روائع البيان في المراسلات النبوية (4)

رسالة النبي ﷺ إلى كسرى.. قراءة في بلاغة العزة ومنطق القوة

نستكمل في هذه السطور ما بدأناه في حلقاتنا السابقة من سلسلة «روائع البيان في الرسائل النبوية»، حيث طوفنا في رحاب الرسالة النبوية إلى النجاشي ملك الحبشة بآفاقها الوجدانية، ثم إلى هرقل عظيم الروم بوقارها ومحاججتها، وصولاً إلى المنذر بن ساوى ملك البحرين بوضوحها الفقهي والسياسي.

واليوم، نصل إلى الحلقة الرابعة التي تقف بنا أمام مشهد مغاير تماماً؛ مشهد يجمع بين قمة العزة الإيمانية في مقابل قمة الغطرسة البشرية، إنها رسالة النبي صلى الله عليه وسلم إلى كسرى أبرويز ملك الفرس، تلك الوثيقة التي لم تكن مجرد بلاغ ديني، بل كانت إعلاناً لنهاية عهد وبداية عهد، صيغت بكلمات هي أشبه بحد السيف في قطعها، وبنور الفجر في وضوحها.

أما نص الرسالة فقد قال محمد بن عمر الأسلمي: وكان مكتوباً فيه: «بسم الله الرحمن الرحيم، من محمد رسول الله (صلى الله عليه وسلم) إلى كسرى عظيم فارس، سلام على من اتبع الهدى، وآمن بالله ورسوله، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأن محمداً عبده ورسوله.

أدعوك بدعاية الله عز وجل، فإني أنا رسول الله إلى الناس كافة؛ لأنذر من كان حيًّا ويحقّ القول على الكافرين، أسلم تسلم، فإن أبيت فإنما عليك إثم المجوس» (السيرة الحلبية، 2/ 368).

يعلق د. محمد رجب البيومي على هذه الرسالة: أما رسالته إلى كسرى؛ فقد كان رسول الله يعلم تكبره وصلفه، ويعلم أن أقوى البراهين إقناعا لا يقابل منه بغير الغضب والاستعلاء، ولكنه ملزم بتبليغه؛ (إِنْ عَلَيْكَ إِلاَّ الْبَلاَغُ) (الشورى: 48) فلا بد أن تصل إليه رسالته فليجاهر إليه بدعوته، وليسمعه شيئا من القرآن وليحمله إزر المجوس إن أبى، كل ذلك في أسطر قليلة. (البلاغة النبوية، ص121).

وفيما يلي نعرض لأبرز دلائل البلاغة النبوية التي تمثل نموذجا في مراعاة المقال لمقتضى الحال.

السياق اللغوي والبناء الاستهلالي

بدأت الرسالة بالديباجة النبوية الثابتة: «بسم الله الرحمن الرحيم، من محمد رسول الله إلى كسرى عظيم فارس».

في هذا الاستهلال تكمن فلسفة الإسلام في التعامل مع الآخر القوي ذي المكانة في قومه؛ فالنبي صلى الله عليه وسلم لم يتجاهل مكانة كسرى السياسية، فوصفه بـ«عظيم فارس»، وهو استهلال يحمل تقديراً واقعياً لنفوذ الرجل لدى قومه، لكنه في الوقت ذاته ينزع عنه صفة الألوهية أو الملكية المطلقة التي كان الفرس يسبغونها على أكاسرتهم.

أما تقديم اسم النبي صلى الله عليه وسلم «من محمد رسول الله» على اسم المرسل إليه، فهو ليس مجرد ترتيب شكلي، بل هو تقديم استحقاق؛ فالمُرسِل يمثل السلطة المطلقة للخالق، والمُرسَل إليه هو بشر مهما علا شأنه، هذا الترتيب هو الذي أشعل فتيل الغضب في صدر كسرى؛ لأنه قرأ في تقديم الاسم إعلاناً بالسيادة، فكانت ردة فعله نابعة من إدراك بلاغي عميق لمعنى الترتيب في اللغة العربية؛ فقد روي أنه لما قرأ كسرى كتاب رسول الله صلى الله عليه وسلم مزقه، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «مزق الله ملكه» (ينظر: معرفة السنن والآثار للبيهقي، 13 / 350).

إستراتيجية السلام المشروط وبراعة الحجاج

يقول النبي صلى الله عليه وسلم في رسالته: «سلام على من اتبع الهدى، وآمن بالله ورسوله، وشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأن محمداً عبده ورسوله».

تتجلى هنا براعة الإيجاز بالشرط؛ إذ لم يلقِ النبي صلى الله عليه وسلم السلام على كسرى لشخصه، بل جعله سلاما معلقا على اتباع الهدى، وفي هذا أسمى مراتب النزاهة الإيمانية؛ فالسلام في المنطق النبوي ليس مجرد تحية دبلوماسية باردة، بل هو نتيجة لا تنفك عن الإيمان.

ثم ننتقل إلى الشهادتين التي وردت في الرسالة؛ حيث جاءت بتركيب لغوي يؤكد الوحدانية المطلقة «وحده لا شريك له»، وهذا تعريض مباشر بالعقيدة المجوسية القائمة على الثنوية (إله الخير وإله الشر)؛ فالبلاغة هنا لم تكن للتجميل، بل كانت لنسف المرتكزات العقائدية للطرف الآخر بأقل قدر من الكلمات.

شمولية الخطاب والقوة البلاغية للاقتباس

ثم يقول صلى الله عليه وسلم: «وأدعوك بدعاية الله؛ فإني أنا رسول الله إلى الناس كافة، لينذر من كان حياً ويحق القول على الكافرين»، ونلاحظ أن النبي صلى الله عليه وسلم استخدم لفظ دعاية الله، والدعاية هنا هي الدعوة بلسان العصر، ولكنها مضافة إلى الله لتعطي معنى الإلزام والشمول.

ثم يأتي الاقتباس القرآني ليعمق الهوة بين المنهج الإلهي والمنهج البشري من خلال:

المقابلة البلاغية: بين الحي والكافر، ففي هذا الموضع يرتفع البيان النبوي ليصف الإيمان بأنه هو الحياة الحقيقية، وأن الكفر مهما بلغ صاحبه من أبهة الملك وسلطان الجاه هو موت معنوي.

الإنذار: كلمة «لينذر» تعطي الرسالة طابع الجدية والصرامة؛ فهي ليست رسالة استعطاف، بل هي رسالة بلاغ وإقامة حجة.

الإعجاز الوجيز في «أَسْلِم تَسْلَم»

وصلت الرسالة إلى قمة التكثيف اللغوي في قوله صلى الله عليه وسلم: «فأسلم تسلم»؛ فهذه العبارة تعد درة التاج في البلاغة النبوية في رسائله كافة؛ فمن الناحية النحوية، نحن أمام فعل أمر «أسلم» وجواب طلب مجزوم «تسلم»، أما من الناحية البلاغية، فهذا مما يسمى الجناس الاشتقاقي الذي يربط بين الفعل والنتيجة برباط قدري.

إنها رسالة أمن قومي بمصطلحات العصر؛ فالسلامة (الدنيوية من زوال الملك، والأخروية من العذاب) رهينة بالدخول في الإسلام، لم يقل له أسلم وستكون بخير، بل اختصر المسافة الزمنية واللغوية ليجعل النتيجة ملتصقة بالسبب.

استحضار التبعية الأخلاقية والسياسية

ختم النبي صلى الله عليه وسلم رسالته بتحذير شديد اللهجة: «فإن أبيت فإن إثم المجوس عليك»، هنا نجد براعة في تحميل المسؤولية؛ إذ لم يقل له إثمك عليك، بل جعل إثم الرعية كلها في عنقه، وهذا نوع من الضغط الأدبي والسياسي، وتذكير لكسرى بأن القيادة ليست تشريفاً، بل هي تبعة ثقيلة، وكلمة المجوس هنا تحدد الهوية الدينية للمخاطب؛ وهو ما يشير إلى أن الإسلام جاء ليخرج الناس من ضيق النحل والملل إلى سعة التوحيد.

رد الفعل العاجز

حين قام كسرى بتمزيق الرسالة؛ فهو مارس فعلاً مادياً يدل على عجز لغوي وفكري؛ إذ لم يستطع كسرى الرد على الحجة بالحجة، فلجأ إلى العنف الرمزي وهو التمزيق.

وهنا يبرز الرد النبوي المعجز: «مزق الله ملكه»، ففي هذا الدعاء مشاكلة لغوية بارعة؛ فالفعل الذي اختاره كسرى (التمزيق) هو نفسه الذي عوقب به، وكما تمزق الورق بتهور، تمزقت الإمبراطورية الساسانية تاريخياً، ولم تقم لها قائمة بعد ذلك.

إن رسالة النبي صلى الله عليه وسلم إلى كسرى تظل شاهداً على أن قوة الكلمة المستمدة من الحق تفوق قوة الجيوش الجرارة، لقد كانت رسالة النبي صلى الله عليه وسلم لكسرى هي الحلقة الأشد في سلسلة المراسلات النبوية؛ لأنها واجهت أكبر غطرسة بشرية في ذلك العصر، فكان الرد البلاغي فيها موازيا لهذا الطغيان: حاسما، موجزا، قاطعا كالقضاء المحتوم.

 


اقرأ أيضاً:

رسالة النبي للنجاشي.. حينما تحاور البلاغةُ القلوبَ قبل العقول

رسالة النبي ﷺ لهرقل.. حين تذعن الفصاحة لعظمة الوحي

بلاغة الاستيعاب في رسالة النبي ﷺ للمنذر ملك البحرين

الرابط المختصر :

اترك تعليقاً

التعليقات (0)

لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلق!

تابعنا

الرئيسية

مرئيات

جميع الأعداد

ملفات خاصة

مدونة