَّى أولًا، وأنه ليس كمًّا مهملًا،
وإنما إنسان له مشاعر وأفكار يجب أن تُحترم.
2- التبلُّد
الانفعالي: فمع تكرار التجاهل والإهمال يُصاب الطفل بتبلُّد المشاعر، وتدني تقدير
الذات؛ ما يسبب له شعورًا بالنقص.
3- الهروب إلى
بيئة جاذبة: كأن يتعرّف إلى أصدقاء –أيًّا كان سلوكهم- يقدِّرونه، ويسمعونه،
ويعطونه الاهتمام الذي يفتقده مع عائلته، حيث لا يشعر بذاته.
4- التدخين
والإدمان: فحين يشعر المراهق بالإحباط، ويفقد إحساسه بذاته، فغالبًا يسلِّم نفسه
لعادة التدخين أو الإدمان، خصوصًا لو كانت له صحبة سيئة تشجعه على ذلك.
كيف نحمي أطفالنا من الإهمال؟
يتضح مما سبق أن
الإهمال لا يمكن اختزاله في مجرد تقصير عابر أو نقص في الاهتمام، بل هو قضية تمس
جوهر حقوق الطفل الأساسية في الحياة الآمنة والرعاية السليمة؛ ما يعني أن حماية
الطفل من الإهمال ليست خيارًا، وإنما واجب إنساني وأخلاقي وقانوني لا يجوز التهاون
فيه.
ويبدأ دور
الأسرة في الحماية، من إدراك احتياجات الطفل في كل مرحلة عمرية، من الحب والتشجيع
والإنصات لمشاعره وأفكاره، فتتعزز لديه الثقة بالنفس، ويزداد إحساسه بالأمان.
وإنّ الأسرة
الواعية والمترابطة تمثل خط الدفاع الأول عن حقوق الطفل ورفاهيته وتنمية مهاراته
الاجتماعية والعاطفية بصورة صحية.
ولا تقتصر
الحماية على الأسرة وحدها، بل تمتد لتشمل المدرسة والمجتمع والمؤسسات التي لها
علاقة بالطفل؛ فللمدرسة دور محوري في اكتشاف حالات الإهمال، ومن هنا تأتي أهمية
تدريب الكوادر التعليمية للتعرف إلى هذه المؤشرات والتعامل معها بطريقة مهنية.
ويتحمل المجتمع
مسؤوليته في نشر ثقافة حماية الطفل وتعزيز الوعي بحقوقه، وهو دور وسائل الإعلام
والمؤسسات الثقافية ومنظمات المجتمع المدني. كما على الجهات المعنية توفير الأطر
القانونية والتشريعات الداعمة لحماية الأطفال من الإهمال والإساءة، وتوفير خدمات
الإرشاد الأسري والدعم النفسي والاجتماعي لمعالجة الأسباب التي قد تدفع بعض الأسر
إلى إهمال أطفالها.
التعليقات (0)
لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلق!
اترك تعليقاً