محطات إيمانية في طريق التربية..

حيّ على الصلاة

رجل_وأسرته_يتجهون_إلى_المسجد

«حيّ على الصلاة» هي راحة المؤمنين، وسبيل المتقين، وجَنّة الخاشعين، فيها يُلقُون همومهم عن أكتافهم وقد أثقلتهم، وبها يضع الله تعالى عنهم أوزارهم وذنوبهم التي أغرقتهم، تحيا بها النفوس التي كادت أن تموت وقد أحاطت بها الشهوات من كل جانب، ويقوَى بها العبد ويحتمي حين يقترب من ربه ومولاه،

فهي الحصن الحصين من مكائد الشياطين؛ إنسهم وجنهم، لا تُترَك في الليل ولا في النهار، ولا تُهمَل في السفر ولا في الحضر، بل يؤديها المسلمون في كل حال؛ في الصحة والمرض، والأمن والخوف، والفرح والحزن؛ فيطهر بها ظاهرهم، وينقَى بها باطنهم، وتتأدب بها جوارحهم؛ فيخرجون منها وقد طهروا ونُقوا وهُذِّبوا وصاروا أبرارًا صالحين.

إنها الصلاة

إنها الصلاة، العبادة الوحيدة التي فُرضت علينا في السماء في رحلة معراج الرسول صلى الله عليه وسلم إلى السماوات العُلا، وهي العبادة المميزة التي لا تسقط عن المسلم ما دام مكلفًا، فمهما اختلفت أحوالنا فإن علينا أن نصلي ونداوم على صلاتنا إلى أن نلقى الله عز وجل.

وهي العبادة التي تصل العبد بربه، أينما كان العبد ومتى أراد وكيفما استطاع، يدعوه الله تعالى إليه كل يوم حين ينادي بها المنادي في كل أذان ويكررها أن: «حيّ على الصلاة، حيّ على الصلاة.. حيّ على الفلاح، حيّ على الفلاح»، فيستجيب المؤمن ويسعى إلى الصلاة والفلاح.

أما من انشغل عنها فلم يجب النداء وتأخر وسوَّف، فإن الله تعالى يدعوه أن أقبل قبل فوات الفرصة وذهاب المهلة، فإذا أقبل العبد وتاب فإن الله تعالى لا يحجبه عن بابه، بل يقبله في كل أحواله؛ فهو سبحانه رحيم؛ يجيب دعاء من سأله وناداه ولا يرد طالبًا؛ ويفتح أبواب التوبة للجميع، ويؤمِّن خوف من لجأ إليه وطلب عنده الأمان، ففي الصلاة إقبال من العبد على ربه سبحانه، وطلب مغفرته وعفوه ورضوانه.

وفي الصلاة نجدد صلتنا بالله خمس مرات على الأقل في اليوم والليلة، ونسجد له ونقترب، فنشرف بالوقوف بين يديه، فهي لكل مسلم مكلف، وليست للغني دون الفقير، ولا للرجال دون النساء، ولا للعربي دون الأعجمي، ولا لجنس دون جنس، بل للمسلمين كافة، فالمقياس عند الله تعالى مختلف، والعباد أمامه سواسية، وأكرمهم عنده أتقاهم له وأكثرهم خشية منه، وأدومهم صلة وتقربًا إليه، وهذا منتهى التشريف وغاية التكريم من الله لعباده المؤمنين.

وما أعظم الصلاة حين تكون مطهرة للعبد من ذنوبه، مكفرة لسيئاته! وقد ذكر النبي صلى الله عليه وسلم ذلك لأصحابه فقال: «أرأيتم لو أن نهرًا بباب أحدكم يغتسل منه كل يوم خمس مرات، هل يبقى من درنه شيء؟»، قالوا: «لا يبقى من درنه شيء»، قال: «فذلك مثل الصلوات الخمس، يمحو الله بهن الخطايا» (رواه البخاري)، وقال: «إن العبد إذا قام يصلي أُتي بذنوبه كلها، فوُضعت على رأسه وعاتقيه، فكلما ركع أو سجد تساقطت عنه» (رواه الطبراني).

أحوال المسلم.. والصلاة

إن الصلاة تشمل حياة المسلم كلها، فإنه إذا فرح صلى شكرًا لله على نعمته، وإذا أتم عبادته فإنه يصلي فرحًا بفضل الله عليه وعونه على إتمامها كما في صلاة العيدين، وقد جاء عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه قال: «كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يخرج يوم الفطر والأضحى إلى المصلى، فأول شيء يبدأ به الصلاة» (رواه البخاري).

وإذا حزن المسلم لضر مسّه أو بلاء أصابه فإنه يصلي ليذهب الله حزنه، لا سيما حين يناجيه داعيًا بتضرع وانكسار، يشكو حاله إليه وحده، وليس كما يفعل البعض على وسائل التواصل الاجتماعي من إظهار التشكي والتذمر من أقدار الله، وعرض الابتلاء علانية وإفشائه على الملأ، وذرف دموع البكاء والتباكي عبر الرسائل والصور! وتالله ما هذا بحال المصلين الخاشعين! وإنما يجب عليهم الاقتداء بالنبي صلى الله عليه وسلم الذي كانت قرة عينه وراحة نفسه في الصلاة، وكان يقول: «يا بلال، أقم الصلاة، أرحنا بها» (رواه أبو داود).

وإذا أذنب المسلم صلى لله توبة وأوبة، طالبًا المغفرة منه، فهو الغفور الرحيم، وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم: «ما من عبد يذنب ذنبًا فيتوضأ، فيحسن الطهور، ثم يقوم فيصلي ركعتين، ثم يستغفر الله بذلك الذنب، إلا غُفر له» (رواه أبو داود).

وإن همّ بأمر من أمور حياته المختلفة، فإنه يصلي ليستخير الله تعالى، طالبًا منه أن يختار له خير الأمور وييسر له طريقها، كما قال النبي صلى الله عليه وسلم: «إذا همّ أحدكم بالأمر فليركع ركعتين من غير الفريضة، ثم ليقل: اللهم إني أستخيرك بعلمك..» (رواه البخاري).

وإذا قام من الليل صلى صلاة القيام التي يخلو فيها بربه عز وجل، قال النبي صلى الله عليه وسلم: «أفضل الصلاة بعد الصلاة المكتوبة الصلاة في جوف الليل» (رواه مسلم)، وكذلك يصليها في رمضان مع جماعة المسلمين في المسجد (صلاة التراويح).

كما أن المسلم يصلي طالبًا الغوث من ربه وحده، فهو القادر على كل شيء في هذا الكون وبيده الملك كله؛ فإذا أمسكت السماء عن الماء بأمر ربها واحتبس المطر عن الأرض، وعمّ الجدب والقحط، صلى المسلمون للاستسقاء طلبًا للغيث والرحمة، يدعون ربهم أن يرسل السماء عليهم بالماء المدرار المبارك، وقد علمنا النبي صلى الله عليه وسلم ذلك، فعن عبدالله بن زيد أن رسول الله صلى الله عليه وسلم «خرج إلى المصلى يستسقي، فاستقبل القبلة، وقلب رداءه، وصلى ركعتين» (رواه النسائي).

وإذا كسفت الشمس أو حصل خسوف للقمر فزع المسلمون إلى الصلاة، وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم: «إن الشمس والقمر آيتان من آيات الله، لا ينكسفان لموت أحد ولا لحياته، فإذا رأيتموهما فادعوا الله وصلوا حتى ينجلي» (رواه البخاري).

ففي الصلاة أمان للخائف وراحة للمهموم، وقد جاء عن حذيفة بن اليمان رضي الله عنه: «كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا حزبه أمر صلى» (رواه أبو داود).

ميزان الإيمان

والصلاة وصية النبي صلى الله عليه وسلم لأمته، فعن علي بن أبي طالب رضي الله عنه قال: «كان آخر كلام رسول الله صلى الله عليه وسلم: الصلاةَ الصلاة!» (رواه أبو داود)، فهي الركن الثاني من أركان الإسلام، والفريضة العظيمة التي لا يتم إسلام العبد بغيرها، جعلها الله تعالى وقاية للمسلم، وقال: (إِنَّ الصَّلَاةَ تَنْهَىٰ عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنكَرِ) (العنكبوت: 45)، وجعلها عونًا على الثبات، فقال: (وَاسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلَاةِ وَإِنَّهَا لَكَبِيرَةٌ إِلَّا عَلَى الْخَاشِعِينَ) (البقرة: 45).

قال السعدي: «الصلاة التي هي ميزان الإيمان، وتنهى عن الفحشاء والمنكر، يُستعان بها على كل أمر من الأمور»، وقال ابن كثير: «فإن الصلاة من أكبر العون على الثبات في الأمر».

فهل بعد ذلك يتركها البعض ولا يصلي؟! وهل يهملها أو يقصر في أدائها والمؤذن ينادي ويصدح بها كل يوم دون غيرها من العبادات؟!

حيّ على الصلاة

إن العلاقة بين المسلم المكلف والصلاة يجب ألا تنقطع عنه، فهي لا تنفك عنه إلا بالموت، وحينئذ يكون آخر عهده بالصلاة، لكنه لن يصلي بنفسه هذه المرة، بل يُصلَّى عليه!

فيا من تركت الصلاة، عُد إليها وصلِّ لربك وأقبل؛ فإنه سبحانه يقول: (وَإِنِّي لَغَفَّارٌ لِمَن تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ صَالِحًا ثُمَّ اهْتَدَىٰ) (طه: 82).

ويا من لا تواظب على الصلاة، هيا داوم عليها، فإن الله تعالى يقول: (حَافِظُوا عَلَى الصَّلَوَاتِ وَالصَّلَاةِ الْوُسْطَىٰ وَقُومُوا لِلَّهِ قَانِتِينَ) (البقرة: 238)، والنبي صلى الله عليه وسلم يقول: «إن أول ما يحاسب به العبد يوم القيامة من عمله صلاته» (رواه الترمذي).

ويا من تؤخرها عن وقتها، لا تضيعها، فقد قال النبي صلى الله عليه وسلم: «قال الله تعالى: إني فرضت على أمتك خمس صلوات، وعهدت عندي عهدًا أنه من جاء يحافظ عليهن لوقتهن أدخلته الجنة..» (رواه أبو داود).

ويا من تصلي بطريقة غير صحيحة، لا تفسد صلاتك بذلك، وتعلّم فقه الصلاة حتى تصلحها، فالعلم قبل العمل، وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم: «صلوا كما رأيتموني أصلي» (رواه البخاري).

ويا من تُسرع في صلاتك، تمهّل، فأنت بين يدي الله عز وجل، وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم: «أسوأ الناس سرقة الذي يسرق من صلاته، لا يتم ركوعها ولا سجودها ولا خشوعها» (رواه أحمد).

أما أنت يا من تحافظ على صلاتك، فاشكر الله تعالى الذي وفقك وأعانك، وادعه أن يثبتك ويتقبل منك، وأبشر بفضل الله، فقد قال سبحانه: (قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ {1} الَّذِينَ هُمْ فِي صَلَاتِهِمْ خَاشِعُونَ) (المؤمنون)، وقال النبي صلى الله عليه وسلم: «ما من امرئ مسلم تحضره صلاة مكتوبة، فيحسن وضوءها وخشوعها وركوعها، إلا كانت كفارة لما قبلها من الذنوب، ما لم تؤت كبيرة، وذلك الدهر كله» (رواه مسلم).

الرابط المختصر :

اترك تعليقاً

التعليقات (0)

لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلق!

تابعنا

الرئيسية

مرئيات

جميع الأعداد

ملفات خاصة

مدونة