بيان تأسيسي لسردية درامية وآلة أيديولوجية لشرعنة «الهولوكوست»

رسم تعبيري فني يصور تروساً ميكانيكية وكتباً متناثرة تعبر عن الآلة الأيديولوجية

«أيها الناس، إنه لا بأس بأمر الله، كتاب وقدر، وملحمة كتبها الله على بني إسرائيل»، المقولة المنسوبة إلى حيي بن أخطب، زعيم بني النضير، وهو يُقدَّم للقتل بعد غزوة بني قريظة، ليست مجرد اعتراف أخير بهزيمة عسكرية، إنها في جوهرها بيان تأسيسي لسردية درامية تختزل تاريخًا طويلًا في عبارة واحدة: «كتاب وقدر وملحمة كتبها الله على بني إسرائيل».

بهذه الكلمات، لا يعترف حيي بذنب سياسي أو عسكري، بل يحوّل الهزيمة إلى قَدَر مكتوب، والصراع إلى ملحمة، والمسؤولية عن المصير إلى مشيئة إلهية سابقة.

هذه اللحظة، التي تبدو عابرة في كتب السيرة، تكشف البنية العميقة لـ«الخط الدرامي» الذي أحاط بني إسرائيل عبر التاريخ، وجوهر «طور المظلومية» الذي لم يفارقهم، والذي بلغ ذروته في القرن العشرين بمزاعم «الهولوكوست».

الخط الدرامي.. من الخروج إلى الماسادا

يمكن فهم «الخط الدرامي» الذي يعيشه بنو إسرائيل بوصفه حَبكةً روائية تتكرر فصولها منذ فجر التاريخ، تبدأ الحبكة بنقطة تحول كبرى؛ الخروج من مصر، فحسب السرد التوراتي، كان بنو إسرائيل شعبًا مستعبدًا، ثم اختارهم الله وأخرجهم بمعجزة، ليعبروا التيه إلى أرض الميعاد.

هذه اللحظة التأسيسية تغرس في الوجدان الجماعي فكرة أن المعاناة ليست عقوبة، وإنما جزء من اختيار إلهي، وأن الضعف والاستضعاف هما مقدمة حتمية للخلاص والتمكين.

غير أن هذا الخط لا يستقر على حال، فبعد عصر القضاة والملوك، ينتقل السرد إلى سلسلة من الكوارث؛ انقسام المملكة، والسبي الآشوري، ثم السبي البابلي.

وهنا تظهر آلية دفاعية بالغة الأهمية؛ تفسير الهزيمة والدمار لا بوصفها نتيجة أفعال سياسية أو عسكرية، بل بوصفها عقوبة ربانية على المعصية، أو ابتلاء لقوم مختارين، أو مؤامرة من الأغيار، وبهذا التفسير، يُفرَّغ التاريخ من أسبابه المادية، ويُحوَّل إلى مسرح لصراع كوني بين «شعب الله» وقوى الشر.

تتويج هذا الخط الدرامي هو عقدة «الماسادا»، ففي سنة 73م، وبعد حصار الرومان لمجموعة من اليهود في قلعة الماسادا، فضّلوا الانتحار الجماعي على الاستسلام، ومنذ ذلك الحين، تحوّلت هذه الحادثة إلى رمز أسطوري للبطولة والمقاومة حتى الموت، وأصبحت تُغذّي ما يسميه علماء الاجتماع «متلازمة الماسادا»؛ شعور دائم بأن العالم كله يضمر نوايا عدائية، وأن البقاء لا يتحقق إلا بالانكفاء والاستعداد الدائم للمواجهة.

هنا يتحول الخط الدرامي من سردية تاريخية إلى بنية نفسية وجمعية تُعاد إنتاجها عبر الأجيال، وتجعل من كل هزيمة جديدة فصلاً مكررًا من فصول الملحمة نفسها.

طور المظلومية.. الضحية التي تمارس الظلم

المفارقة الكبرى في هذه السردية أن المظلومية لم تظل حالة سلبية تُعاش، بل تحولت إلى أيديولوجيا فاعلة تُوظَّف، فيصف الكاتب العربي هذه الظاهرة بـ«المظلومية الظالمة»؛ حيث يرفع الظالم الجديد شعار المظلومية لا لإنصاف المظلوم الأصلي، بل ليحل محل الظالم السابق ويمارس الظلم ذاته.

فبعد أن كان بنو إسرائيل يُصوَّرون كضحايا فرعون، ثم كضحايا الرومان، ثم كضحايا الاضطهاد في أوروبا، تحوّلت رواية الضحية إلى غطاء أخلاقي لمشروع سياسي استيطاني.

علماء الاجتماع يسمون هذه الحالة «الصدمة المختارة»؛ أي قيام جماعة كبرى بتبنّي رواية الضحية والمظلومية، واختيار صدمة تاريخية معينة، ثم إعادة إنتاجها في الذاكرة الجماعية لتبرير ممارسات معاصرة، والصدمة المختارة ليست مجرد ذكرى، وإنما هي وقود دائم للانتقام والتحشيد.

وهكذا نجد أن الخط الدرامي نفسه الذي بدأ بالخروج من العبودية، انتهى إلى إنتاج عبودية جديدة لشعب آخر؛ الفلسطينيين.

المظلومية، في هذا الطور، لم تعد تعبيرًا عن ألم حقيقي، بل أصبحت آلة أيديولوجية تُنتج الشرعية، وتُصادر التعاطف، وتُخرِس صوت الضحايا الجدد.

«الهولوكوست».. ذروة السردية والصناعة المزدهرة

إذا كانت «الماسادا» النموذج القديم للصدمة المختارة، فإن «الهولوكوست» نموذجها الحديث والمعاصر، بل هو ذروتها المطلقة.

فمزاعم الإبادة النازية لليهود، بغض النظر عن حجم المأساة الإنسانية فيها، قد تم تحويلها من حدث تاريخي إلى سلاح أيديولوجي في يد الحركة الصهيونية.

ويرى نورمان فينكلشتاين، وهو نفسه ابن لضحايا «الهولوكوست»، أن «الهولوكوست» أصبح صناعة مزدهرة تُدرّ على «إسرائيل» أموالاً طائلة ودعمًا غير محدود، وأنه يُوظَّف لابتزاز دول العالم الغربي، ويصفه بأنه «سلاح أيديولوجي» تستخدمه «إسرائيل» لاستباق أي انتقاد لسياساتها، ولإضفاء شرعية أخلاقية على ممارساتها.

هنا تتجلى المفارقة في أقصى صورها، فبينما يُقدَّم «الهولوكوست» كحدث فريد لا نظير له، تُستخدم فرادته نفسها لتهميش مذابح أخرى، ولرفض التعويضات للفلسطينيين، بل ولتبرير ما يحدث لهم.

وكما يقول فينكلشتاين: أكثر ما يجعلني أتقزز استغلال معاناة آبائي في «الهولوكوست» لأبرر التعذيب والوحشية وهدم المنازل الذي ترتكبه «إسرائيل» بشكل يومي بحق الفلسطينيين.

وهكذا يتحول الحدث الذي يُفترض أنه يستدعي التعاطف الإنساني إلى رخصة للعنف، ويصبح الضحية الأبدية جلادًا أبديًا.

الملحمة التي لا تنتهي

تعود بنا مقولة حيي بن أخطب إلى سؤال جوهري: لماذا يصرّ الخطاب «الإسرائيلي»، منذ فجر التاريخ وحتى اليوم، على تقديم كل هزيمة وكأنها فصل جديد في ملحمة أزلية، لا مجرد نتيجة لأفعال بشرية؟ الجواب يكمن في وظيفة هذه السردية، فهي تُعفي الجماعة من المسؤولية التاريخية، وتُحوّل الأخطاء السياسية إلى قدر محتوم، وتجعل من كل انتقاد لسلوكها اضطهادًا جديدًا يُضاف إلى سجل طويل من الاضطهاد.

المظلومية، في هذا الطور، ليست حالة تُشكى، بل هوية تُلبَس، ورأسمال رمادي يُستثمر، و«الهولوكوست»، في هذا السياق، ليس مجرد ذكرى، بل صناعة، وسلاح، وغطاء.

إن الخط الدرامي لبني إسرائيل، كما كشفته كلمات حيي قبل قرون، لم يتوقف عند لحظة الهزيمة؛ بل استمر ليكتب فصولًا جديدة، ليس على صفحات التاريخ فحسب، بل على أرض فلسطين ووجوه أهلها، والملحمة التي «كُتبت» على بني إسرائيل، كما قال حيي، هي في الحقيقة ملحمة يُعاد كتابتها كل يوم، بدماء الآخرين.

الرابط المختصر :

اترك تعليقاً

التعليقات (1)

د صفاء الدوري
منذ 6 أيام

بارك الله فيك دكتور طارق اجدت واجتهدت ، وتوغلت في همق الحقيقة حيث تم توظيف الهزيمة ليس الى نصر فحسب بل الى منحى ثاني من اجل بلوغ العدو ذروة مابلغ منه الان اعتماداً على تاريخ قد كان حقيقة تشير الى ان هذا الشعب ليش مختارا. بل كان شعباً قد اغضب الله وسلط الله من لا يرحم فجعلهم شعباً سبي وتشتت وقد كسرت شوكتهم لكن دهاء من يريد ان يصل الى هدف اسرائيل الكبرى حول هذا الحدث الى تفهيم المقابل بأن ماحصل هو جزء من عظيم اختيار الله …… د.صفاء الدوري العراق/ تكريت 2026/10/21


تابعنا

الرئيسية

مرئيات

جميع الأعداد

ملفات خاصة

مدونة