بين صلة الرحم وحقوق البيت.. من أُرضي؟!
أستاذي الفاضل د،
يحيى. السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، أكتب إليكم، وقد تشتتت أفكاري وتبعثرت
جهودي وتضاربت قيمي، ولم أعد أُرضي أحداً رغم حرصي على إرضاء الجميع!
أنا سيدة
متزوجة، أنعم الله عليَّ بزوج طيب يملك شركة تجارة دولية، والحمد لله نعيش في وفرة
من نِعَم الله، لدينا 5 أولاد؛ بعضهم تخرج في الجامعة، والآخر ما زال في مراحل
التعليم المختلفة، ونظراً لارتباط عمل زوجي فقد عشنا معظم حياتنا خارج الأردن،
واستقر بنا المقام أخيراً بإحدى الدول.
لديَّ أخ وأخت
وحيدة أصيبت بالسرطان وحالتها متأخرة، لديها ابنتان في الثلاثينيات؛ إحداهما
مهندسة ولديها مكتبها الخاص، والأخرى موظفة، ولم تتزوجا بعد، وزوج تأثر سلباً
بحالة زوجته.
أما عن الأخ أو
ابتلائي بمعنى أدق، فقد عملنا له توكيلات أنا وأختي لمباشرة نقل ميراثنا من
والدنا، فخان الأمانة وأكل حقنا، كان زوجي قد أهداني عقاراً وتم تحويله باسمي،
ففوجئنا بأن آخرين يديرون العقار، وقالوا: إنهم اشتروه من أخي بناء على التوكيل
الذي معه! أخي هذا عليه عدة أحكام قضائية مالية، وقد هرب خارج البلاد بعد طلاق
زوجته، حاول زوجي جاهداً التواصل مع أخي لمعرفة حقيقة ما حدث بالعقار حتى نستطيع
التصرف القانوني المناسب، ولكنه لا يستجيب.
نظراً لتدهور
حالة أختي، وأمي المسنة، وهناك سبب آخر وهو أن أصغر الأبناء يعاني من التحدث
بالعربية، وكذلك أن ينقل زوجي بعض نشاطه للأردن، فنحن نقيم حالياً بالأردن، وتركنا
بنتين بألمانيا وابناً يدرس بلندن!
أنا ضائعة بين
الجميع، الكل يطالب بحقه فيَّ: أمي تطلب ملازمتي لها، وأنها لا ترتاح إلا وأنا
بجانبها، وذكرني فضل الأم بإشعاري بالتقصير نحوها!
أختي، وحالتها
سيئة، وحالتها النفسية منهارة، وتحتاج دعمي، وأنا أختها الوحيدة، أقرأ في عينها
نظرات التوسل أن أظل بجانبها، وتوصيني دائماً بابنتيها!
أسرة أختي، ابنتاها
وزوجها منهارون لما وصلت إليه حالة أختي، فهم في اضطراب ويستشيرونني في إدارة
شؤونهم.
أخي الوحيد
المكلوم قلبه على أمه وأخته ولا يستطيع برهما، يحتاج مني دعمه، خاصة بعد طلاقه
وحرمانه من أولاده، وقد يبكي لعدم قدرته على بر أمي، وأن يكون بجانب أخته في
أيامها الأخيرة، فينفطر قلبي عليه! يومياً يتصل، وقد يمتد الحديث بالساعات
للاطمئنان علينا، ويظل يوصيني بأمي وأختي وابنتيها، وأنني بديلة أمهما، ورعاية
زوجها في محنته بمرض زوجته.
زوجي، جزاه الله
خيراً، يدعم أهلي مالياً، ولكنه للأسف لا يقدّر معاناتي وحقوق صلة رحمي ويتهمني
بالتقصير في حقه وحق أولادنا! وخاصة أن ابنتينا دائماً على شجار ونفسياً غير
متوافقين رغم عيشتهما قي بيت واحد!
هل من سبيل
لإرضاء الجميع؟
الحل
بداية، نحن لا
نسعى لإرضاء العباد، إن رضاء العباد غاية مستحيلة، نحن نحرص على رضا الله في
العباد، وطبيعة البشر الاستحواذ، وكلنا نقع تحت ضغوط الوفاء بحق العلاقات التي
تربطنا بالآخرين.
من طبيعة البشر الاستحواذ وكلنا نقع تحت
ضغوط الوفاء بحق العلاقات التي تربطنا بالآخرين
إن إقرار النبي
صلى الله عليه وسلم لوصية سلمان الفارسي لأبي الدرداء: «فاعط كل ذي حق حقه»، تعتبر
معياراً مهماً في الوفاء بالحقوق التي علينا، دون إفراط أو تفريط، وعدم الخضوع لأي
ابتزاز ديني أو عاطفي، فلا يجوز تحت ذريعة بر الوالدين أن يبتزني دينياً أحد
الوالدين فأجور على حق أولادي وفاء لحق والديّ ببرهما، أو أن يبتزني زوجي عاطفياً،
فأجور على حق صلة رحمي وفاءً للحقوق الزوجية.
الموازنة بين الفروض
يجب عليك
الموازنة بين أدائك للحقوق التي فرضها الله عليك دون إفراط أو تفريط، مع ترجيح
الأولويات بناء على من هو في احتياج ملحّ، والآثار السلبية لعدم الوفاء.
حق الأم:
الرعاية النفسية هي الأهم، أما الرعاية الطبية والمعيشية، فيمكن إسنادها لآخرين
بالأجر، فمن الطبيعي أن أمك تسعد بالحديث معك وتريدك معها كل وقتها، ولكن اعلمي أنها
قد فقدت تقدير قيمة وقتك وأهميته، بل خطورة الالتزامات التي في عنقك تجاه زوجك
وأولادك! وإنها بكل حبها لك لا تعي أنها تبتزك دينياً ووجدانياً لتفيضي عليها من
حبك وحنانك على حساب التزاماتك كزوجة وأُم! وعليه؛ بكل حب وود وتذلل اعتذري لأدائك
باقي الحقوق المنوطة برقبتك.
حق أختك
أختك مسؤولية ابنتيها
وزوجها، فرضاً عليهم قبلك، ورعايتها كاملة نفسياً ومعيشياً، ودورك شرعاً لست
مطالبة برعايتها مادياً، لأنك لا تملكين مالاً، هذا فضل من زوجك دعم صلة رحمك
بأختك بدعهما مالياً، ويبقى عليك الدعم النفسي لأختك والدعاء لها، والاطمئنان على ابنتي
أختك كلما تيسر لك ذلك، ولا معنى لتواصلك المباشر مع زوج أختك، مهما كانت معاناته
من مرض زوجته فابنتاه أولى منك بذلك للحرج الشرعي في تواصلك المباشر معه.
حق أخيك
القاعدة الشرعية
«لا ضرر ولا ضرار»، هذا الأخ وهو ولي أمه وأختيه، وبدلاً من أن يكون الحضن الآمن
إذا ما تعرضت أي منهن لضيم أن يكون مدافعاً عنهن، إذا به يخون الأمانة بعد أن وكّلتنه
لتسوية ميراثكن، ولم يكتف بذلك، بل جار على هبة زوجك لك!
يقول النبي صلى الله عليه وسلم: «انصُرْ أخاك ظالِماً أو مَظلوماً»، فقال رَجُلٌ: يا رَسولَ اللهِ، أنصُرُه إذا كان مَظلوماً، أفَرَأيتَ إذا كان ظالِماً، كيفَ أنصُرُه؟ قال: «تَحجُزُه -أو تَمنَعُه- مِنَ الظُّلمِ؛ فإنَّ ذلك نَصرُه»؛ لذا، فهذا الأخ لا يستحق وداً، بل من نُصْرتك له مواجهته بجرائمه من خيانة الأمانة وقطيعة الرحم، وحتى تَصلي رحمك معه الذي قطعها، فقط اتصال أسبوعي دقائق معدودة، وتأمرينه بالتواصل مع زوجك لمعرفة الوضع القانوني في محاولة استرجاع حق زوجك وأولادك.
عليك الموازنة بين أدائك للحقوق التي
فرضها الله عليكِ دون إفراط أو تفريط مع ترجيح الأولويات
هذا الأخ يبتزك
دينياً تحت ذريعة صلة الرحم بعد أن ابتزكم جميعاً مالياً، وودك له يعتبر دعماً له
في غيّه وظلمه لنفسه أولاً، ثم لك، وتشجيعاً له على استمراء أكل حقوق الآخرين!
كما أنك بعدم
مواجهتك له لاسترجاع على الأقل حق زوجك وأولادك فأنت تظلمينهم جميعاً، بالإضافة
لظلمك لنفسك أولاً، وكذلك ظلمك لأخيك؛ لأن ودك له رسالة ضمنية بالاستمرار في غيّه.
حق زوجك وأولادك
إن الحقوق
الزوجية كثيرة، ومن ذلك أن يصبر الزوج على زوجه في ظروف طارئة ويعذره، بل ويدعمه،
ولكن لا يمكن أن يكون ذلك دون مدى زمني مؤقت، فإن حالة أمك وأختك حالة ليست مؤقتة
يمكن خلال أسبوع أو شهر تنتهي، فالله العليم بهما؛ لذا، فلا بد من ترتيب أولويات أداء
كل الحقوق على المدى البعيد، حتى لا يطغى حق على آخر؛ لذا تأتي أولوية الوفاء بحق
الزوج والأولاد، ليس بالضرورة بالصورة المثلى، ولكن بالقدر المناسب الذي لا يسبب
ضرراً عليهم.
إن التقصير في
رعاية الأولاد يترك آثاراً سلبية مستمرة، والتربية رعاية يومية مستمرة كذلك، خاصة
كما ذكرتِ الخلافات الدائمة بين ابنتيك، التي تحتاج عناية خاصة لمعالجة جذورها،
حتى لا تستفحل وتؤثر سلباً على مستقبل علاقاتهما.
العلاقة الزوجية
العلاقة الزوجية
مثل النبات تحتاج إلى الارتواء الوجداني والعاطفي والحميمي، حتى لا تذبل وتتيبس،
وأنت تحتاجين لعلاقتك بزوجك حتى تستطيعي أن ترعي أمك وأختك نفسياً وتتواصلي معهما؛
لذا الحرص على حسن التواصل مع زوجك بما يشعره أنك تبرين أهلك من حسابه الخاص، خاصة
وأنه، جزاه الله خيراً، يدعمك في علاقتك بهم مادياً.
قد يعذرك زوجك،
وقد تستطيعين تعويضه إذا ما قصرت معه بعض الوقت، لكن أولادك لا يملكون القدرة على
ذلك، وأي تقصير معهم لا يؤثر سلباً على علاقتك التربوية بهم، بل ومن المؤكد أنه
سيؤثر سلباً عليهم.
استعيني بالله
بالدعاء المستمر، وسددي وقاربي، والله المستعان.
التعليقات (0)
لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلق!
اترك تعليقاً