لغز الاستمرار.. كيف تُدار الحرب من أروقة المحاكم وشركات السلاح «الإسرائيلية»؟
ماذا لو لم يكن
استمرار الحرب مرتبطًا فقط بالمعركة الميدانية على الأرض، بل بمعركة أشد ضراوة
تدور داخل أروقة السياسة، وقاعات المحاكم، وكواليس شركات السلاح؟ وماذا لو أصبح
استمرار نزيف الدماء بالنسبة إلى بعض الأطراف وسيلة أخيره للبقاء في السلطة، وأداة
حيوية لتسويق تكنولوجيا عسكرية جديدة للعالم؟
هنا نضع النقاط
على الحروف لنكشف حقيقة الجيش الأكثر إجرامًا في العالم!
ففي الوقت الذي
تبدي فيه حركة «حماس» مرونة سياسية وتوافقاً على تسليم السلاح وورش التصنيع الخاصة
به مقابل الانخراط في العمل السياسي، يبرز دور بنيامين نتنياهو في المماطلة
والتهرب من استكمال الاتفاق، وخرق وقف إطلاق النار تحت ذريعة مقترحة وهي تهديد
الأمن «الإسرائيلي».
ولكن ثمة حقيقة
جوهرية لا يجب إغفالها؛ فمع اقتراب انتخابات رئاسة الوزراء داخل كيان الاحتلال،
يتضح حل اللغز السياسي.
ونحن هنا نطرح
مجموعة من الأسئلة المفصلية ونجيب عنها لنفكك أبعاد المشهد: لماذا يتهرب نتنياهو
من استكمال مسار اتفاقية السلام وإعادة الإعمار؟
يتهرب نتنياهو
لأنه وقع في فخ التجديد السياسي وأصبح محاصراً بين نارين:
الأولى: إتمام
الاتفاقية، وهو ما يهدد بانهيار ائتلافه وخسارة كتلة ضخمة من الأصوات الانتخابية،
الأمر الذي سيعجل بعزله من منصبه السياسي.
وتلقائيًا،
سيعريه ذلك أمام قضايا الفساد في المحاكم «الإسرائيلية»، حيث ستسقط عنه حجة الوضع
الأمني الحرِج التي يواظب على استخدامها للهروب من جلسات المحاكمة.
الثانية:
الاستمرار في التهرب وخرق الاتفاقيات، ليضمن بذلك كسب أصوات الناخبين اليمينيين
والاستمرار في سدة الحكم كريس للوزراء، مع إبقاء الوضع القائم على ما هو عليه.
لماذا من مصلحة «إسرائيل»
الاستمرار في حروب مفتوحة على جبهات متعددة؟
لأن الإستراتيجية
العسكرية والتسويقية لـ«إسرائيل» تقتضي وجود جبهات مشتعلة تتيح لها الترويج لنظام «غوسبل»
(الصياد) حياً أمام المشتري الدولي.
ما نظام «غوسبل»؟
ولماذا تريد «إسرائيل» استمرار الحرب لتسويقه؟
نظام «الصياد» (The Hunter / Gospel) هو نظام قيادة وسيطرة رقمي يعتمد على تقنيات الذكاء الاصطناعي
وتحليل البيانات الضخمة (Big
Data)، ويُستخدم
من قبل جيش الاحتلال لتسريع عمليات رصد وتحديد الأهداف العسكرية.
خصائص وأداء نظام «الصياد»
معدل الرصد:
قدرة فائقة على رصد نحو 1000 هدف محتمل يوميًا.
حجم الأهداف:
تشير المعطيات إلى معالجة ورصد نحو 850 ألف هدف محتمل في غزة ولبنان خلال فترة
العمليات المكثفة.
مدة اتخاذ
القرار: وفقًا للتقارير الموثقة، تمنح المنظومة القيادة العسكرية نحو 20 ثانية فقط
للتأكيد على ما إذا كانت الأهداف التي تم رصدها أهدافًا صحيحة أم لا، مع الإشارة
إلى أن معدل الأهداف اليومية يتخطى حاجز الـ100 هدف.
الانتقادات والتحذيرات الدولية
تقليص الرقابة
البشرية: يحذر خبراء حقوقيون ودوليون من خطورة تفويض قرارات الاستهداف إلى أنظمة
رقمية سريعة؛ ما يختزل دور المراجع البشري في ثوانٍ معدودة.
الأخطار
الإنسانية: يثار قلق دولي واسع من تسبب هذه السرعة العالية في وقوع أعداد هائلة من
الضحايا المدنيين نتيجة أخطاء محتملة في البيانات أو التصنيف الآلي للهدف.
لماذا قابل
جاريد كوشنر قادة «حماس» في هذا الوقت بالذات؟
يرتبط هذا
التحرك بالخارطة السياسية الأمريكية؛ حيث تُسهم الضغوط الداخلية المترتبة على
الأزمات الدبلوماسية والاقتصادية في دفع الإدارة الأمريكية للبحث عن إنجاز خارجي
ملموس.
ومع تراجع
الانطباع العام حول الهيبة الأمريكية جراء التوترات في بحر الصين والصراع بين
فيتنام والصين، واضطرابات سوق النفط وأزمة مضيق هرمز الناجمة عن التصعيد مع إيران،
إلى جانب الخسائر في الأرواح في القواعد الأمريكية واستنزاف المخزون الإستراتيجي
من صواريخ «ثاد» و«باتريوت»، أصبحت الحاجة ملحة لإحراز تحول سياسي.
من هنا جاء
اللقاء بوفد «حماس» لبحث شروط الاتفاقية وإمكانية الدخول في المرحلة الثانية
المتعلقة بإعادة إعمار غزة.
الذكاء السياسي لحركة «حماس»
تجلت المناورة
السياسية للحركة في قبول تسليم السلاح وورش التصنيع، مقابل شرطين رئيسين؛ الانخراط
الكامل في العمل السياسي، والرفض القاطع لسيناريو التهجير أو الترحيل من قطاع غزة
كما تخطط سلطات الاحتلال.
رفض شركات السلاح «الإسرائيلية» لإيقاف الحرب
تتعامل «إسرائيل»
مع الجبهات المفتوحة كساحة اختبار واستعراض للقدرات العسكرية والأسلحة الحديثة
لترويجها عالميًا، وعلى رأسها نظام «غوسبل» (الصياد)، وتعتمد السياسة التسويقية
للمجمع الصناعي العسكري على تقديم النظام بوصفه أداة حاسمة خضعت للتجربة الفعلية
المعقدة في غزة ولبنان، وقادرة على معالجة مئات الآلاف من الأهداف الميدانية
وتوفير السيطرة التامة دون الحاجة إلى التواجد الكثيف للجنود على الأرض.
قد تبدو الحرب
في ظاهرها معركة عسكرية تقليدية، لكنها في العمق أكثر تعقيدًا من ذلك بكثير؛ فهي
مسار تتقاطع فيه الانتخابات، والمحاكمات، وحسابات البقاء في السلطة، بالتوازي مع
صناعة سلاح عابرة للحدود تسعى لإثبات كفاءة تقنياتها الرقمية.
وبين هذا وذاك،
يظل السؤال الأهم يعرض نفسه: هل تستمر الحرب لأن تحقيق السلام أصبح مستحيلًا، أم
لأن استمرارها أضحى يخدم شبكة من المصالح السياسية والعسكرية والاقتصادية لأطراف
متعددة؟
إذا كان إنهاء
الحرب يعني فتح أبواب المحاسبة القضائية أمام نتنياهو، وإذا كان استمرارها يعني
مواصلة اختبار وتسويق منظومات الذكاء الاصطناعي العسكرية، وإذا كانت هناك حسابات
دولية مرتبطة بالشرعية والإنجاز السياسي، فإن المشهد يتجاوز حدوده الميدانية.
التعليقات (0)
لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلق!
اترك تعليقاً