تأهيل المقبلين على الزواج في الكويت.. هل يحمي التشريع الأسرة؟
لم يعد تأهيل
المقبلين على الزواج في الكويت مجرد مبادرة توعوية يمكن للشباب الاستفادة منها قبل
تأسيس أسرهم، فقد أصبح شرطاً قانونياً يسبق توثيق عقد الزواج بموجب المرسوم بقانون
رقم (122) لسنة 2026، المعدّل لبعض أحكام قانون التوثيق رقم (10) لسنة 2020.
وينص التعديل
على ضرورة إتمام طرفي الزواج برنامجاً تأهيلياً، مع تكليف وزير العدل بتحديد منهجه
ومدته ومتطلبات إتمامه والجهة القائمة على تنفيذه، كما يقرر عقوبة تصل إلى الحبس
سنة أو غرامة لا تتجاوز ألف دينار كويتي، أو إحدى العقوبتين، للموثق أو المأذون
الذي يوثق العقد قبل التحقق من إتمام البرنامج، وفقًا لما نشرته «وكالة الأنباء
الكويتية» (كونا).
وكان مجلس
الوزراء الكويتي قد أعلن في 7 أكتوبر الجاري، موافقته على مشروع تعديل قانون التوثيق، الذي يتناول تنظيم مسائل الأحوال الشخصية، بما يشمل الزواج والفرقة
والرجعة، إلى جانب تطوير إجراءات التوثيق الإلكتروني، وتأهيل المقبلين على الزواج.
أسئلة من رحم التعديلات
يأتي التشريع
الجديد في سياق اهتمام رسمي بتطوير إجراءات الأحوال الشخصية وتعزيز حماية الحقوق
الأسرية، وتأهيل المقبلين على الزواج، لكنه يطرح سؤالًا يتجاوز الالتزام القانوني:
هل يكفي تأهيل المقبلين على الزواج وإخضاعهم لبرنامج تأهيلي حتى يصبحوا أكثر قدرة على بناء
حياة مستقرة؟ وما المهارات والمعارف التي ينبغي أن يكتسبوها قبل تحمل مسؤوليات
الحياة المشتركة؟
وتزداد أهمية
النقاش مع وجود مؤشرات رسمية على حجم العمل الذي تتولاه مؤسسات الإرشاد الأسري من
حيث إن إدارة الاستشارات الأسرية بوزارة العدل سجلت 6032 مراجعاً خلال عام 2024،
مقابل 5899 في عام 2023م، بزيادة 133 مراجعاً؛ أي 2.3%، وفقاً للكتاب الإحصائي
لوزارة العدل الكويتية لعام 2024م.
تشريع وقائي
يمثل اشتراط
التأهيل قبل الزواج تحولًا في التعامل مع الاستقرار الأسري، إذ يضع الاستعداد
المعرفي ضمن المتطلبات السابقة على توثيق العقد، بدل تركه بالكامل لاجتهادات
المقبلين على الزواج وخبراتهم الشخصية، ولا تتوقف أهمية الخطوة عند إلزامية
البرنامج، بل تمتد إلى كيفية تصميمه وتنفيذه، ومدى قدرته على الاستجابة للتحديات
الواقعية التي تواجه الأزواج.
وفي تفسير أوسع
لفلسفة التعديلات، أوضح وزير العدل الكويتي ناصر السميط، في تصريحات صحفية، أن
المشروع يتضمن المرور بمركز تسوية المنازعات الأسرية قبل توثيق الطلاق أو الخلع،
لإتاحة فرصة للصلح والمحافظة على تماسك الأسرة، مع مراعاة الاستثناءات القانونية، وأن
التوجه الوقائي يمتد من الاستعداد للزواج إلى محاولة معالجة النزاع قبل توثيق
الطلاق، وهو ما يصب في صالح الأسرة ويتماشى مع التوجه الإسلامي في الحفاظ على
تماسكها.
تجربة «وفاق»
ومن المهم
التأكيد على أن الكويت لا تبدأ في هذا السياق من فراغ، فقد أعلنت وزارة العدل، في
17 يوليو 2023م، تنظيم دورات أسبوعية على مدار العام ضمن برنامج «وفاق» التأهيلي
للمقبلين على الزواج، بإشراف قطاع الأسرة والتحكيم وتنفيذ إدارة الاستشارات
الأسرية، واستهدف البرنامج رفع الوعي بالحقوق الزوجية وتعزيز النظرة الإيجابية إلى
الأسرة.
وفي تصريحات
لصحيفة «الأنباء» وقتها، شرحت إيمان الصالح، مديرة إدارة الاستشارات الأسرية
بوزارة العدل آنذاك، أهداف البرنامج ومحتواه، موضحة أنه تناول الجوانب الشرعية
والقانونية والنفسية والاجتماعية، وسعى إلى تعريف المشاركين بحقوق الزوجين
وواجباتهما والعقبات التي قد تواجههما وسبل التعامل معها.
ومن جانبه، ركز د.
بسام الشطي الذي شارك في تقديم البرنامج، على أهمية توزيع المسؤوليات والمهام بين
الزوجين والاستعداد لتجاوز عقبات الحياة المشتركة، وهي نقطة تتجاوز المعرفة
النظرية بالحقوق إلى كيفية تطبيقها في الحياة اليومية، فنجاح العلاقة لا يعتمد على
معرفة كل طرف بما له وما عليه فحسب، بل يتطلب أيضًا الحوار والتفاهم والتعامل
المسؤول مع اختلاف التوقعات والضغوط.
الشرع يؤيد بشرط
وفي سياق النقاش
العلمي حول إلزامية التأهيل، تناول الباحثان عبدالرحمن إبراهيم الخراز، الأستاذ
المساعد بقسم الفقه المقارن والدراسات الإسلامية في كلية القانون الكويتية
العالمية، وعبدالرحمن محمد البالول، الأستاذ المساعد بقسم المواد العامة في كلية
الكويت التقنية، المسألة في دراسة بعنوان «حكم اشتراط دورة تأهيلية للمقبلين على
الزواج: دراسة فقهية تطبيقية– دولة الكويت أنموذجاً»، نُشرت في مجلة كلية الشريعة
والدراسات الإسلامية بجامعة قطر بالمجلد (44) في العدد الثاني لعام 2026م.
وبحثت الدراسة
الأساس الشرعي لإلزام المقبلين على الزواج بدورة تأهيلية ومقاصدها، وعلاقتها
بأسباب الطلاق في الكويت، مستندة إلى الأدلة الفقهية والدراسات والإحصاءات
والتجارب الميدانية ذات الصلة.
وخلص الباحثان
إلى جواز اشتراط هذه الدورات قبل الزواج من الناحية الشرعية، معتبرين أن تعزيز
الوعي والمعرفة بالأحكام المتعلقة بالعلاقة الزوجية يمكن أن يسهم في دعم الاستقرار
الأسري.
لكن الاستفادة
من هذه النتيجة تقتضي التمييز بين مشروعية الإلزام وفاعلية البرنامج على أرض
الواقع، فإثبات أن الإجراء جائز شرعاً لا يعني تلقائياً أن كل دورة تأهيلية ستؤدي
إلى النتائج نفسها؛ إذ تتوقف الفاعلية على جودة المحتوى، وكفاءة القائمين على
التدريب، ومدى تفاعل المشاركين، وقدرتهم على تطبيق ما تعلموه بعد الزواج، وفقاً
للباحثين.
وتفتح الدراسة
بذلك مجالًا لنقاش يتجاوز جدل الإلزام من عدمه إلى سؤال أكثر اتصالًا بالممارسة:
كيف يمكن تصميم تأهيل يحقق مقاصده، ويستند إلى أدلة علمية، ويستفيد من الخبرة
الكويتية في الإرشاد الأسري؟
قياس الأثر
وتبرز أهمية
التقييم عند النظر إلى تصريحات المسؤولين والمشاركين في تجربة «وفاق»، باعتبارها
الأساس الذي بنيت عليه التعديلات الحالية، ففي تقرير نشرته جريدة «الأنباء»، في 5
يونيو 2023م، أشار د. فهد الضاعن، الوكيل المساعد لشؤون الأسرة والتحكيم بوزارة
العدل آنذاك، إلى أن الحديث بالأرقام عن أثر الدورات في خفض الطلاق سابق لأوانه،
مؤكدًا أهمية رصد استفادة المشاركين وتقييم البرنامج.
وفي تقرير لاحق
نقلت الصحيفة عن د. بسام الشطي تقديراً بأن برامج التأهيل في دول الخليج أسهمت في
خفض الطلاق بنحو 25%، غير أن هذه النسبة لا يصح اعتبارها قياساً مستقلًا لأثر «وفاق»
في الكويت دون الرجوع إلى الدراسة الأصلية التي تستند إليها، ومعرفة منهجيتها
والفترة التي تغطيها.
ويستدعي ذلك أن
يصاحب تطبيقَ القانون الجديد تقييمٌ دوري يميز بين أعداد المشاركين ومدى اكتسابهم
المهارات المطلوبة، والأثر الفعلي على العلاقات الزوجية، فمعدلات الطلاق تتأثر
بعوامل اقتصادية واجتماعية متعددة، ولا يمكن نسبة تغيرها إلى برنامج تأهيلي وحده
دون دراسة منهجية.
وعي مبكر
ولا يقتصر
الاستعداد للحياة الزوجية على دورة تسبق عقد الزواج؛ إذ تناولت د. نورية مشاري
الخرافي، أستاذة علم النفس والإرشاد النفسي بجامعة الكويت، هذه القضية في دراسة
استطلاعية عن آراء طلبة التعليم العالي حول حاجة المقبلين على الزواج إلى الإرشاد
الزواجي، نشرتها «المجلة التربوية» بجامعة الكويت في وقت سابق.
وشملت الدراسة
395 طالبًا وطالبة إلى جانب مقابلات مع 10 من قضاة الأحوال الشخصية واثنين من ضباط
الدعاوى، وأظهرت الحاجة إلى الإرشاد قبل الزواج، واقترحت الخرافي ربط منحة الزواج
باجتياز دورة إرشادية، وإنشاء مراكز للإرشاد قبل الزواج في محافظات الكويت،
واستحداث مقرر إلزامي عن العلاقات الأسرية في المدارس.
ومع أن الدراسة
سبقت برنامج «وفاق» والتشريع الجديد، فإنها تقدم أساساً أكاديمياً يمكن الاستفادة
منه في تطوير منظومة التأهيل لا تقييماً لنتائج القانون الحالي.
وفي النهاية،
فإن التشريع الكويتي الجديد يفتح الباب أمام تطوير مفهوم الاستعداد للزواج، لكن
نجاحه لن يتحدد بمجرد إلزام المقبلين عليه بإتمام برنامج، بل بقدرته على تحويل
التأهيل إلى معرفة ومهارات ودعم مستمر.
وبينما يضع
القانون الإطار التنظيمي، تظل مسؤولية بناء الأسرة المستقرة مشتركة بين المؤسسات
الرسمية والتربوية والاجتماعية؛ والاختبار الحقيقي هو أن يصبح التأهيل بداية لوعي
يمتد إلى الحياة الزوجية، لا إجراء شكليا ينتهي بتوثيق العقد.
التعليقات (0)
لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلق!
اترك تعليقاً