تأملات في التفسير القرآني
خَطَرَات قرآنية (2)
هذه خطرات قرآنية، وثمرة من ثمار التدبر والنظر، حول قوله تعالى: (إِنَّهُۥ لَا يَاْيۡـَٔسُ مِن
رَّوۡحِ ٱللَّهِ إِلَّا ٱلۡقَوۡمُ ٱلۡكَٰفِرُونَ) (يوسف: 87).
إن الدفع إلى
اليأس أعظم من الدفع إلى الذنب، ولهذا حذر القرآن من اليأس واعتبره قرين الكفر،
ولم يذكر ذلك بالنسبة إلى الذنب مهما كان.. لهذا شرع القرآن التوبة الفردية ودفع
إليها دفعًا، ولا يستطيع مدعٍ أن يقول بإغلاقه، فإغلاقه - حسب التوهم- يؤدي إلى
استمراء الانحطاط في النفس والمجتمع.
من ناحيةٍ أخرى
فإن تهيئة مُناخ التوبة للأفراد أمرٌ واجبٌ، بل هو أوجب الواجبات لتحقيق الهداية،
أما إفساد هذا المناخ فهو من الكبائر العظيمة.
خطرات قرآنية حول قوله تعالى: (لا يستوي) و(يَوۡمٖ ذِي مَسۡغَبَةٖ):
قاعدةٌ قرآنيةٌ
أصيلةٌ هي: (لَّا يَسۡتَوِي) وهي كما فهمناها تحدد معيارية التفاضل. وهو ما يترتب
عليه معيارياتٌ أخرى منها: معيارية المسئولية أمام الناس وأمام الله، والمعيارية
التي تخص الباحث المنتمي هنا هي: (هَلۡ
يَسۡتَوِي ٱلَّذِينَ يَعۡلَمُونَ وَٱلَّذِينَ لَا يَعۡلَمُونَۗ إِنَّمَا
يَتَذَكَّرُ أُوْلُواْ ٱلۡأَلۡبَٰبِ) (الزمر: 9)، (وَٱلَّذِينَ أُوتُواْ ٱلۡعِلۡمَ
دَرَجَٰتٖ) (المجادلة: 11).
إن التفضيل هنا
وجهٌ من وجوه (لَّا يَسۡتَوِي) لكنَّ الوجه الآخر لتلك المعيارية هو "
المسئولية" أمام "الناس" وأمام "الله"، وهي مسئولية عظمى
لا يجادل فيها أحدٌ، فالعمل الصالح للباحث المنتمي يرتبط بحبلين (حبل الناس) و(حبل
الله)، وحبل الناس يرتبط فيهم ولهم بفكرة "النفعية"
فالعمل الصالح
لابد وأن ينفع الناس، وفكرة النفع ذاتها ترتبط بفكرة "تلبية الحاجة" لدى
"الناس" إذ لا معنى لعمل صالح لا ينفع الناس، ولا معنى لـ"
نفعٍ" ما لم يلبِ "حاجةً" حقيقةً للناس، وهو ما عبر عنه القرآن
بقوله: (أَوۡ إِطۡعَٰمٞ فِي يَوۡمٖ ذِي مَسۡغَبَةٖ)
(البلد: 14) فالإطعام
شيءٌ نافعٌ - في ظاهره- لكنَّ نفعه الأكثر يكون في (يَوۡمٖ ذِي مَسۡغَبَةٖ ) ذي
جوعٍ شديدٍ..
ولهذا أيضًا ربط
-جل شأنه- حالةً عظيمةً هي التكذيب بالدين وبين عدم الحض على طعام المسكين: (فَذَلِكَ الَّذِي يَدُعُّ الْيَتِيمَ {2}
وَلَا يَحُضُّ عَلَى طَعَامِ الْمِسْكِينِ) (الماعون).
خطرات قرآنية حول قوله تعالى: (لِّيُخۡرِجَكُم مِّنَ ٱلظُّلُمَٰتِ إِلَى ٱلنُّورِ) (الحديد: 9):
يعيش الإنسان
المعاصر عصرًا يشبه عصر النزول الأول للقرآن "عصرًا من الظلمات" رغم ما
فيه من تقدمً تكنولوجيٍّ وصناعيٍّ وعلميٍّ لا يخفى على أحدٍ، لكنه أعاد الإنسان
إلى عصورٍ ساحقةٍ من الظلمات اختفى فيها نور السماء ونور الحق، حيث غابت الإنسانية
عن الإنسان، وحلت قوانين الغابة، ودخل العالم في طغيانٍ ماديٍّ غير مسبوقٍ على وجه
البسيطة، مظاهره ترصدها الكتابات الاحتجاجية داخل الحضارة المعاصرة نفسها التي
أدخلت الإنسان إلى أنفاقٍ مظلمةٍ: بيئيةٍ وقانونيةٍ وأخلاقيةٍ واقتصاديةٍ وسياسيةٍ
وثقافيةٍ واجتماعيةٍ.
وقد جاء القرآن
لمعالجة وإصلاح هذه المآلات للبشرية محرِّرًا لها؛ ليخرجها من الظلمات جميعها إلى
النور الكامل:
1- من ظلمات
الطبقية إلى نور المساواة: (يَا
أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُم مِّن ذَكَرٍ وَأُنثَىٰ وَجَعَلْنَاكُمْ
شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا ۚ إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِندَ اللَّهِ
أَتْقَاكُمْ) (الحجرات: 13).
2- من ظلمات
الاستبداد إلى نور العدالة: (يَا
أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ بِالْقِسْطِ شُهَدَاءَ لِلَّهِ
وَلَوْ عَلَىٰ أَنفُسِكُمْ أَوِ الْوَالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ) (النساء: 135).
3- من ظلمات
العبودية إلى نور الحرية: (لَا
إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ) (البقرة: 265).
4- من ظلمات
الفقر والإفقار إلى نور الغنى والاغتناء: (هُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ ذَلُولًا فَامْشُوا فِي
مَنَاكِبِهَا وَكُلُوا مِن رِّزْقِهِ) (الملك: 15).
5- من ظلمات
التردي والانحطاط القيَمي إلى نور الريادة والشهادة: (كُنتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ
تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ)
(آل عمران: 110).
6- من ظلمات
الإصر إلى نور التخفيف ورفع الحرج: (الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الرَّسُولَ النَّبِيَّ الْأُمِّيَّ الَّذِي
يَجِدُونَهُ مَكْتُوبًا عِندَهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَالْإِنجِيلِ يَأْمُرُهُم
بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَاهُمْ عَنِ الْمُنكَرِ وَيُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّبَاتِ
وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبَائِثَ وَيَضَعُ عَنْهُمْ إِصْرَهُمْ وَالْأَغْلَالَ
الَّتِي كَانَتْ عَلَيْهِمْ) (الأعراف: 157).
التعليقات (0)
لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلق!
اترك تعليقاً