حضور الرقم 7 في الثقافة العربية.. الشعر العربي القديم نموذجاً
يحتلّ الرقم
7 مكانٌا في الثقافة العربية القديمة، ولا سيما في الشعر والأدب، وليس من الدقة
أن نفترض أن العرب كانوا ينسبون إلى العدد سبعة معنى رمزيًا واحدًا ثابتًا في كل
سياق؛ فالعدد قد يأتي أحيانًا للدلالة على الكثرة أو التمام، وقد يرد بوصفه عددًا
حقيقيًا للأيام أو السنين، كما أصبح في تاريخ تدوين الشعر نفسه عنصرًا في تصنيف
المختارات الشعرية.
وتتجلى أهمية
الرقم سبعة في الشعر العربي القديم بوضوح خاص في مصطلح المعلقات السبع أو السبع
الطوال وفي بعض الأخبار المتعلقة بالشعراء، مثل ما رُوي عن زهير بن أبي سلمى من
نظم سبع قصائد عرفت بالحوليات. كما يظهر العدد في أخبار الشعراء والقصائد للدلالة
على مقدار من الزمن أو على مجموعة مكتملة من الأشياء. وتكشف هذه الظواهر أن السبعة
لم تكن مجرد رقم عابر، بل أصبحت جزءًا من الذاكرة الأدبية العربية.
فاعلية الرقم (7) في الشعر القديم والثقافة العربية
لعل أشهر حضور
للرقم سبعة في تاريخ الشعر العربي القديم هو المعلقات السبع. والمقصود بها، على
أشهر الروايات، سبع قصائد طويلة من أجود الشعر الجاهلي، ارتبطت بأسماء امرئ القيس،
وطرفة بن العبد، وزهير بن أبي سلمى، ولبيد بن ربيعة، وعمرو بن كلثوم، وعنترة بن
شداد، والحارث بن حلزة. وتذكر مصادر التراث أن هناك اختلافًا في عدد المعلقات
وأصحابها؛ فبعض الروايات تجعلها عشرًا بإضافة النابغة والأعشى وعبيد بن الأبرص.
إن هذه القصائد
عُرفت أيضًا بأسماء مثل السبع الطوال، والمذهبات، والسموط، وأن الرواية المشهورة
عند ابن عبد ربه تربط اختيارها بعدد سبع قصائد.
ومن أشهر مطالع
هذه القصائد:
قِفا نبكِ من
ذكرى حبيبٍ ومنزلِ
امرؤ القيس
و:
لخَولةَ أطلالٌ
ببُرقةِ ثَهمَدِ
طرفة بن العبد
و:
أمِن أمِّ أوفى
دِمنةٌ لم تكلَّمِ
زهير بن أبي
سلمى
و:
هل غادر
الشعراءُ من متردَّمِ
عنترة بن شداد
وهكذا ارتبط
العدد سبعة منذ وقت مبكر بواحدة من أشهر المجموعات الشعرية في التراث العربي. وليس
المقصود هنا أن كل شاعر من هؤلاء الشعراء اختار العدد سبعة في بناء قصيدته؛ فالرقم
أصبح أساسًا في عملية الاختيار والتصنيف والرواية أكثر من كونه تقنية شعرية داخل
القصيدة نفسها.
من الجاذب
للانتباه أن بعض المصادر القديمة لا تسمي هذه القصائد المعلقات فحسب، وإنما السبع
الطوال أو السبع الطول. وهذا التعبير يجمع بين العدد والصفة؛ فالقصائد سبع، وهي في
الوقت نفسه قصائد طويلة ذات منزلة رفيعة.
وقد ذكر ابن عبد
ربه في العقد الفريد الرواية الشهيرة التي تفيد بأن العرب اختارت سبع قصائد من
الشعر القديم، وكتبتها بماء الذهب وعلقتها في أستار الكعبة؛ غير أن هذه الرواية لم
تكن محل اتفاق، فقد ناقشها علماء آخرون، ومنهم النحاس، كما أن دراسات حديثة شككت
في قصة تعليق القصائد على الكعبة. ولذلك ينبغي التعامل معها باعتبارها رواية
تراثية عن مكانة الشعر لا حقيقة تاريخية محسومة.
ومن المهم هنا
ملاحظة أن تسمية السبع نفسها ساهمت في تكوين صورة مثالية عن هذه القصائد؛ فالعدد
لم يعد مجرد إحصاء، وإنما أصبح جزءًا من الاسم الذي حفظ المجموعة في الذاكرة
النقدية والأدبية.
لا يقتصر حضور
الرقم على المعلقات. فقد نقلت كتب الأدب خبرًا مشهورًا عن زهير بن أبي سلمى، مفاده
أنه كانت له سبع قصائد نظم كل واحدة منها في عام، ولذلك سميت قصائده الحوليات،
وترتبط هذه الرواية بصورة زهير الشديدة العناية بتنقيح شعره وتهذيبه.
وتكتسب هذه
الرواية أهميتها من كونها تجعل السبعة مرتبطًا بالزمن وبعملية الإبداع الشعري: سبع
قصائد، وكل قصيدة تستغرق حولًا كاملًا في الرواية الأدبية، وحتى إذا تحفّظنا على
دقة الرقم تاريخيًا، فإن الخبر يعكس تصورًا نقديًا قديمًا للشعر الجيد باعتباره
شعرًا مصنوعًا ومهذبًا، لا مجرد كلام مرتجل.
يظهر العدد سبعة
أيضًا في بعض أخبار الشعر الجاهلي بوصفه عددًا حقيقيًا للسنين. ومن الأمثلة ما
يروى عن الشاعر الجاهلي عبد الله بن العجلان النهدي في قصته مع هند، إذ تذكر
الروايات أنها أقامت عنده سبع سنين ولم تلد له، ثم أُكره على طلاقها. وقد ارتبطت
هذه القصة بعدد من أشعاره في الحنين والأسى.
وهنا يجب ألا
نفرض على الرقم تأويلًا رمزيًا بالضرورة؛ فالسبعة في هذا السياق تؤدي وظيفة زمنية
واضحة، لكن اختيارها في الرواية الشعرية والأدبية يظل مثيرًا للاهتمام، خاصة إذا
قورن بكثرة حضور السبعة في الثقافة العربية الأوسع.
من أعمق مظاهر
حضور الرقم سبعة في التراث الشعري ما نجده في جمهرة أشعار العرب. فقد عُرفت هذه
المجموعة بتنظيم مادتها في سبعة أقسام، في كل قسم سبع قصائد، أي أن البناء الكلي
يقوم على سباعية متكررة. وتذكر الدراسات المتعلقة بمصادر الشعر الجاهلي أن الأقسام
السبعة تشمل المعلقات والمجمهرات والمنتقيات وعيون المراثي والمذهبات والمشوبات
والملحمات.
وهذه الظاهرة
مهمة جدًا؛ لأنها تعني أن الرقم سبعة لم يكن مجرد رقم ورد في نص شعري، وإنما دخل
في طريقة تنظيم التراث الشعري نفسه.
فإذا كان القسم
الواحد يضم سبع قصائد، وكانت المجموعة كلها سبعة أقسام، أصبح العدد جزءًا من هندسة
الكتاب، ومن الطريقة التي يقدم بها التراث نفسه إلى القارئ.
رمزية الرقم 7 عند العربي
من الصعب إثبات
أن كل ورود للسبعة في الشعر الجاهلي يحمل رمزًا دينيًا أو ميتافيزيقيًا محددًا.
والأكثر احتياطًا أن نقول إن العدد كان يتمتع بمكانة ثقافية خاصة، وهي مكانة تعززت
في الثقافة العربية والإسلامية بوجود استعمالات متعددة للسبعة في القرآن والحديث
والعادات واللغة.
لكن يجب ألا
نسقط الدلالات الإسلامية المتأخرة على كل نص جاهلي؛ فالشعر الجاهلي أقدم من
الإسلام، وله سياقه الثقافي الخاص.
إن الذي يمكن
إثباته من مادة الشعر والتراث الأدبي هو أن السبعة ارتبطت بألفاظ مثل التمام
والكثرة والاختيار والجودة في بعض السياقات، وأنها تحولت إلى رقم له حضور واضح في
تصنيف الشعر. ومن هنا يمكن فهم استمرار عبارات مثل «السبع الطوال» و«المعلقات
السبع» و«القصائد السبع» في كتب الأدب والنقد.
تكرار السبعة في
تسمية المختارات وفي أخبار الشعراء أدى إلى تحول العدد تدريجيًا من قيمة حسابية
إلى علامة أدبية. فعندما يقول الناقد أو المؤرخ «المعلقات السبع»، لا يحتاج إلى
ذكر القصائد واحدة واحدة؛ فالرقم أصبح يحيل مباشرة إلى مجموعة كاملة ذات هوية
معروفة.
إن هذه الوظيفة
شبيهة بما يحدث في أسماء المجموعات الأدبية الأخرى، لكن السبعة اكتسبت خصوصية بسبب
شيوعها في التراث العربي، والأهم أن اختلاف الروايات نفسها يكشف أن الرقم لم يكن
حقيقة جامدة؛ فالمصادر تختلف في أصحاب المعلقات وعددها، فمنها ما يجعلها سبعًا،
ومنها ما يجعلها تسعًا أو عشرًا. وقد أشار مجمع اللغة العربية بالقاهرة إلى هذا
الاختلاف، وبيّن أن عدد أصحاب المعلقات ليس موضع اتفاق تام بين الرواة.
من الضروري في
دراسة الرقم سبعة التمييز بين الشعر نفسه وبين الأخبار التي رواها الأدباء عنه؛
فليس لدينا دليل قاطع على أن العرب في الجاهلية كانوا يتعاملون مع «المعلقات
السبع» بالطريقة التي صورتها بعض الروايات المتأخرة. بل إن بعض المصادر النقدية
الحديثة ترى أن قصة تعليق القصائد على الكعبة أقرب إلى تفسير متأخر لاسم
«المعلقات».
ويذكر شوقي ضيف،
في بحثه في مصادر الشعر الجاهلي، أن هذا الخبر ينبغي التعامل معه بحذر، بينما يرجع
تسمية المعلقات عند بعض الباحثين إلى معنى «الشيء النفيس» أو «العَلَق».
وهذا التحفظ لا
يقلل من أهمية الرقم سبعة؛ بل يزيدها، لأننا نكتشف أن السبعة أصبحت جزءًا من
الذاكرة التي صاغ بها العرب اللاحقون صورة الشعر الجاهلي.
تعليق ختامي
يكشف تتبع الرقم
سبعة في الشعر العربي القديم عن ظاهرة متعددة المستويات؛ فهو يظهر أولًا عددًا
مباشرًا في بعض الأشعار والأخبار، ويظهر ثانيًا في أخبار الشعراء، كما في الرواية
المتعلقة بزهير وحولياته، ويظهر ثالثًا بصورة أكثر رسوخًا في تصنيف الشعر
واختياره، كما في المعلقات السبع والسبع الطوال وتقسيم جمهرة أشعار العرب إلى سبعة
أقسام.؛ ومن ثم فإن أهمية الرقم سبعة في التراث الشعري لا تكمن في وجوده العددي
فحسب، بل في تحوله إلى علامة على الاختيار والجودة والاكتمال في الذاكرة الأدبية،
ولعل أبلغ شاهد على ذلك أن عبارة «المعلقات السبع» أصبحت من أكثر العبارات رسوخًا
في تاريخ الأدب العربي، حتى مع استمرار الخلاف بين العلماء في عدد المعلقات
وأصحابها وسبب تسميتها.
وبذلك يمكن القول: إن دراسة السبعة في الشعر العربي القديم ليست بحثًا في رقم فحسب، إنما تعد بحثًا في كيفية تشكل الذائقة الأدبية العربية، وكيف تحولت الأعداد من أدوات للحساب إلى عناصر مشاركة في بناء الذاكرة والرمز والتصنيف.
الهوامش
- 1 ابن عبد ربه، العقد الفريد، ولا سيما المواضع التي تتحدث عن المعلقات والمذهبات السبع. وقد نقلت المصادر عنه الرواية المشهورة في اختيار سبع قصائد من الشعر القديم.
- 2 ابن رشيق القيرواني، العمدة في محاسن الشعر وآدابه ونقده، ويعد من المصادر المهمة في أخبار المعلقات وقضايا صناعة الشعر.
- 3 البغدادي، خزانة الأدب ولب لباب لسان العرب، وفيه أخبار متعددة عن المعلقات وروايات تسميتها.
- 4 أبو زيد القرشي، جمهرة أشعار العرب، ويعد من الكتب المهمة في الاختيارات الشعرية، ويبرز فيه التنظيم القائم على الأقسام السبعة.
- 5 الزوزني، شرح المعلقات السبع، من أشهر شروح المعلقات السبع، ويقدم نصوصها وشروح مفرداتها ومعانيها.
- 6 شوقي ضيف، العصر الجاهلي، سلسلة تاريخ الأدب العربي، وهو مرجع مهم في نقد الروايات المتعلقة بالشعر الجاهلي ومصادره.
- 7 ناصر الدين الأسد، مصادر الشعر الجاهلي وقيمتها التاريخية، وهو من المراجع الأساسية في دراسة رواية الشعر الجاهلي ومصادره، وقد أُحيل إليه في الدراسات المتعلقة بالمعلقات.
- 8 مجمع اللغة العربية بالقاهرة، مادة المعلقات، مرجع إلكتروني يمكن الإفادة منه في عرض اختلاف الروايات في عدد المعلقات وأصحابها وأسمائها.
التعليقات (0)
لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلق!
اترك تعليقاً