...

دلالات تصاعد العدوان على «الأقصى» في موسم الأعياد

اعتدنا مع كل موسم أعياد عبرية أن يتصاعد العدوان على المسجد الأقصى المبارك كماً ونوعاً، فالمسار التصاعدي للاعتداءات والاقتحامات أصبح سمة واضحة خلال السنوات العشر الماضية، حتى بات بالإمكان القول: إن الوضع القائم في المسجد الأقصى تغير بالفعل على أرض الواقع ولم يعد كما كان عليه الأمر سابقاً بأي شكل من الأشكال.

وكان موسم الأعياد الأخير الذي مر على «الأقصى» مع رأس السنة العبرية ويوم الغفران وعيد العُرش وانتهاءً بذكرى عملية «طوفان الأقصى» بالتقويم العبري (التي تصادف اليوم التالي لما يسمى عيد فرحة التوراة الذي يأتي مع نهاية عيد العُرش) مثالاً حياً على تصاعد وتيرة هذه الاعتداءات وارتفاعها بشكل دراماتيكي من حيث العدد والنوع.

أرقام قياسية لمقتحمي «الأقصى»

من ناحية العدد، كان هذا الموسم قد شهد تسجيل أكبر عدد من المقتحمين في هذا الموسم منذ الاحتلال، وهذا الأمر أصبح شائعاً في الفترة الأخيرة مع كل موسم أعياد، إذ دأبت جماعات المعبد المتطرفة على العمل بكل قوتها مع كل موسم لتسجيل أرقام قياسية للمقتحمين، بحيث تثبت لنفسها أولاً وللمسلمين ثانياً أن وجود المستوطنين داخل المسجد الأقصى والتصاعد المُطَّرد في أعداد المقتحمين أصبح سِمةً تطبع كل موسم اقتحاماتٍ في كل عام.

ولذلك، فإن تسجيل وإحصاء أعداد المقتحمين وارتفاعهم بالمقارنة مع السنوات الماضية تحول الآن إلى أسلوبٍ تريد منه جماعات اليمين المتطرف في دولة الاحتلال أن تستعرض قوتها المتزايدة في الشارع الصهيوني وقدرتها على استقطاب المزيد من العناصر وإقناعهم بتجاوز فتوى الحاخامية الكبرى لدولة الاحتلال بتحريم دخول منطقة المسجد الأقصى لاعتبارات الطهارة المفقودة حسب رؤيتها الدينية.

وبذلك، فإن إحصاء أعداد المقتحمين اليومية في المسجد الأقصى أصبح سلاحاً لدى هذه الجماعات في حربها النفسية على المسلمين في القدس وخارجها، تحاول من خلاله أن تثبت تعاظم قوتها في مقابل تراجع الجانب الإسلامي داخل الأقصى من حيث العدد كذلك.

وفي هذا السياق، لاحظنا خلال موسم اقتحامات هذا العام أن الاحتلال أقدم فعلياً على التطبيق الحرفي لمفهوم التقسيم الزمني لـ«الأقصى» بكل تفاصيله، إذ حرص على ألا يزيد عدد المسلمين داخل المسجد خلال فترات الاقتحامات على حوالي 50 مسلماً فقط ما بين حارس وموظف ومصلٍّ، وذلك في مقابل ما يصل إلى 1200 مستوطن كانوا يتجمعون في نفس اللحظة داخل المسجد بسبب إجراءات شرطة الاحتلال التي شجعت وجودهم بهذه الأعداد الكبيرة.

والفارق الهائل في العدد غير المسبوق في تاريخ المسجد الأقصى، ويثبت أننا أمام واقع جديد يكاد يكون «استسلامياً» في الطرف المسلم، وأجدني مضطراً لذكر هذا التعبير مهما بدت هذه الكلمة قاسية! فليس هناك معنى فعلي لأن يتوافد إلى المسجد الأقصى يوم الجمعة أكثر من 40 إلى 5 ألف مصلٍّ لأداء صلاة الجمعة في مقابل ما لا يزيد على 50 شخصاً فقط في أوقات الاقتحامات إلا الاستسلام لهذا الواقع الذي يريد الاحتلال فرضه على المقدسيين والفلسطينيين والمسلمين جميعاً، فيصبح للمستوطنين أيامهم، وللمسلمين أيامهم، لا يحاولون الوصول لـ«الأقصى» في الأوقات التي يمنعهم فيها الاحتلال، ولو افترضنا في يومٍ واحد من أيام الاقتحامات الكبرى للمستوطنين أن 40 ألف مسلمٍ تجمعوا وأصروا على دخول المسجد الأقصى، فإن الاحتلال يومها سيواجه أزمة حقيقية.

أما وقد رأى الاحتلال منا ما يعتبره هو قبولاً بالأمر الواقع وعدم محاولة الاصطدام بهذا الأمر الواقع، فإنه سيتمادى في إجراءاته وسيحاول الزيادة عليها لأنها ستصبح في نظره «الوضع القائم» الجديد الذي ينشئ فيه الاحتلال لنفسه حقاً بالاستفراد بالمسجد الأقصى في أوقاتٍ محددة وأيامٍ محددة.

وهذه في الحقيقة مسؤولية القيادات السياسية والمجتمعية أولاً، التي عليها أن تبث هذا الوعي بين الناس وتبين لهم ضرورة تأزيم الموقف في المسجد الأقصى في وجه الاحتلال بدلاً من محاولة الهرب من هذه المواجهة التي ليس منها بدٌّ لحماية المسجد الأقصى حقيقةً على الأرض لا بالشعارات والكلمات فقط.

تهويد ممنهج

وأما من حيث النوعية، فإن حرص الإرهابي إيتمار بن غفير على اقتحام المسجد الأقصى مرتين خلال هذا الموسم الديني وحرصه على قيادة الصلوات العلنية بنفسه داخل المسجد يثبت ما كنا نصرخ به دائماً؛ أن الاحتلال لن يقنع بمجرد الدخول إلى «الأقصى» والزيارة، كما ادّعى وزير الخارجية الأمريكي الأسبق جون كيري عام 2015م في تفاهماته المشهورة التي خدع بها العالم العربي للأسف في ذلك الوقت.

وإنما يريد الاحتلال أن ينشئ في «الأقصى» كنيساً، وتلك في نظره أيضاً مجرد مقدمة للسيطرة المطلقة على المسجد الأقصى وابتلاعه كاملاً كما فعل في المسجد الإبراهيمي في الخليل، الذي صمت العالم العربي والإسلامي على ابتلاعه شيئاً فشيئاً تحت حجة عدم إعطاء ذريعة للاحتلال ليكرر مجازره الوحشية بحق أهلنا في الخليل كمجزرة المسجد الإبراهيمي عام 1994م، لتكون النهاية قرار الاحتلال هذا العام نقل إدارة المسجد من الإدارة التابعة لوزارة الأوقاف الفلسطينية إلى المجلس الديني لمستوطنة كريات أربع، وهذا بالضبط ما يريده في المسجد الأقصى، ولكن للأسف بوتيرةٍ أسرع وأكثر تهوراً وحِدَّة.

وللعلم، فإن الخطوة الأخيرة التي ذكرناها أعلاه في المسجد الإبراهيمي تكاد تكون الآن واقعاً في المسجد الأقصى! إذ أنشأ الاحتلال ما يسمى «إدارة جبل المعبد» داخل «الأقصى» بشكل غير رسمي وبمبادرةٍ من بعض المستوطنين فقط، لكن المسؤولين في حكومة الاحتلال صاروا يتعاملون مع هذه الإدارة بشكل رسمي وكأنها إدارة فعلية معترف بها واقعياً على الأرض، فيما أصبح يتعامل مع الإدارة الحقيقية وهي دائرة الأوقاف الإسلامية في القدس على أن وظيفتها لا تتجاوز إدارة الوجود الإسلامي في المسجد الأقصى فقط لا غير، ويمنعها من التدخل في شؤون المستوطنين الذين يقتحمون «الأقصى» يومياً ولا سيما في أوقات مواسم الأعياد الدينية والاقتحامات الكبرى.

وهذا إن دل على شيء فإنما يدل على أن الاحتلال بات يتعامل مع «الأقصى» على أنه مقدس مشترك لا مقدس إسلامي، وهذه البداية فقط.

لقد صرح المجرم بن غفير بتصريح في غاية الخطورة في اقتحامه الأول خلال عيد العُرش هذا العام داخل «الأقصى»، حيث أعلن من داخل المسجد أن دولته انتصرت في حربها انطلاقاً مما حققته في المسجد الأقصى خلال الأعوام الأخيرة من تقدمٍ جعلَ صلاة المستوطنين في «الأقصى» أمراً عادياً مقبولاً علناً، وهذا التصريح في غاية الخطورة وكان ينبغي ألا يمر مرور الكرام على الساسة العرب والمسلمين وعلى الشعوب العربية والمسلمة، فالاحتلال يرى معركته في «الأقصى» أولاً وقبل كل شيء، وهذا هو الواجب في جانب أمتنا.

الحل واحد لا ثاني له، وهو بكل وضوح وصراحة: التأزيم، حتى وإن اضطر الشعب للذهاب إلى انتفاضةٍ ثالثةٍ، فتأزيم الموقف في «الأقصى» وفي القدس هو الطريقة الوحيدة لأن يشعر الاحتلال أن الاقتراب من المقدسات له ثمن مرتفع جداً لا يمكنه دفعه، وإلا فإن هذا الصمت القاتل سيكون إعلاناً صامتاً بالموافقة على تضييع المسجد الأقصى وتسليمه بالكامل لهؤلاء، وفي هذه الحالة فاقرأ على أمتنا السلام!


اقرأ أيضاً:

الوضع القائم في «الأقصى».. أبعاده ومدى خطورته

«الأقصى» يئن.. صعود الطقوس اليهودية وانعكاساتها

الأقصى في خطر.. خطة التيار "الخلاصي" الصهيوني للاستيلاء عليه


الرابط المختصر :

اترك تعليقاً

التعليقات (0)

لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلق!

تابعنا

الرئيسية

مرئيات

جميع الأعداد

ملفات خاصة

مدونة