جيل من زجاج.. كيف يبني الإسلام الصلابة في نفوس أبنائنا؟

أب وطفله بملامح زجاجية متكسرة يعبر عن الصلابة النفسية

يلحظ المربّون والآباء في السنوات الأخيرة ظاهرةً لافتة؛ شباب في مقتبل العمر، تتهاوى عزائمُهم أمام أول عقبة، وتنكسر نفوسُهم من كلمة نقد، ويرون في كل تكليفٍ عبئًا لا يُحتمل، وقد شاع لهذه الظاهرة اسمٌ دالّ في الكتابات المعاصرة هو «الهشاشة النفسية».

وليس الغرضُ من إثارة هذا الموضوع جلدَ جيلٍ بأكمله، ولا الحنينَ الساذج إلى ماضٍ نتوهّم أنه كان خاليًا من الضعف، وإنما الغرض أن نفهم كيف تشكّلت هذه الهشاشة، وكيف يمكن أن نبني في نفوس أبنائنا صلابةً راشدة، مستضيئين في ذلك بهدي الوحي.

ملامح الهشاشة وحدود المصطلح

تتجلّى الهشاشة النفسية في جملةٍ من السمات المتكرّرة، منها:

1- ضعف احتمال الإحباط: فالإخفاق في امتحان أو عمل يُفسَّر على أنه نهاية الطريق، لا محطّةً من محطّاته.

2- تضخيم المشاعر: إذ يُعامَل الضيق العابر معاملةَ الكارثة، ويُحسَب كلّ حزنٍ صدمةً تستدعي الانسحاب.

3- الحساسية المفرطة للنقد: فالنصيحة تُتلقّى إساءةً، والتوجيه يُعدّ اعتداءً على الذات.

4- التهرّب من المسؤولية: حيث يُلقى اللوم دائمًا على الظروف والآخرين، ولا يُسأل المرءُ عن نصيبه فيما أصابه.

غير أن الإنصاف يقتضي التنبيه على أمرٍ مهمّ: فالهشاشة شيء، والمرضُ النفسي الحقيقي شيءٌ آخر، فالاكتئاب والقلق المرضيّ وسائر الاضطرابات أمراضٌ لها أسبابها وعلاجها عند المختصّين، وليس من الدين ولا من العقل أن تُعيَّر بها النفوس أو تُردّ إلى ضعف الإيمان، والحديث هنا إنما هو عن نمطٍ تربويّ وثقافيّ في التلقّي والاستجابة، لا عن حالاتٍ تستدعي العلاج.

جذورُ الأزمة

لا تنشأ الهشاشة من فراغ، بل تتضافر على صناعتها عواملُ تربوية وثقافية، أبرزها:

1- التربية الحمائية المفرطة: فبعضُ الآباء، بدافع الحبّ، يُزيحون عن طريق الأبناء كلّ عقبة، فيكبر الناشئ ولم يُجرّب قطّ أن يواجه مشكلةً بنفسه.

2- ثقافة الاستهلاك والإشباع الفوري: فكلّ رغبةٍ تُلبّى بضغطة زرّ، فيضعف في النفس خُلُقُ الصبر والانتظار.

3- الخطاب الذي يقدّس الذات: إذ تُروّج ثقافةٌ شائعة لفكرة أن مشاعر الفرد هي المعيار الأعلى، وأن كلّ ما يُزعجه ينبغي أن يُزال من طريقه.

4- وسائل التواصل: التي تُغذّي المقارنة الدائمة بصورٍ منتقاة لحياة الآخرين، فيستقلّ الشابّ ما عنده ويستعظم ما فاته.

5- غياب المعنى: وهو أعمق الأسباب؛ فمن لم يعرف لماذا يعيش، ثقلت عليه أعباءُ الحياة، وتضاءلت في عينه قيمة الصبر عليها.

المنهجُ القرآنيّ في بناء الصلابة

يبدأ القرآن ببناء تصوّرٍ واقعيّ عن الحياة، فيقرّر أن المشقّة من طبيعتها: (لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنسَانَ فِي كَبَدٍ) (البلد: 4)، ومن استقرّ في نفسه هذا المعنى لم يُفاجَأ بالشدائد، ولم يحسبها ظلمًا استُثني به من بين الناس.

ثم يجعل الابتلاءَ سُنّةً مقصودة لها غاية: (وَلَنَبْلُوَنَّكُم بِشَيْءٍ مِّنَ الْخَوْفِ وَالْجُوعِ وَنَقْصٍ مِّنَ الْأَمْوَالِ وَالْأَنفُسِ وَالثَّمَرَاتِ ۗ وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ) (البقرة: 155)، فالمحنة في هذا المنظور ليست عبثًا، بل ميدانٌ تُصقَل فيه النفوس، ويطمئن المؤمنُ إلى أن التكليف على قدر الطاقة: (لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا) (البقرة: 286)، وإلى أن الفرج ملازمٌ للشدّة: (فَإِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْراً {5} إِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْراً) (الشرح).

ويضع القرآن ميزانًا عاطفيًّا متوازنًا يقي من الانهيار ومن البطر معًا: (لِّكَيْلَا تَأْسَوْا عَلَىٰ مَا فَاتَكُمْ وَلَا تَفْرَحُوا بِمَا آتَاكُمْ) (الحديد: 23)، وتجمع السنّة هذا المعنى في قوله صلى الله عليه وسلم: «عَجَبًا لأَمْرِ الْمُؤْمِنِ، إِنَّ أَمْرَهُ كُلَّهُ خَيْرٌ، وَلَيْسَ ذَاكَ لأَحَدٍ إِلَّا لِلْمُؤْمِنِ؛ إِنْ أَصَابَتْهُ سَرَّاءُ شَكَرَ فَكَانَ خَيْرًا لَهُ، وَإِنْ أَصَابَتْهُ ضَرَّاءُ صَبَرَ فَكَانَ خَيْرًا لَهُ» (رواه مسلم).

والصلابة في الإسلام لا تعني كبتَ المشاعر؛ فقد بكى النبي صلى الله عليه وسلم على ابنه إبراهيم وحزن، وإنما تعني ألّا يُفضي الحزن إلى العجز، كما في قوله صلى الله عليه وسلم: «احْرِصْ عَلَى مَا يَنْفَعُكَ، وَاسْتَعِنْ بِاللَّهِ وَلَا تَعْجِزْ» (رواه مسلم)، وفوق ذلك كلّه يربط القرآن القلبَ بمصدر سكينته: (أَلَا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ) (الرعد: 28).

مسؤوليةُ الأسرة والخطاب الدعوي

أما الأسرة، فواجبها أن تنتقل من الحماية المفرطة إلى التمكين المتدرّج:

1- أن تُكلّف الأبناء بمسؤولياتٍ تناسب أعمارهم، وتدعهم يتحمّلون عواقبَ اختياراتهم الصغيرة.

2- أن تحتضن مشاعرهم دون أن تُعفيهم من واجباتهم؛ فالتعاطف لا يعني إسقاط التكليف.

3- أن تُقدّم لهم القدوة في الصبر والرضا عمليًّا، لا بالوعظ وحده.

وأما الخطاب الدعوي، فعليه أن يتجاوز ثنائيةً عقيمة: خطابٍ يُعنّف الشباب ويتّهمهم في إيمانهم كلّما اشتكوا، وخطابٍ يُجاري ثقافة الاسترضاء فيُسقط عنهم كلّ مسؤولية، والمطلوب خطابٌ رحيمٌ حازم في آن: يُصغي إلى معاناة الشابّ ويعترف بها، ثم يُعينه على حمل نفسه، ويُعيد إليه المعنى الذي يجعل للصبر قيمة.

ويحسُن بالدعاة والمربّين أن يتعاونوا مع المختصّين النفسيين الثقات، فيعرفوا متى تكفي الكلمةُ الطيبة والتوجيه، ومتى تلزم الإحالة إلى طبيبٍ أو معالج.

إن أبناءنا ليسوا من زجاج، ولكنّ كثيرًا منهم لم يُتَح له أن يختبر صلابته، والصلابة لا تُورَث ولا تُلقَّن، بل تُبنى بالتجربة والتكليف والمعنى، كما يُبنى العضل بالجهد.

فإذا اجتمع في نفس الشابّ تصوّرٌ واقعيّ عن الحياة، ويقينٌ بحكمة الابتلاء، وأسرةٌ تُمكّنه، وخطابٌ يرحمه ولا يُدلّله، خرج من محنه أقوى ممّا دخلها، وذلك هو المؤمن القويّ الذي قال فيه النبي صلى الله عليه وسلم: «الْمُؤْمِنُ الْقَوِيُّ خَيْرٌ وَأَحَبُّ إِلَى اللَّهِ مِنَ الْمُؤْمِنِ الضَّعِيفِ، وَفِي كُلٍّ خَيْرٌ» (رواه مسلم).

الرابط المختصر :

اترك تعليقاً

التعليقات (0)

لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلق!

تابعنا

الرئيسية

مرئيات

جميع الأعداد

ملفات خاصة

مدونة