حين يمشي القادر تواضعاً.. موقف نافع بن جبير في السيرة

عبدالله السيد

11 أكتوبر 2026

15

صورة معاصرة توضيحية لأجواء الحج وحجاج يسيرون في ممر واسع، وبينهم مستخدمو كراسٍ متحركة ومظلات

روى الذهبي، في «سير أعلام النبلاء»، في ترجمة نافع بن جبير(1)، عن عمرو، أن نافع بن جبير كان يحج ماشيًا، وراحلته تُقاد معه.

وعن نافع بن جبير، قال: «ما صخبتُ بمكة قط، ولا آجرتُ أرضًا لي قط؛ من استقرضها أقرضتُه».

وكان يقضي مناسكه على رجليه.

تختصر هذه الأسطر مشهدًا يستحق التأمل: رجل يمشي مع قدرته على الركوب، ويضبط لسانه في مكة، ويتيح الانتفاع بأرضه دون أن يطلب أجرتها، ليست أمامنا خطبة في الزهد، وإنما أفعال تتصل بالجسد واللسان والمال؛ وهي ميادين يظهر فيها مقدار ما تصنعه التربية الإيمانية في حياة الإنسان.

كيف جسد نافع بن جبير التواضع بترك الامتيازات؟

يمكن أن يُقرأ مشي نافع بن جبير في الحج، مع وجود راحلته، بوصفه صورة من صور الاستغناء عن بعض مظاهر الراحة والتميز، فالخبر لا يصور رجلًا اضطر إلى المشي لعدم المركوب، وإنما يلفت إلى اجتماع القدرة على الركوب مع اختيار السير على القدمين، وهذا الفرق هو الذي يمنح المشهد معناه التربوي؛ فليست قيمة الإنسان معلقة بما يظهر حوله من وسائل الخدمة والراحة.

وليس في ذلك انتقاص من شرف النسب أو منزلة العلم، وإنما تذكير بأن الفضائل الموروثة والمكتسبة تحتاج إلى سلوك يحفظ معناها، يستطيع المرء أن ينتسب إلى بيت كريم، لكن حسن معاملته للناس أمر لا ينوب عنه فيه آباؤه.

وفي السُّنة ميزان يجمع التواضع بالرفعة، كما روى ذلك أبو هريرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: «وما تواضع أحد لله إلا رفعه الله»(2)، فالرفعة المعتبرة ليست ثمرة التعالي على الناس، والتواضع لله ليس إهدارًا لكرامة صاحبه.

ومن هنا يمكن استحضار هذا المعنى في الأسرة والتعليم والعمل، فالأب الذي يشارك أهله أعباء المنزل، والمعلم الذي يعترف بخطئه، والمسؤول الذي يؤدي عملًا نافعًا لا يراه من حوله مناسبًا لمنصبه، يختبرون علاقتهم بالمكانة اختبارًا عمليًا.

ترك الصخب بمكة.. حين يصبح ضبط اللسان عبادة

يلفت نافع بن جبير النظر إلى أمر قد يمر عليه بعض الناس سريعًا؛ أنه لم يصخب بمكة، ولم يذكر ذلك بوصفه أدبًا هامشيًا، بل جعله مما يُخبر به عن سيرته، وفي هذه العبارة تنبيه إلى أن الصلة بالمكان المعظم لا تظهر في الشعور الداخلي وحده، وإنما في الطريقة التي يتكلم بها الإنسان ويتعامل بها مع من حوله.

قال تعالى: (ذَٰلِكَ وَمَن يُعَظِّمْ شَعَائِرَ اللَّهِ فَإِنَّهَا مِن تَقْوَى الْقُلُوبِ) (الحج: 32)، ويمكن فهم اجتناب الصخب في ضوء هذا الأصل العام: أن يكون لتعظيم الله أثر في الجوارح، وأن يصحب أداء العبادة حرص على الأدب، وقد وجّه النبي صلى الله عليه وسلم الناس عند الإفاضة إلى السكينة، وبيّن أن البر ليس بالإيضاع؛ أي بالإسراع في السير(3).

وليس ترك الصخب مرادفًا للعجز عن الكلام، ولا دليلًا على أن صاحبه لا يغضب بطبعه، والأقرب في القراءة التربوية أن نتأمل الفرق بين وقوع الانفعال والاسترسال معه، فالإنسان لا يختار جميع ما يرد على نفسه، لكنه مسؤول عما يصدر عنه من قول وفعل، ولهذا قال صلى الله عليه وسلم: «ليس الشديد بالصرعة، إنما الشديد الذي يملك نفسه عند الغضب»(4).

وفي واقع الناس اليوم، يمكن أن يبدأ العمل بهذا المعنى من موقف صغير؛ تأخر خدمة، أو خطأ موظف، أو خلاف أسري، أو نقاش إلكتروني محتدم، عندئذ لا يكون السؤال: كيف أرفع صوتي حتى أُسمع؟ وإنما كيف أوضح حقي دون أن أضيف إلى الموقف أذى جديدًا؟ فالسكينة لا تمنع الحزم، والحزم لا يستلزم الإهانة، وكرامة المتحدث لا تحتاج إلى كسر كرامة من يخاطبه.

الزهد المتوازن.. كيف تملك الموارد دون أن تأسرك؟

تحتفظ الرواية بتفصيل بالغ الأهمية: «وراحلته تقاد معه»، فلم يكن مشيه مصحوبًا بإلغاء وسيلة الركوب أو الاستغناء عنها استغناءً تامًا، ومن هنا يمكن استلهام معنى متوازن: أن يملك الإنسان الوسيلة دون أن يصبح أسيرًا لاستخدامها في كل حال، وأن يختار بعض البساطة دون أن يجعل الانتفاع بالمباح موضع تهمة.

ولا يخبرنا النص لماذا أبقى نافع بن جبير راحلته معه؛ فقد تكون لحاجة من حاجات السفر، لكن تخصيصها بالطوارئ أو بإغاثة رفقته يحتاج إلى دليل زائد، يكفينا من المشهد أن الوسيلة كانت موجودة، وأن وجودها لم يمنعه من المشي، أما المعنى المعاصر الذي يمكن أن نستنبطه، فهو أن الأخذ بالأسباب لا يناقض تهذيب النفس، وأن حسن استعمال الموارد أوسع من ثنائية الاستهلاك الدائم أو الرفض المطلق.

ومع ذلك، لا يصح تحويل هذا الاختيار الشخصي إلى قاعدة تقول إن المشي في الحج أفضل لكل أحد، أو إن زيادة الألم تعني بالضرورة زيادة الفضل، فقد رأى النبي صلى الله عليه وسلم شيخًا يُهادى بين ابنيه، وأُخبر أنه نذر أن يمشي، فقال: «إن الله عن تعذيب هذا نفسه لغني»(5)، وأمره أن يركب؛ فالمشقة ليست غاية مستقلة يُطلب بها التعب لذاته.

وهذا التوازن بين احتمال المشقة وعدم طلبها لذاتها عبّر عنه التابعي مطرف بن عبد الله بن الشخير بقوله: «لأن أُعافى فأشكر أحب إليَّ من أن أُبتلى فأصبر»(6)؛ مؤكدًا أن فضل العبادة لا يُقاس بمقدار التعب، وإنما بحسن الصلة بالله وشكره على نعمة العافية.

ولهذا، فإن التربية على احتمال المسؤولية تختلف عن دفع الناس إلى استنزاف أنفسهم، يستطيع المربي أن يشجع على الاجتهاد من غير أن يحتقر حاجة المتعلم إلى الراحة، ويستطيع المسؤول أن يشارك فريقه التعب من غير أن يجعل إنهاكهم دليل الولاء، والعبرة في استحضار مشي نافع ليست تقليد الصورة مع إهمال اختلاف الأحوال، وإنما التأمل في القدرة على اختيار البساطة، مع بقاء الرفق وحسن التقدير.

سخاء بلا أموال.. كيف تفيد غيرك بما تملك؟

ينتقل الخبر من طريقة نافع بن جبير في أداء مناسكه إلى طريقة تعامله مع أرضه: «ولا آجرت أرضا لي قط؛ من استقرضها أقرضته»، وعلى اللفظ الوارد هنا، يُفهم من مقابلة الإجارة بالإقراض أنه كان يتيح الانتفاع بالأرض دون أخذ أجرتها، وهذه دلالة تكشف بابًا من أبواب السخاء قد يغيب حين تُختزل المساعدة في دفع مبلغ من المال.

فقد يكون الإنسان محتاجًا إلى منفعة شيء لا إلى تملكه: كتاب يقرأه، أو أداة يعمل بها، أو مكان ينتفع به مدة معلومة، وفي مثل هذه الأحوال يستطيع صاحب المورد أن يفتح بابًا من الخير مع بقاء الأصل في ملكه.

ويشهد لأصل المواساة بمنفعة الأرض قول النبي صلى الله عليه وسلم: «أن يمنح أحدكم أخاه خير له من أن يأخذ عليه خرجًا معلومًا»(7)، ففي الحديث توجيه إلى فضل الإرفاق، وإلى أن العلاقة بين صاحب الأرض والمنتفع بها يمكن أن تتسع لمعنى الأخوة، ولا تنحصر في العوض المالي.

لكن السؤال النافع يظل قائمًا: ما الذي أملكه ويمكن أن ينتفع به غيري دون ضرر معتبر؟

لماذا لا نستخدم الفضائل الشخصية لإدانة الكسب المشروع؟

يكتمل فهم سخاء نافع بن جبير حين نميز بين الثناء على التبرع والحكم على المعاوضة، فامتناعه عن إجارة أرضه لا يدل وحده على تحريم الإجارة، ولا يسوغ وصف كل من يأخذ عوضًا مشروعًا بأنه يستغل حاجة الناس.

وفي صحيح» مسلم سأل حنظلة بن قيس رافع بن خديج عن كراء الأرض، ثم سأله عن كرائها بالذهب والورق، فقال رافع: «أما بالذهب والورق فلا بأس به»(8)، وهذا يبين أن باب المعاملات فيه تفصيل، وأن الأخبار الواردة فيه لا تُفهم بإطلاق الذم على كل إجارة.

وبذلك يحتفظ موقف نافع بجماله دون أن نحمّله حكمًا لم ينطق به: نثني على الإرفاق، ونرغب في البذل، ولا نجعل اختيار شخص في ماله إلزامًا لكل الناس، فقد تكون منفعة الأصل موردًا يحتاج إليه صاحبه للنفقة، وقد يتسع حال غيره للتبرع بها، والعدل في قراءة السير يقتضي أن نستخرج فضائلها دون أن نجعلها أداة لإدانة أحوال لا نعرف تفاصيلها.

ومن هنا أيضًا يلزم التفريق في التطبيقات المعاصرة بين مال الإنسان الخاص وما اؤتمن عليه، فإعارة المرء ما يملكه تختلف عن تبرعه بممتلكات مؤسسة أو شركاء دون صلاحية تخوله ذلك.

التربية بالأفعال.. حين تغني الممارسة عن المواعظ الطويلة

لم ينقل الخبر أن نافعًا ألقى موعظة طويلة في التواضع والسكينة والمواساة؛ وإنما نقل كيف حج، وما قاله عن سلوكه في مكة، وكيف عامل من طلب الانتفاع بأرضه، ومن هذه الزاوية يمكن قراءة الموقف بوصفه مادة للتربية بالفعل.

فيستطيع المربي أن ينتفع بالمشهد دون أن ينسخه حرفيًا، ليس مطلوبًا من كل مسؤول أن يترك وسيلة نقله حتى يكون متواضعًا؛ وقد تكون حاجته إليها مرتبطة بواجباته، لكن يمكنه أن يراجع الامتيازات التي يطلبها، وطريقته في الحديث إلى العاملين، واستعداده لتحمل نصيبه من الجهد، كما يستطيع المعلم أن يجعل احترام الطالب ظاهرًا في إنصافه، لا في حديثه عن الإنصاف وحده.

وأقرب ما يمكن حمله إلى الواقع أن يبدأ صاحب التأثير بما يقدر عليه من موافقة قوله لفعله: يضبط غضبه قبل أن يطالب الآخرين بالهدوء، ويؤدي واجبه قبل أن يكثر الحديث عن التضحية، ويتيح من الخير ما يملكه قبل أن يلوم الناس على قلة العطاء.

معادلة الكف والبذل:.. حين تشمل العبادة جميع الجوارح

إذا جُمعت أجزاء الخبر ظهر ترابطها؛ مشي في المناسك، وامتناع عن الصخب، وإرفاق في الانتفاع بالأرض، ويمكن أن نقرأ هذا الاجتماع بوصفه تذكيرًا باتساع ميدان التربية؛ فهي لا تتصل بما يبذله البدن في العبادة وحده، بل بما يكفه اللسان من أذى، وما تسمح به النفس من منفعة.

وليس المقصود أن نزعم معرفة جميع جوانب شخصية نافع من أسطر قليلة، وإنما أن نتعلم من تنوع ما حفظه الخبر، فقد يبذل الإنسان جهدًا كبيرًا في عمل ظاهر، ثم يحتاج إلى جهد آخر في خلق لا يراه الناس بسهولة، وقد يسهل عليه احتمال تعب يختاره، ويصعب عليه احتمال تصرف لا يرضاه من غيره.

وفي هذا الموضع تصبح السيرة مرآة للأسئلة، لا مادة للإعجاب وحده: ما أثر عبادتي في لساني؟ وهل أستطيع أن أتنازل عن بعض راحتي دون أن أطالب الناس بالإعجاب؟ وهل أرى في مواردِي بابًا للنفع إلى جانب ما تحققه لي من مصلحة؟

ويلفت النظر في صياغة الخبر اجتماع الكف والبذل؛ فقول نافع بن جبير إنه لم يصخب يتصل بكف ما قد يؤذي، وذكره إتاحة أرضه يتصل ببذل ما قد ينفع، وبين الأمرين مجال واسع لحسن العشرة: أن يأمن الناس جانبك، وأن يجدوا عندك من الخير ما تستطيع.

ما الذي يبقى من هذا المشهد؟

يبقى من خبر نافع بن جبير أن النبل يمكن أن يظهر في اختيارات لا تحتاج إلى إعلان؛ في راحة يقدر صاحبها على الاستغناء عنها، وصوت يستطيع أن يضبطه، ومنفعة يملك أن يبذلها، ولا يلزم من ذلك رفض الرفاه المباح، أو طلب المشقة، أو ترك الكسب المشروع؛ فهذه أحكام ومعانٍ لا يحملها الخبر.

إنما يفتح لنا بابًا لمراجعة علاقتنا بما نملك وبمن حولنا، هل تزيدنا المكانة تواضعًا أم تعلقًا بالمظاهر؟ وهل يظهر تعظيم العبادة في أدب المعاملة؟ وهل تبقى الملكية حقًا ننتفع به وحدنا، أم تتسع، حين نستطيع، لخير يصل إلى الآخرين؟

لا يطلب هذا المشهد من القارئ أن يعيش تفاصيل حياة رجل من التابعين، بل يدعوه إلى أن يختبر المعاني في تفاصيل حياته هو، فقد تكون خطوته الأولى كلمة يكفها، أو خدمة يؤديها، أو منفعة يتيحها، وهناك، في هذه الأفعال الصغيرة، يجد شرف النفس طريقه إلى الظهور.

الهوامش
  • 1 نافع بن جبير ابن مطعم بن عدي بن نوفل بن عبد مناف بن قصي، الفقيه، الإمام، الحجة، أبو محمد، وقيل: أبو عبدالله القرشي النوفلي المدني، أخو محمد بن جبير.
  • 2 رواه مسلم في «صحيحه» (2588).
  • 3 رواه البخاري.
  • 4 رواه البخاري (6114)، ومسلم (2609).
  • 5 رواه البخاري في «كتاب جزاء الصيد» باب من نذر المشي إلى الكعبة.
  • 6 حلية الأولياء وطبقات الأصفياء، ج2، ص255.
  • 7 رواه البخاري في «كتاب المزارعة».
  • 8 رواه مسلم (1547).
الرابط المختصر :

اترك تعليقاً

التعليقات (0)

لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلق!

تابعنا

الرئيسية

مرئيات

جميع الأعداد

ملفات خاصة

مدونة