بلاغة القرآن عند أبي زهرة.. من جمال اللفظ إلى قوة التأثير
لم يكن الشيخ
محمد أبو زهرة ينظر إلى بلاغة القرآن بوصفها مجموعة من المحسنات اللفظية أو
القواعد البيانية التي يمكن إحصاؤها، بل كان يراها سرًّا يسري في ألفاظ القرآن
وحروفه، وفي نظمه وأسلوبه، وفي صوره وقصصه، حتى يغدو النص القرآني وحدة متكاملة لا
يمكن فصل مبناها عن معناها، ولا موسيقاها عن دلالتها، ولا جمالها عن أثرها في
النفس.
وفي كتابه
«المعجزة الكبرى: القرآن»، يقدم أبو زهرة قراءة بلاغية تجمع بين ذوق الأديب، ودقة
العالم، وإيمان المفسر بأن القرآن معجز في كل ناحية من نواحي بيانه. وهو لا يكتفي
بوصف جمال التعبير، بل يحاول الكشف عن مصادر هذا الجمال: كيف اختيرت الكلمة؟ وكيف
تآخت الحروف؟ وكيف انتظم الأسلوب؟ وكيف تحولت المعاني المجردة إلى صور حية تتحرك
أمام القارئ؟
الإعجاز البلاغي.. حقيقة أدركها العرب
ينطلق أبو زهرة
من حقيقة تاريخية ذات دلالة بلاغية، وهي أن العرب الذين نزل القرآن في بيئتهم
كانوا أقدر الناس على إدراك ما في كلامه من تفوق؛ لأنهم أهل الفصاحة والبيان،
يعرفون دقائق القول ومراتب البلاغة، ويميزون بين الجيد والرديء بفطرتهم اللغوية
ومرانهم الطويل.
ولذلك كان
إعجابهم بالقرآن -حتى وهم يعارضون دعوة النبي صلى الله عليه وسلم- شهادة صادرة عن
خبرة، لا عن جهل بأساليب العربية. وقد لاحظوا في كلامه قوة لا تشبه الشعر ولا
النثر المألوف ولا سجع الكهان. ولم يكن تأثيره راجعًا إلى غرابة ألفاظه؛ فألفاظه
عربية يعرفونها، وإنما كان السر في طريقة نظمها، وفي العلاقات التي تنشأ بينها حين
تدخل في التركيب القرآني.
ويقرر أبو زهرة
أن وجوه الإعجاز لا تنحصر في جانب واحد، بل تبدأ من الحرف وتمتد إلى الكلمة
والجملة والصورة والمعنى. يقول: «إن كل شيء في القرآن معجز من حيث قوة الموسيقى في
حروفه، وتآخيها في كلماته، وتلاقي الكلمات في عباراته، ونظمه المحكم في رنينه، وما
وصل إليه من تأليف بين الكلمات، وكون كل كلمة لفقا مع أختها، وكأنما نسيج كل واحدة
قطعة منه تكمل صورته وتوحد غايته...» (ص 99).
وهذه العبارة
تكشف الأساس الذي يقوم عليه فكره البلاغي؛ فالإعجاز عنده بناء متدرج متماسك: حروف
تتآخى، وكلمات تتلاقى، وعبارات تنتظم، ثم تتولد من ذلك كله موسيقى لا تنفصل عن
المعنى، بل تسهم في إبرازه وإيصاله إلى القلب.
ألفاظ القرآن.. جمال مستقل ودقة في الاختيار
يخص أبو زهرة
ألفاظ القرآن وحروفه بمساحة واسعة؛ لأنه يرى أن الكلمة هي اللبنة الأولى في بناء
الأسلوب. غير أن جمال اللفظة القرآنية لا يقوم على خفتها في السمع وحدها، ولا على
فصاحتها مفردة، وإنما يتجلى كذلك في ملاءمتها للسياق، وائتلافها مع ما قبلها وما
بعدها، ودقتها في أداء المعنى.
ومن هنا يستشهد
بقول عبد القاهر الجرجاني: «ينبغي أن يُنظر إلى الكلمة قبل دخولها في التأليف،
وقبل أن تصير إلى الصورة التي بها يكون الكلم إخبارا وأمرا ونهيا...» (ص 102).
فالكلمة قد تكون فصيحة في ذاتها، لكنها لا تبلغ غاية البيان حتى توضع في مكانها
الذي لا تسد غيرها مسدها.
وتقوم نظرة أبي
زهرة إلى اللفظ القرآني على الجمع بين ثلاثة أبعاد: جرس الكلمة، ودقة معناها،
وموقعها في النظم. ولذلك لا يصح أن يُنظر إلى ألفاظ القرآن منفصلةً عن السياق؛ إذ
تكتسب الكلمة تمام قوتها حين تدخل في شبكة من العلاقات الصوتية والدلالية.
ويرى أن قارئ
القرآن يجد في ألفاظه انسجامًا ييسر النطق، ويجذب السمع، ويعين على الحفظ، من غير
أن تتحول العناية بالموسيقى إلى زخرف لفظي فارغ. فالصوت في القرآن يؤدي وظيفة
دلالية ونفسية؛ قد يوحي بالشدة أو اللين، وبالسرعة أو البطء، وبالطمأنينة أو
الاضطراب، بحسب المقام الذي ترد فيه الآية.
ولا يعني ذلك أن
القرآن يتحاشى الحروف القوية أو الألفاظ التي تبدو ثقيلة منفردة؛ فقد تأتي الكلمة
قوية الجرس لأن المقام يستدعي القوة، لكنها حين تنتظم مع سائر الكلمات تفقد ما قد
يكون فيها من ثقل، وتصبح جزءًا من إيقاع يناسب المعنى. وهذا من أدق ملامح فكر أبي
زهرة؛ فالفصاحة ليست نعومة صوتية مطلقة، وإنما هي موافقة الصوت للمعنى والمقام.
بلاغة القرآن في وحدة الأسلوب والمعنى
ينتقل أبو زهرة
من دراسة اللفظ المفرد إلى دراسة الأسلوب القرآني، مؤكدًا أن الفصل بين الألفاظ
والأسلوب فصل تعليمي فحسب؛ لأن الكلمة لا تظهر قيمتها البلاغية الكاملة إلا وهي
جزء من التركيب.
ويقول: «إن
كلمات القرآن لها في تناسق حروفها، وتلاقي مخارجها إشراق بلاغي، ولكن لا ينكشف ذلك
الإشراق إلا بالتضام؛ أي أن الإشراق ذاتي وهو الأصل، ولكن شرط ظهوره تضام الكلمة
مع غيرها» (ص 131). فالإشراق البلاغي ليس صفة منعزلة في مفردات متجاورة، بل ثمرة
التأليف بين هذه المفردات، وطريقة ترتيبها، وما ينشأ عن هذا الترتيب من معانٍ
وظلال.
ويقوم الأسلوب
القرآني -في تصور أبي زهرة- على الإحكام؛ فلا لفظ زائد يمكن الاستغناء عنه، ولا
كلمة يمكن نقلها من موضعها من غير أن يختل شيء من جمال التعبير أو دقته. وقد تبدو
اللفظة مألوفة شائعة، لكن القرآن يضعها في تركيب يكشف فيها طاقة تعبيرية جديدة؛
فالإعجاز ليس في ابتكار قاموس غريب، وإنما في القدرة على بناء أعلى مراتب البيان
من مادة لغوية يعرفها العرب ويتداولونها.
ولهذا يقرر في
ختام مناقشته أن «في القرآن من جمال الألفاظ ورونق الأسلوب خاصةً لا يصل إليها أحد
في الألفاظ والأسلوب والمعاني» (ص 162). إن الخصوصية القرآنية لا تكمن في عنصر
مفرد، بل في اجتماع جمال اللفظ، وروعة الأسلوب، وسمو المعنى في بناء لا ينفصل بعضه
عن بعض.
التصوير القرآني.. المعنى يتحول إلى مشهد
لا تقف بلاغة
القرآن عند حدود اللفظ والنظم، بل تتجلى كذلك في قدرته على تصوير النفوس والأحداث
والحالات الإنسانية؛ فحين يتناول أبو زهرة قصة فرعون -على سبيل المثال- لا يقرؤها
بوصفها سردًا تاريخيًّا مجردًا، وإنما يقف أمام الطريقة التي يصور بها القرآن
نفسًا طاغيةً استكبرت واستعلت، ثم واجهت لحظة العجز والانهيار.
وفي حديثه عن
«النفس الفرعونية» يبين أن الآيات لا تقدم وصفًا خارجيًّا للطاغية فقط، بل تكشف ما
يعتمل في داخله من غرور واستعلاء وخوف. يقول عن هذا التصوير: «ولا شك أن نسق
الآيات متماسك بخيوط دقيقة غير قابلة لأن تنقطع وهي واضحة في تصوير الحاكم الفاسد
كيف يعلو في الأرض، وكيف يتحكم» (ص 152).
وهنا تتحول
البلاغة إلى أداة للكشف النفسي والاجتماعي؛ فالقرآن لا يخبرنا بأن فرعون كان
مستبدًّا فحسب، بل يجعلنا نرى الاستبداد في منطقه وتصرفاته وتقسيمه الناس شيعًا
واستضعافه طائفة منهم. وبذلك يتجاوز التصوير زمان القصة ومكانها، ليقدم نموذجًا
متكررًا للطغيان البشري.
وتظهر عناية أبي
زهرة بوحدة الصورة حين يربط بين ترتيب الآيات وتتابع المشاهد ونمو الحدث. فكل جزء
يمهد لما بعده، وكل عبارة تضيف ملمحًا جديدًا إلى الشخصية أو الموقف، حتى تكتمل
الصورة في النفس. وهكذا لا يكون القصص القرآني حكاية للتسلية، وإنما بيانًا مؤثرًا
يحمل العبرة من خلال المشهد والحركة والحوار.
البلاغة التي تهدي العقل وتحرك القلب
تكشف قراءة أبي
زهرة أن بلاغة القرآن لا تُطلب لذاتها، ولا ينتهي دورها عند إمتاع الأذن وإدهاش
الذوق؛ فهي بلاغة هداية وإقناع وتأثير، جمالها موصول بحكمتها، وموسيقاها خادمة
لمعانيها، وصورها طريق إلى ترسيخ الحقائق في العقل والقلب.
ولهذا يرفض أبو
زهرة اختزال الإعجاز البياني في لون واحد من ألوان البلاغة؛ لأنه كامن في اختيار
الحرف، ودقة اللفظ، وتآلف الكلمات، وإحكام الأسلوب، وتناسق الفواصل، وحيوية
الصورة، وقوة الحجة، ومطابقة التعبير لمقتضى الحال. فإذا اجتمعت هذه العناصر نشأ
ذلك البيان الذي سمعه العرب فعرفوا تفوقه، وإن جحده بعضهم استكبارًا.
وبهذا يقدم
الشيخ محمد أبو زهرة قراءة حية لبلاغة القرآن؛ قراءة لا تحبس النص في المصطلحات،
بل تنفذ إلى سر تأثيره. فالقرآن -كما يبدو في فكره البلاغي- ليس ألفاظًا جميلة
تحمل معاني عظيمة فحسب، وإنما هو بناء معجز تتحد فيه الكلمة والمعنى والصوت
والصورة، حتى يصبح البيان نفسه طريقًا إلى الإيمان.
التعليقات (0)
لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلق!
اترك تعليقاً