زياد بن أبيه بين الحزم والبطش: قراءة تاريخية وأخلاقية

زياد بن أبيه بين الحزم والبطش: قراءة تاريخية وأخلاقية

أورد الذهبي في ترجمة زياد بن أبيه قَول أَبي الشَّعْثَاءِ: «كَانَ زِيَادٌ أَفْتَكَ مِنَ الحجَّاج لِمَنْ يُخَالِفُ هَوَاهُ»(1).

هذا القول ليس مجرد رواية تاريخية، بل هو مقياس لدرجة البطش، حيث جُعل الحجاج بن يوسف الثقفي (أيقونة البطش) مجرد معيار لقياس مدى فتك زياد بن أبيه!

إن قراءة هذه العبارة لا ينبغي أن تقف عند حد المقارنة بين رجلين من رجال السياسة الأموية، بل تتجاوزها إلى سؤال أوسع: كيف يمكن للقدرة الإدارية والذكاء السياسي أن ينقلبا إلى أداة قهر إذا انفصلت القوة عن العدل، والحزم عن التقوى، وإدارة الدولة عن مراقبة الهوى؟ فزياد بن أبيه شخصية مركبة في التاريخ الإسلامي؛ جمع بين الفصاحة والدهاء وقوة الإدارة، وكان في الوقت نفسه موضع نقد شديد بسبب سياسته القاسية في العراق.

لماذا احتاجت الدولة الأموية لحزم زياد بن أبيه بالعراق؟

ظهر دور زياد بن أبيه في مرحلة حساسة من التاريخ الإسلامي، بعد انتقال الدولة الأموية إلى مرحلة تثبيت الحكم عقب الفتن الكبرى التي أعقبت مقتل عثمان رضي الله عنه وما تلاه من صراعات سياسية، وكان العراق آنذاك من أكثر الأقاليم اضطرابًا؛ ففيه الخوارج، وأنصار الحركات المعارضة، وامتدادات الصراع السياسي القديم، ولذلك احتاجت الدولة الأموية إلى والٍ قادر على ضبط الإقليم شديد التعقيد.

وقد برز زياد بن أبيه بوصفه رجل دولة قوي الإدارة، مشهورًا بالخطابة والتنظيم والحزم، لكن المشكلة التاريخية التي تثيرها شخصية زياد ليست في أصل وجود الحزم؛ فالدول تحتاج إلى حفظ الأمن، وإنما في انتقال الحزم من خدمة النظام العام إلى خدمة إرادة الحاكم الشخصية، وهنا تظهر دلالة كلمة أبي الشعثاء: «لمن يخالف هواه»؛ فهي لا تصف مجرد تطبيق عقوبة على مجرم، بل تشير إلى الخطر حين يصبح معيار العقوبة هو مخالفة رغبة الإنسان لا مخالفة الحق، فالتاريخ لا يرفض قوة الدولة، لكنه يحذر من تحول القوة إلى أداة شخصية.

وفي السياق التاريخي لاحتياج الدولة إلى الحزم في إدارتها، نجد أن أمير المؤمنين عمر بن الخطاب قد اشترط شروطاً صارمة على عماله لضبط إدارتهم، حيث كان إذا استعمل عاملاً كتب له عهداً، وأشهد عليه رهطاً من المهاجرين، واشترط عليه ألا يركب برذوناً، ولا يأكل نقياً، ‌ولا ‌يلبس ‌رقيقاً، ولا يغلق بابه دون ذوي الحاجات، فإن فعل شيئاً من ذلك حلت عليه العقوبة(2).

كيف نميز بين شدة العدل وبطش الهوى؟

المعيار الشرعي في الحكم ليس مجرد القدرة على فرض القرار، بل العدل في استعمال القوة، قال الله تعالى: (يَا دَاوُودُ إِنَّا جَعَلْنَاكَ خَلِيفَةً فِي الْأَرْضِ فَاحْكُمْ بَيْنَ النَّاسِ بِالْحَقِّ وَلَا تَتَّبِعِ الْهَوَى ‌فَيُضِلَّكَ ‌عَنْ ‌سَبِيلِ اللَّهِ إِنَّ الَّذِينَ يَضِلُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ لَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌ بِمَا نَسُوا يَوْمَ الْحِسَابِ) (ص: 26)، فالآية جاءت في سياق خطاب داود عليه السلام في شأن الحكم والقضاء، وفيها أصل عظيم أن أخطر ما يفسد الحكم أن يصبح الهوى حاكمًا على ميزان الحق.

والفرق كبير بين قائد شديد لأنه يطلب إقامة العدل، وقائد شديد لأنه يريد إخضاع الناس لإرادته، فالأول يجعل القوة خادمة للمبدأ، والثاني يجعل المبدأ خادمًا للقوة.

ومن النماذج الفريدة التي جعلت القوة خادمة للمبدأ ما كان من أمر الخليفة الراشد عمر بن الخطاب رضي الله عنه، فقد شهد له حذيفة بن اليمان بأن شدته كانت مخلصة للحق والعدل بعيدة عن الهوى الشخصي، حيث قال: والله ما ‌أعرف ‌رجلًا ‌لا ‌تأخذه ‌في ‌الله ‌لومة لائم إلا عمر(3).

ولا يعني وصف زياد بالقوة أن كل تفاصيل سياسته يمكن اختزالها في حكم واحد، فالتاريخ السياسي مليء بتداخل المصالح والظروف، لكن النص محل البحث يركز على جانب محدد؛ خطر أن يتحول السلطان إلى انتقام شخصي، فالشرع لا يلغي هيبة الدولة، لكنه يمنع أن تكون الهيبة مبنية على الظلم.

خطورة خلط الأمانة القيادية بدافع إثبات الذات

من الجوانب التي تستحق التأمل في شخصية زياد قضية المكانة الاجتماعية والبحث عن الاعتراف، حيث كان زياد في بداية أمره موضع جدل بسبب نسبه، ثم استلحقه معاوية بن أبي سفيان رضي الله عنه في نسبه إلى أبي سفيان، فقد أورد الذهبي أَنَّ أَبَا سُفْيَانَ أَتَى الطَّائِفَ، فَسَكِرَ فَطَلَبَ بَغِيّاً، فَوَاقَعَ سُمَيَّةَ، وَكَانَتْ مزوَّجة بِعُبَيْدٍ، فَوَلَدَتْ مِنْ جِمَاعِهِ زِيَاداً، فلمَّا رَآهُ مُعَاوِيَةُ مِنْ أَفْرَادِ الدَّهْرِ، اسْتَعْطَفَهُ وَادَّعَاهُ، وَقَالَ: نَزَلَ مِنْ ظَهْرِ أَبِي(4)، وهذه مسألة تاريخية معروفة وقع فيها خلاف بين العلماء والمؤرخين.

وقد يرى بعض الباحثين أن التجارب المبكرة في حياة الإنسان قد تؤثر في طريقة تعامله مع السلطة والمكانة، لكن لا يصح الجزم بأن ذلك وحده كان سببًا مباشرًا لكل أفعاله؛ فالنفوس أعقد من عامل واحد.

غير أن الدرس النفسي هنا مهم: الإنسان الذي يجعل إثبات ذاته غايته الكبرى قد تتحول السلطة عنده من مسؤولية إلى وسيلة لتعويض داخلي.

ولهذا كان من أخطر أمراض القيادة أن يختلط الحق بالذات، فيصبح نقد القرار إهانة للشخص، وتصبح مخالفة الرأي تهديدًا للهيبة، فالقائد الذي لا يضبط نفسه قد يحول منصبه من أمانة إلى ساحة لإثبات الذات.

وقد حرص أمير المؤمنين عمر بن الخطاب على كسر كبرياء النفس وإذلالها حينما أحس بالغرور في السلطة، حيث حمل قربة على عنقه فقال له أصحابه: يا أمير المؤمنين، ما حملك على هذا؟ قال: ‌إن ‌نفسي ‌أعجبتني فأردت أن أذلها(5).

الإدارة بالخوف.. بين النجاح المؤقت والفشل العميق

قد تحقق القيادة القهرية نتائج سريعة؛ إذ تجعل الناس أكثر حذرًا وأقل اعتراضًا، لكنها لا تبني دائمًا مجتمعًا صحيًا، فالخوف قد يمنع الخطأ الظاهر، لكنه لا يصنع الانتماء، ولا يربي الضمير، ولا ينتج المبادرة.

وفي المؤسسات الحديثة يظهر هذا المعنى بوضوح؛ فالمدير الذي يعتمد الإهانة والتهديد قد يحصل على انضباط شكلي، لكنه غالبًا يخسر الصراحة والإبداع، فالموظفون يتعلمون إخفاء المشكلات بدل حلها.

ومن هنا، فإن قصة زياد تطرح سؤالًا قياديًا خالدًا: هل الهدف من القيادة أن يصمت الناس، أم أن يصلحوا؟ القائد الناجح لا يساوي بين القوة والغلظة، بل يجمع بين وضوح النظام وعدالة التطبيق وحفظ كرامة الإنسان، فالهيبة الحقيقية تأتي من العدل، لا من الخوف وحده.

كيف يصنع البطش مجتمعاً عاجزاً عن الإصلاح؟

من أخطر آثار الحُكم القائم على التخويف أنه يعيد تشكيل العلاقات الاجتماعية، فعندما يشعر الناس أن الخطأ السياسي أو الاختلاف قد يؤدي إلى عقوبة قاسية، ينشأ مجتمع يتجنب الكلام، لا لأنه مقتنع، بل لأنه خائف، وهذا يفسر لماذا كانت سياسات البطش عبر التاريخ تنتج أحيانًا هدوءًا ظاهريًا، لكنها تترك وراءها احتقانًا داخليًا.

وقد أشار القرآن إلى خطورة الاستبداد الذي يجعل الناس أسرى لإرادة فرد واحد، في قصة فرعون: (‌مَا ‌أُرِيكُمْ إِلَّا ‌مَا ‌أَرَى وَمَا أَهْدِيكُمْ إِلَّا سَبِيلَ الرَّشَادِ) (غافر: 29)، فالمشكلة ليست فقط في قوة الحاكم، بل في احتكار رؤية واحدة وإلغاء قدرة المجتمع على التصحيح، حيث إن المجتمع الذي يخاف من السؤال يفقد القدرة على الإصلاح.

لماذا اعتبر المؤرخون زياداً أفتك من الحجاج؟

تكمن قوة عبارة أبي الشعثاء في اختصارها الشديد، فهو لم يقل فقط: إن زيادًا كان شديدًا، بل وضعه في مقارنة مع الحجاج بن يوسف، وهو من أشهر رموز القسوة السياسية في الذاكرة التاريخية.

واستخدام صيغة «أفتك» يحمل معنى المبالغة، فيرسم صورة لرجل بلغت شدته حدّاً يجعل المقارنة نفسها صادمة، لكن البلاغة هنا ليست للتمجيد، بل للتنبيه؛ فالكلمة القصيرة تختزن سؤالًا أخلاقيًا كبيرًا: ماذا يحدث عندما تمتلك شخصية قوية أدوات الدولة دون حدود داخلية تضبطها؟ فقد تكشف جملة واحدة في كتب التاريخ مأساة عصر كامل.

خطورة بناء استقرار الدول على سلطة الفرد

من أكبر الدروس التي تقدمها هذه التجربة أن استقرار الدول لا يقاس فقط بغياب الفوضى، فقد يسود الهدوء في مجتمع ما بسبب قوة الردع، لكن الاستقرار الحضاري يحتاج إلى أكثر من ذلك؛ يحتاج إلى عدالة يشعر بها الناس، ومؤسسات تضبط القرار، وقواعد تتجاوز الأشخاص، ولهذا فإن بناء الدولة القوية لا يكون بتضخيم سلطة الفرد، بل بإقامة نظام يوازن بين الحزم والرحمة، وبين الأمن والحقوق، وهنا يمكن التأكيد على أن الدولة التي تعتمد على الشخص أكثر من النظام تبقى معرضة للاهتزاز.

ولهذا، حرص الخليفة عمر بن الخطاب رضي الله عنه عند تأسيس الدولة على المؤسسية في تنظيم حقوق الناس بعيداً عن المزاجية الفردية، حيث أنشأ الديوان، ‌وفرض ‌للمهاجرين ‌الأوَّلين 5 ‌آلاف، وللأنصار 4 آلاف، ولأُمَّهات المؤمنين 12 ألفًا(6)، ولم يجعل هذا مرتبطاً بشخصه، بل جعله نظاماً مؤسسياً عاماً.

الاختبار الأخلاقي.. كيف تتصرف حين تمتلك السلطة؟

القيمة الكبرى من دراسة الشخصيات التاريخية ليست إصدار الأحكام المجردة، بل استخراج العبر.

  • ففي الأسرة، قد يظهر زياد الصغير حين يجعل الأب أو المربي طاعته الشخصية معيار الصواب.
  • وفي التعليم قد يتحول المعلم إلى شخص يعاقب الطالب لأنه خالف رأيه لا لأنه أخطأ في السلوك.
  • وفي الدعوة قد يتحول الاختلاف العلمي إلى خصومة شخصية.
  • والدرس الأهم: ليس كل من امتلك القدرة على التأثير امتلك القدرة على العدل، فأعظم اختبار للإنسان ليس حين يكون ضعيفًا، بل حين يصبح قادرًا.

من خلال ما سبق، يتبين أن القدرة إذا لم يحكمها ميزان العدل فإنها تتحول إلى أداة للبطش والقهر، أما إذا احتكمت القوة إلى الحق والعدل فإنها تسهم في بناء أعظم الحضارات، فالقائد الذي يخاف الله يجعل الهيبة طريقًا إلى الإصلاح، أما الذي يجعل هواه معيارًا فقد يحول أعظم الطاقات إلى مصدر خوف وخراب.

الهوامش
  • 1 سير أعلام النبلاء (4/ 476).
  • 2 البداية والنهاية: ابن كثير (10/ 183).
  • 3 تاريخ الخلفاء: السيوطي، ص 98.
  • 4 سير أعلام النبلاء (4/ 475).
  • 5 تاريخ دمشق: ابن عساكر (44/ 318).
  • 6 تاريخ الإسلام: الذهبي (3/ 56).
الرابط المختصر :

اترك تعليقاً

التعليقات (0)

لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلق!

تابعنا

الرئيسية

مرئيات

جميع الأعداد

ملفات خاصة

مدونة