متى تفسد المجاملة الاجتماعية شهود الجنازة؟ درس نافع بن جبير

عبدالله السيد

08 أكتوبر 2026

25

مشهد رمزي يعكس وقار تشييع الجنائز، ويشير إلى أهمية النية في العمل الصالح.

روى الذهبي، في «سير أعلام النبلاء»، في ترجمة نافع بن جبير بن مطعم(1) رحمه الله أنه قال: «مَنْ شَهِدَ جَنَازَةً لِيَرَاهُ أَهْلُهَا، فَلَا يَشْهَدْهَا»(2).

قد يمشي الإنسان خلف جنازة، ويقف بين المشيعين، ويشارك في الصلاة والدفن، فيبدو للناس مؤديًا حقًّا من حقوق المسلم على أخيه، بينما ينشغل قلبه بسؤال آخر: هل رآني أهل الميت؟ وهل علموا أنني حضرت؟ وهنا يبرز الفرق الدقيق بين عمل تتجه به النفس إلى الله، وعمل تتجه به إلى أعين الناس، وإن اتحدت صورتهما في الظاهر.

بهذه الكلمات القليلة يفتح التابعي الفقيه نافع بن جبير بن مطعم بابًا واسعًا لفهم الإخلاص، ويكشف عن أحد أخفى التحولات التي تصيب السلوك الإنساني؛ أن ينتقل العمل من أداء الحق إلى طلب الاعتراف الاجتماعي، ومن ابتغاء الأجر إلى انتظار الثناء.

وليس في قوله إلغاء لفضيلة شهود الجنائز، ولا دعوة إلى الانقطاع عن مواساة الناس، وإنما هو تنبيه إلى فساد الباعث حين يصبح حضور الإنسان مرهونًا برؤية الآخرين له، ومن هذا المعنى تتفرع قضايا تتصل بتزكية النفس، وفقه العلاقات الاجتماعية، واستقلال الشخصية، وأخلاق القيادة، ومعايير العمل الصادق في الحياة المعاصرة.

نافع بن جبير.. حين يجتمع شرف المكانة مع محاسبة النفس

ينتمي نافع بن جبير بن مطعم القرشي النوفلي إلى كبار التابعين من أهل المدينة، وقد نشأ في بيت معروف بالشرف والمكانة بين قريش، فأبوه جبير بن مطعم صحابي جليل، عُرف بالحلم ونبل الرأي، وكان من وجوه قومه وأهل المعرفة بأنسابهم.

فهي شخصية جمعت بين العلم والمكانة الاجتماعية والعناية بالعبادة، وفي هذا السياق يكتسب موقفه من شهود الجنائز دلالة خاصة؛ فالرجل الذي يعرف معنى المنزلة بين الناس ينبه إلى ضرورة ألا تتحول تلك المنزلة إلى مقصد يحكم سلوك الإنسان

الفارق بين رؤية الناس وقصد رؤيتهم بالعمل

تبدأ المشكلة التي كشفها نافع بن جبير من موضع لا يراه الآخرون.. النية؛ فالناس يشاهدون حركة الإنسان، ويسمعون كلامه، ويرون حضوره وغيابه، لكنهم لا يطلعون على الباعث الحقيقي الذي يحركه، وقد يتشابه رجلان في العمل حتى لا يكاد الناظر يفرق بينهما، بينما يكون بين قصديهما من الاختلاف ما يغير قيمة العمل عند الله.

ولهذا، جاءت القاعدة النبوية الجامعة في قوله صلى الله عليه وسلم: «إنما الأعمال بالنيات، وإنما لكل امرئ ما نوى»(3)؛ فالحديث يقرر أن النية ليست تفصيلًا هامشيًا يأتي بعد العمل، بل هي أصل في اعتبار الأعمال وترتب الثواب عليها.

وفي ضوء هذا الأصل يمكن فهم دقة عبارة نافع: «من شهد جنازة ليراه أهلها»، لم يقل: من شهد جنازة ورآه أهلها، لأن مجرد رؤية الناس للإنسان لا تفسد عمله، ولم يقل: من شهد جنازة وكان يعرف أهلها، لأن معرفة أهل الميت ومواساتهم أمر مشروع، وإنما جعل موضع التنبيه في حرف التعليل: «ليراه».

فهذا الحرف الصغير ينقل القضية من عالم الأفعال الظاهرة إلى عالم المقاصد الخفية؛ إذ يبين أن الإشكال ليس في وقوع الرؤية، وإنما في اتخاذها غاية للفعل.

وقد يتسلل هذا الدافع إلى النفس دون أن تعترف به صراحة؛ فيحرص المرء على حضور مناسبة لا لأنه يستشعر واجبها أو فضلها، بل لأنه يخشى أن يُسأل عن غيابه، أو أن تنقص منزلته، أو أن يفوته تقدير أصحاب المناسبة.

ومن هنا تصبح محاسبة النية ضرورة متجددة، لا اتهامًا دائمًا للنفس، وإنما مراجعة صادقة لسؤال ينبغي أن يسبق الأعمال: هل كنت سأفعل هذا لو لم يعلم الناس به؟

كيف تفرق بين المواساة الشرعية والمجاملة المذمومة؟

للجنازة في الإسلام منزلة عظيمة؛ فهي تجمع بين أداء حق المسلم، والدعاء له، ومواساة أهله، والاتعاظ بحقيقة الموت، وقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «من اتبع جنازة مسلم، إيمانًا واحتسابًا، وكان معه حتى يُصلَّى عليها ويُفرغ من دفنها، فإنه يرجع من الأجر بقيراطين، كل قيراط مثل أُحد»(4).

واللافت في هذا الحديث وصف اتباع الجنازة بأنه يكون «إيمانًا واحتسابًا»، وهو وصف يلتقي مع المعنى الذي قرره نافع؛ إذ لا يكفي أن يتحرك الجسد خلف الجنازة، بل ينبغي أن يصحب هذه الحركة قصد صالح ورجاء لثواب الله.

فالمشي في الجنازة ليس مجرد مشاركة في حدث اجتماعي، وإنما عبادة تحمل معنى أخرويًا عميقًا، والمشيع الذي يستحضر هذا المعنى يختلف في باطنه عمن لا يعنيه من الحضور إلا تسجيل اسمه في ذاكرة أهل الميت.

غير أن التمييز هنا ضروري بين المواساة المشروعة والمجاملة التي تستولي على مقصد العبادة؛ فحضور الإنسان ليواسي أهل الميت، ويخفف عنهم، ويؤدي حق أخيه المسلم، ليس هو الرياء المذموم، بل قد تجتمع في العمل الواحد مقاصد صالحة متعددة؛ كطلب الأجر، والدعاء للميت، وصلة الرحم، وجبر خاطر المصاب.

أما إذا كان المقصد هو مجرد أن يراه الناس ويمدحوه، فإن العمل يتعرض لآفة خطيرة تتصل بالإخلاص، ولا يصح أن يُفهم قول نافع بن جبير على أنه حكم عام بترك شهود الجنائز عند خوف الرياء؛ فإن معالجة الرياء تكون بتصحيح النية ومجاهدة النفس، لا بجعل ترك العمل الصالح أصلًا مطردًا، كما أن كلامه لا يصلح للحكم على نيات الحاضرين، لأن السرائر لا يعلمها إلا الله.

كيف يصبح القبول الاجتماعي معيارًا فوق المبدأ؟

من أدق ما يكشفه قول نافع أن النفس قد تتبنى الدوافع الاجتماعية حتى تصبح في نظر صاحبها جزءًا طبيعيًا من الواجب؛ فالإنسان بطبعه يتأثر بنظرة الآخرين إليه، ويجد في القبول الاجتماعي نوعًا من الطمأنينة، وقد يكون هذا الميل باعثًا على حسن المعاشرة والتعاون، لكنه يتحول إلى مشكلة حين يصبح معيارًا أعلى من الصدق والمبدأ.

وتنشأ عندئذ فجوة بين حقيقة الفعل والصورة التي يريد صاحبها أن يراها الناس.

وفي هذه الحالة لا يكون الخلل في وجود العلاقات الاجتماعية، وإنما في استسلام الإرادة لنظرة الآخرين.

وقد يعزز هذا الميل شعور خفي بالمكافأة؛ إذ يجد الإنسان ارتياحًا عندما يلاحظ أن الآخرين قد شاهدوا حضوره، أو أثنوا على مبادرته، ومع التكرار يصبح الثناء نفسه دافعًا للعمل، ويضعف حضور الغاية الأصلية.

ولذلك لا تقتصر تربية الإخلاص على مقاومة حب المدح بعد وقوعه، بل تبدأ من إعادة ترتيب الدوافع قبل الفعل.

ومن الوسائل النافعة في ذلك أن يجعل الإنسان لنفسه نصيبًا من الأعمال الصالحة التي لا يعلم بها أحد، وأن يتعلم أداء الواجب ولو لم يتبعه تقدير، وألا يجعل غياب الشكر سببًا لترك الخير.

كيف تحمي استقلالك الأخلاقي من ضغوط الأعراف؟

يحمل قول نافع بن جبير جانبًا اجتماعيًا لا يقل أهمية عن جانبه التعبدي؛ فالمجتمعات تنشئ أعرافًا تضبط العلاقات بين أفرادها، وقد تكون هذه الأعراف وسيلة إلى التعاون وصلة الأرحام وحفظ المودة، غير أن بعض الأعراف قد يتحول مع الوقت إلى عبء نفسي، حتى يشعر الإنسان أنه مطالب بالحضور والمشاركة في كل مناسبة، بصرف النظر عن قصده وقدرته وحقيقة الحاجة إليه.

وفي بعض البيئات يصبح السؤال عن الغائب أشد حضورًا من السؤال عن الميت، ويُقاس الوفاء بعدد المشاركين، أو بمكانة من حضروا، أو بمقدار ما يظهره الشخص من اهتمام أمام الناس.

وعندما يصل الأمر إلى هذه المرحلة، يغدو العمل الذي شُرع للتراحم معرضًا لأن يتحول إلى وسيلة للضغط الاجتماعي.

والشخصية المستقلة أخلاقيًا ليست شخصية منعزلة عن مجتمعها، بل هي شخصية تفرق بين ما يستحق المشاركة وما يحتاج إلى تصحيح، وبين ما تؤديه وفاءً للحقوق وما تؤديه خوفًا من أحكام الآخرين.

وهذه الاستقلالية مطلوبة في الأسرة والعمل ومجالس العلم والأنشطة العامة؛ لأنها تحفظ الإنسان من أن تتحول حياته كلها إلى محاولة مستمرة لإرضاء الجمهور.

ما الفرق بين الرياء وعاجل بشرى المؤمن؟

يبلغ التحذير من فساد النية عمقه عند النظر إلى منزلة الإخلاص في القرآن الكريم، قال تعالى: (وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ حُنَفَاءَ) (البينة: 5)، وقال سبحانه: (قُلْ إِنَّ صَلَاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ) (الأنعام: 162).

وتكشف الآيتان عن اتساع مفهوم الإخلاص؛ فهو لا يتعلق بالشعائر وحدها، بل يمتد إلى مجمل الحياة حين تتوجه أعمال الإنسان ومقاصده إلى الله.

وقد ثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم التحذير من الرياء، وجاء في الحديث: «إن أخوف ما أخاف عليكم الشرك الأصغر»، فسُئل عنه فقال: «الرياء»(5).

وتظهر خطورة الرياء في أنه قد يلابس العمل الصالح دون أن تتغير صورته الخارجية، فالإنسان لا يحتاج إلى ترك العبادة حتى يقع في الخلل، بل قد يؤديها بصورة حسنة بينما يطلب بها منزلة عند الخلق.

وقد جاء في صحيح مسلم، حين سُئل النبي صلى الله عليه وسلم عن الرجل يعمل الخير ويحمده الناس عليه، أنه قال: «تلك عاجل بشرى المؤمن».

فالفرق كبير بين أن يطلب الإنسان المدح ابتداءً، وبين أن يعمل لله ثم يسر بثناء الناس عليه دون أن يكون هو المحرك لفعله.

ولهذا، ينبغي أن تقودنا عبارة نافع إلى تزكية القلوب، لا إلى إساءة الظن بالآخرين، فالإخلاص عبادة باطنة يمارسها الإنسان مع نفسه، وليس أداة يفتش بها في ضمائر الناس.

كيف تتسرب ثقافة الاستعراض إلى إدارة المؤسسات؟

إذا انتقلنا من سلوك الفرد إلى سلوك المؤسسات، وجدنا أن المعنى الذي أشار إليه نافع يتخذ صورًا جديدة، فقد تنظم مؤسسة فعالية تعليمية لا لأن المتعلمين يحتاجون إليها، وإنما لتظهر في تقرير الأداء، وقد تتوسع جهة في الإعلان عن مبادراتها الاجتماعية حتى يصبح إبراز صورتها أهم من أثر المبادرة في المستفيدين، وقد ينشغل بعض العاملين بإظهار إنجازاتهم أمام المسؤولين أكثر من عنايتهم بجودة تلك الإنجازات.

وهذه المظاهر ليست مطابقة للرياء التعبدي في أحكامه الشرعية؛ فالإعلان المؤسسي والتواصل مع الجمهور قد يحققان مصالح معتبرة، لكن الجامع الأخلاقي بينها وبين موقف نافع هو خطر تقديم الصورة على الحقيقة، وتحويل الوسيلة إلى غاية.

وفي القيادة الناجحة لا يكفي أن يسأل المسؤول عن عدد المشاركين في النشاط، بل ينبغي أن يسأل عما تحقق لهم من نفع، ولا يكفي أن يكون التقرير جميلًا، بل ينبغي أن يعكس واقعًا صحيحًا.

ومن هنا تتأكد الحاجة إلى ثقافة مؤسسية تميز بين الأداء الحقيقي والأداء الموجه لكسب الانطباع.

ولا يعني ذلك إلغاء التوثيق أو الإعلان أو العلاقات العامة، بل وضع هذه الوسائل في موضعها الصحيح: أن تخدم الإنجاز، لا أن تصبح بديلًا عنه.

وبذلك يمتد المعنى التربوي المستفاد من موقف نافع إلى ميدان الإدارة والعمل العام، حيث تتأكد قيمة النزاهة في المقاصد والوسائل معًا.

كيف تحافظ على إخلاصك وسط مغريات التفاعل؟

تقدم الحياة الرقمية اليوم مجالًا واسعًا لتطبيق المعنى الذي قرره نافع بن جبير؛ فقد أصبح من اليسير أن تتحول أعمال البر إلى صور منشورة، والتبرعات إلى إعلانات، وزيارات المرضى إلى محتوى، والمشاركة في المبادرات إلى وسيلة لجمع التفاعل والإعجاب.

وليس نشر الأعمال الصالحة مذمومًا بإطلاق؛ فقد يكون وسيلة إلى تشجيع الناس على الخير، وجمع التبرعات، وإبراز القدوات، وتعريف المجتمع بالمبادرات النافعة، قال تعالى: (إِن تُبْدُواْ الصَّدَقَاتِ فَنِعِمَّا هِيَ وَإِن تُخْفُوهَا وَتُؤْتُوهَا الْفُقَرَاء فَهُوَ خَيْرٌ لُّكُمْ وَيُكَفِّرُ عَنكُم مِّن سَيِّئَاتِكُمْ وَاللّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ) (البقرة: 271)؛ فالآية تقرر مشروعية إبداء الصدقة، وتبين فضل الإخفاء في موضعه، والعبرة بمراعاة الإخلاص والمصلحة وطبيعة العمل.

وهنا يتجدد سؤال نافع بن جبير بصورة معاصرة: هل أشارك في الخير لأن الخير يستحق أن يُفعل، أم لأن الآخرين سيشاهدون مشاركتي؟

ومن الوسائل العملية لحماية النفس ألا يجعل المرء تصوير العمل أو نشره جزءًا لازمًا من شعوره بالإنجاز، وأن يعتاد بذل الخير ولو بقي بعيدًا عن الجمهور.

فليست كل فضيلة بحاجة إلى شاهد من الناس، ولا كل إحسان بحاجة إلى إعلان.

كيف نربي الأطفال على فعل الخير لذاته؟

إذا كان حب الظهور قابلًا للتسلل إلى النفوس، فإن مقاومته تبدأ من التربية اليومية؛ فالطفل الذي يُربط كل إنجاز عنده بالمديح العلني قد يعتاد طلب المكافأة الاجتماعية قبل أن يتعلم حب الخير لذاته، والطالب الذي لا يُحتفى إلا بإنجازه الظاهر قد لا يقدر أهمية الأمانة في العمل الخفي، والموظف الذي لا يجد الاعتراف إلا عبر الاستعراض قد ينصرف تدريجيًا عن الجهد الذي لا يراه أحد.

ولا يعني هذا الاستغناء عن التشجيع؛ فالثناء الصادق من وسائل التربية النافعة، لكن أثره يختلف باختلاف ما يرسخه في النفس.

ومن هنا ينبغي أن يتعلم الناشئة أن للخير قيمة حتى لو لم يصفق له أحد، وأن أداء الواجب لا يتوقف على حصول صاحبه على التقدير.

كيف يمنحك الإخلاص استقلالية وثباتًا نفسيًا حقيقيًا؟

ثمة معنى يجمع هذه الأبعاد جميعًا، وهو أن الإخلاص يحرر الإنسان من الارتهان الدائم لتقييم الآخرين؛ فمن جعل رضا الناس غايته النهائية عاش موزعًا بين توقعاتهم، يخاف غيابهم عن لحظات نجاحه، ويضطرب إذا لم يلتفتوا إلى إحسانه.

أما من جعل مراقبة الله أصلًا في سلوكه، فإنه يكتسب قدرة أكبر على الثبات؛ لأنه يعمل وفق معيار لا يتوقف على تقلب المزاج الاجتماعي.

وهذه الحرية لا تعني الاستغناء عن الناس أو إهمال حقوقهم، بل تعني إقامة العلاقة معهم على أساس صحيح؛ فيحبهم ويواسيهم ويحسن إليهم، دون أن يجعل ثناءهم مصدر القيمة الوحيد لأعماله؛ ولهذا كان الإخلاص مصدر قوة أخلاقية، وليس مجرد شأن تعبدي خاص.

ومن هنا نفهم أن تهذيب النية ليس عملًا ينتهي بقرار واحد، بل مجاهدة تتجدد مع تغير الأحوال وازدياد المكانة واتساع دائرة العلاقات.

السؤال الإيماني الذي يختبر صدق مقاصدك دائماً

لم يحتج نافع بن جبير إلى خطبة طويلة ليكشف عن أحد أخطر أدواء السلوك الإنساني؛ فقد وضع بكلمات معدودة يدَه على موضع الخلل، حين يتحول أداء الحق إلى طلب المكانة، وتصبح العبادة وسيلة لاكتساب رضا الناس.

ومن خلال موقفه يتبين أن الإخلاص لا ينفصل عن بناء الشخصية، ولا عن سلامة العلاقات الاجتماعية، ولا عن أخلاق القيادة، ولا عن التربية على الأمانة والصدق.

ولذلك، فإن السؤال الذي يتركه نافع بن جبير في ضمير قارئه لا يتعلق بالجنازة وحدها، بل يمتد إلى كل عبادة ومبادرة وموقف: هل كنت سأفعل هذا الخير لو لم يرني أحد؟ إنه سؤال صغير في ألفاظه، كبير في أثره، وحين يصدق الإنسان في الإجابة عنه، يبدأ في استعادة المعنى الذي أراد نافع حراسته: أن يبقى العمل الصالح لله، ولو رآه الناس جميعًا، وأن يظل القلب متعلقًا بخالقه، ولو لم يره من الخلق أحد.

الهوامش
  • 1 نافع بن جبير بن مطعم بن عدي بن نوفل بن عبد مناف بن قصي، الفقيه، الإمام الحجة أبو محمد وقيل: أبو عبدالله القرشي النوفلي المدني، أخو محمد بن جبير.
  • 2 سير أعلام النبلاء، ج4، ص542.
  • 3 متفق عليه، رواه البخاري في أول صحيحه، ومسلم.
  • 4 رواه البخاري (47).
  • 5 رواه أحمد في المسند، وهو حديث حسنه عدد من أهل العلم.
الرابط المختصر :

اترك تعليقاً

التعليقات (0)

لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلق!

تابعنا

الرئيسية

مرئيات

جميع الأعداد

ملفات خاصة

مدونة