سطوة الاستشراق على العقل الأدبي العربي (3)

وصل ما انقطع

أشرنا في المقالة السالفة إلى إلحاح كثيرٍ من المستشرقين على رؤيةٍ واحدةٍ في قضيّة الكتابة لدى عرب الجاهلية، وهي القول بندرتها أو عدمها، وقد تسرّبت تلك الرؤية إلى الكتابات العربية التي أرّخت للأدب الجاهليّ، وإن أوقعها ذلك في التناقض؛ كأن يقول د. شوقي ضيف (العصر الجاهلي، ص139): «فالكتابة كانت معروفةً بل كانت شائعةً في الجاهليّة»، ثمّ يقول في الصفحة التي تليها: «والحقّ أنه ليس بين أيدينا أي دليل مادّي على أن الجاهليين اتخذوا الكتابة وسيلةً لحفظ أشعارهم، ربما كتبوا بها بعض قطعٍ أو بعض قصائد، ولكنّهم لم يتحوّلوا من ذلك إلى استخدامها أداةً في نقل دواوينهم إلى الأجيال التالية، فقد كانت وسائلها الصّعبة من الحجارة والجلود والعظام وسعف النخل تجعل من العسير أن يتداولها الشّعراء في حفظ دواوينهم».

والتناقض بين القولين واضحٌ، وإلّا فكيف تكون الكتابة شائعةً في الجاهلية، ولا تستخدم في حفظ أشعارهم، وهي أهمّ ما يعتزّون به ويتفاخرون، كما أنّ الشّعر ديوان العرب وسجلّ حياتهم؟!

وليس د.  شوقي ضيفاً وحيدًا في تأثّره بسطوة الرؤية الاستشراقيّة، فهذا د. عليّ الجنديّ يكاد يستخدم ألفاظ المستشرقين إذ يقول: «ولكنّ وجود الكتابة في زمانٍ أو مكانٍ، ليس معناه شيوعها، وانتشارها شأن كلّ شيءٍ في الوجود، فقد تكون موجودةً، ولكنّها قليلةٌ أو نادرةٌ، وذلك هو ما كان في العصر الجاهليّ؛ كانت الكتابة موجودةً ومعروفةً لديهم ولكنّها كانت بنسبةٍ قليلةٍ قد تصل إلى حدّ النّدرة أحيانًا» (تاريخ الأدب الجاهلي، ص205).

وهذا أحمد أمين يجعل من أسباب ضعف تأثّر العربيّ بالحضارات المجاورة «انتشار الأمية بين العرب إذ ذاك، حتّى ندر أن تجد فيهم القارئ الكاتب، إنّما كان المخالطون للفرس والرّوم ينقلون حكمًا أو قصصًا أو أمثالًا أو حوادث تاريخيةً ممّا يخفّ حمله على النّاقل، ومما يستطيع البدويّ ومن في حكمه أن يهضمه» (فجر الإسلام، ص39).

هذه أمثلةٌ فحسب –ودون استقصاءٍ– تؤكّد سطوة الرؤية الاستشراقية، وتسرّبها إلى العقل العربيّ، دون التفاتٍ إلى الرؤية المقابلة.

رؤيتان متعادلتان

إذا أردنا أن نضع القضيّة في حاقّ موضعها العلميّ والمنهجيّ؛ فثمّة رؤيتان فيما يتصل بأمر الكتابة في العصر الجاهليّ، ولكلّ رؤيةٍ أنصارها في القديم والحديث، ومن ثمّ فالرؤيتان متعادلتان، وكان الأولى أن نوفّق بينهما، وألّا نؤثر واحدةً منهما ونقصي الأخرى، ما دمنا لا نستطيع ترجيح إحداهما على الأخرى.

أمّا الرؤية الأولى؛ فهي إنكار معرفة عرب الجاهليّة للكتابة، سواءٌ أقصد أصحابها بذلك النفي المطلق، أم قصدوا التقليل أو النّدرة، ولهذه الرؤية أنصارٌ من القدماء، مثل الجاحظ، ومحمّد بن سعدٍ الزهريّ، وابن عبد ربه، وعبد القادر البغداديّ، ولها أنصارٌ كذلك من المحدثين، وفي مقدّمتهم المستشرقون الذين تبنّوا هذه الرؤية وألحّوا عليها، مثل: نولدكه، ومرجليوث، وشارل جيمس ليال، وبلاشير.. وغيرهم.

وثمّة رؤيةٌ ثانيةٌ تؤكّد معرفة عرب الجاهليّة للكتابة، وممارستهم إيّاها، وهي الرؤية التي تجنّبها المستشرقون وأهملوها، رغم كثرة القائلين بها من القدماء والمحدثين، فأمّا القدماء فمثل: أحمد ابن فارسٍ في قوله: «فإنّا لم نزعم أنّ العرب كلّها مدرًا ووبرًا قد عرفوا الكتابة كلّها والحروف أجمعها، وما العرب في قديم الزمان إلّا كنحن اليوم فما كلٌّ يعرف الكتابة والخطّ والقراءة..» (مصادر الشعر الجاهلي، ص47).

ويدعم قول ابن فارسٍ أقوالٌ متناثرةٌ أخرى؛ نحو قول البلاذريّ نقلًا عن الواقديّ: «كان الكتّاب في الأوس والخزرج قليلًا، وكان بعض اليهود قد علم كتاب العربيّة، وكان يعلّمه الصّبيان بالمدينة في الزمن الأوّل، فجاء الإسلام وفي الأوس والخزرج عدّةٌ يكتبون».

وذكر الطّبريّ أنه «حين نزل خالد بن الوليد الأنبار رآهم يكتبون العربية ويتعلّمونها»، وقال ياقوت: «إنّ خالداً بن الوليد لمّا خرج إلى عين تمرٍ وجدوا في كنيسةٍ صبيانًا يتعلّمون الكتابة في قريةٍ من قرى عين التمر يقال لها: النقيرة، وكان فيهم حمران مولى عثمان بن عفّان رضي الله عنه» (المرجع السابق، ص51).

كما أنّ هذه الرؤية لا تعدم من يتبنّاها من المحدثين، وفي مقدمتهم د. ناصر الدّين الأسد، ود. أحمد الحوفي، ود. محمّد رجب البيّوميّ؛ حيث يقول: «ومن أوضح الدّلائل على شيوع الكتابة بمكّة أنّ أسرى «بدرٍ» قد فدوا أنفسهم بأن يعلّم كلّ أسيرٍ عشرةً من أبناء الأنصار، وأنّ الله عزّ وجلّ حين قال: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ إِذَا تَدَايَنتُم بِدَيْنٍ إِلَى أَجَلٍ مُّسَمًّى فَاكْتُبُوهُ وَلْيَكْتُب بَّيْنَكُمْ كَاتِبٌ بِالْعَدْلِ) (البقرة: 282) إنّما أمر بذلك؛ لأنّ الكتابة من الذيوع واليسر بحيث تكون مجالًا ميسّرًا للتعاقد، فدعا إليها الإسلام، وإذا كان مؤرّخو السّيرة النّبوية قد أحصوا كتّاب الرسول صلى الله عليه وسلم فبلغوا بهم خمسةً وأربعين كاتبًا في كثيرٍ من الرّوايات..» (البلاغة النبوية، ص117).

ومن أجل ذلك قلنا: إنّ الرؤيتين متعادلتان؛ فلكلّ رؤيةٍ أنصارها وأدلّتها، ومن ثمّ يكون الإلحاح على رؤيةٍ دون إشارةٍ إلى وجود رؤيةٍ أخرى، أو ترجيحٍ ببراهين ساطعةٍ؛ مسلكًا بعيدًا عن التناول العلميّ المنهجيّ، وقد يحمل على الارتياب في بواعثه وغاياته.

تساؤلٌ مؤجّلٌ

ومثل هذا الإلحاح على غياب الكتابة في العصر الجاهليّ أو ندرتها؛ هو ما حملنا على أن نختم مقالتنا السّالفة بهذا التّساؤل: لم ألحّ بعض المستشرقين على ندرة الكتابة لدى الجاهليين، أو نفيها نفيًا تامًّا؟! وقد أجّلنا إجابة ذلك السؤال ريثما نقدّم –بإيجازٍ- وجهة النظر الأخرى التي أقصاها المستشرقون.

أما وقد وضعنا الرؤيتين أمام القارئ العربي؛ فإنّنا نقول: لقد تغيّا المستشرقون من تبنّي وجهة النظر الأولى (انعدام الكتابة في العصر الجاهليّ أو ندرتها)، والإلحاح عليها؛ أن يثبتوا أنّ الشّعر الجاهليّ وصلنا بطريقٍ وحيدةٍ ورئيسةٍ؛ وهي «الرّواية الشّفهيّة»، حتّى إذا تلقّى قراؤهم –والعرب في مقدّمتهم- ذلك الرأي بالقبول والتّسليم؛ انقلبوا يشكّكون في الرّواة وذاكرتهم، وحفظهم وعدالتهم، والغاية الكبرى وراء كلّ ذلك أن يثبتوا أنّ ما يسمّى بـ«الشّعر الجاهليّ» مكذوبٌ أو منحولٌ على الجاهليين، ولم يقولوه!

فإن كنت في شكٍّ ممّا أقول فهاك قول مرجليوث: «سؤالنا الأوّل يجب أن يكون: لنفترض أنّ هذا الأدب حقيقيٌّ، فكيف حفظ؟ لا بدّ أن يكون قد حفظ إمّا عن طريق الرواية الشّفهيّة، وإمّا عن طريق الكتابة، ويبدو أنّ الرأي الأوّل هو الرأي المفضّل بالنّسبة للمؤلّفين العرب، ولو أنّهم كما سنرى لا يجمعون على هذا الرأي» (أصول الشعر العربي، ترجمة يحيى الجبوري، ص55).

ولا يغرنّك تلطّف مرجليوث، واستخدامه كلمة «يبدو» غير جازمٍ؛ فإنّ حرصه على نفي معرفة عرب الجاهليّة بالكتابة أو ندرتها، يؤكّد ما صوّره احتمالًا؛ وهو أنّ الرّواية الشّفهيّة هي الوسيلة الرّئيسة (وربّما الوحيدة) التي اعتمد عليها العرب في حفظ أشعارهم؛ ومن ثمّ يقول في الصّفحة ذاتها: «إنّ العديد من القصائد التي لا يستهان بطولها قد حفظت شفاهًا، ولا يمكن ذلك إلّا أن يكون هناك أشخاصٌ كان عملهم أن يحفظوها في ذاكرتهم ويرووها للآخرين».

وقبل مرجليوث يؤكّد نولدكه شفهيّة شعرنا العربيّ، فيقول: «فأدب شعبٍ من الشعوب لا يمكن أن يبقى في صورته الأصليّة وقتًا طويلًا بدون مساعدة الكتابة، وكلّما ازداد انصهار مادّة الأدب، فإنّ ما يبقى يزداد تغيّرًا؛ حتّى تثبته الكتابة، لكنّ التقييد بالكتابة إنّما بدأ في الأدب العربيّ عند نهاية العصر الذي نتحدّث عنه، بل إنّ الكثير من القصائد لم يكتب إلّا بعد نهاية ذلك العصر بمدّةٍ طويلةٍ، سجّلها عالمٌ من فم راوٍ محترفٍ أو أعرابيٍّ أيًّا كان، وحتّى في مدارس العارفين بالأدب بقيت عادة نقل القصائد بالرواية الشّفويّة غالبًا» (دراسات المستشرقين حول صحة الشعر الجاهلي، ص21).

ولا يختلف ألفرت عن نولدكه أو مرجليوث؛ حيث ينفي وجود الكتابة في العصر الجاهليّ نفيًا مطلقًا؛ كي يؤكّد أنّ الرواية الشّفهيّة كانت طريقًا وحيدًا لحفظ الشّعر الجاهليّ، فقد ذهب ألفرت إلى أنّ استعمال الكتابة لتقييد القصائد الكبيرة في تلك الأزمنة من المؤكد أنه لم يكن موجودًا، وأنّ البعد بين زمان الشعراء وبين الزمان الذي جمعت فيه قصائدهم وقيدت كتابةً، يستغرق 150 عامًا وأكثر، وأنّ روايتها انتقلت من فمٍ لفمٍ ممّا عرّضها لأغلاطٍ غير مقصودةٍ أو لتزييفاتٍ مقصودةٍ.

وستتضاءل دهشتنا من هذه الحقيقة حين نجد أنّه حتّى في الزمن الذي نمت فيه الكتابة نموًّا كاملًا وكثر النّسخ، بقي الشّكّ يحيط بنسبة كثيرٍ من القصائد. (دراسات المستشرقين حول صحة الشعر الجاهلي، ص36).

ورغم أنّنا لم نستقص كلّ المستشرقين الذين تناولوا «تدوين الشعر الجاهليّ وروايته»، ففي كلام من نقلنا عنهم دليلٌ واضحٌ على أنّهم ألحّوا على شفهيّة الشّعر الجاهليّ؛ حتّى تغدو مسلّمةً، ثم تمارس سطوتها على الكتابات العربية، بل ربّما تمارس سطوتها على متأخّري المستشرقين.

فرغم مخالفة كرنكوف جلّ المستشرقين في القول بندرة الكتابة في العصر الجاهليّ؛ إذ يقول بشيوعها؛ فإنّه لم ينج من سطوة القول بشفهيّة الشّعر الجاهليّ، حيث ذهب إلّى «أنّ شعر البادية قد نقل بالرواية الشّفويّة، وأنّ القصائد نظمها الشّاعر وحفظها عن ظهر قلبٍ أوّلًا، ثمّ نقلها راويته، ولمّا مات الراوية رواها أهل قبيلةٍ ممّن كانت لهم مصلحةٌ في المحافظة على القصيدة، أو أعجبوا بجمال أسلوبها» (المرجع السابق، ص224)، وللحديث بقيّةٌ.

اقرأ أيضًا:

- سطْوةُ الاسْتشْراق علىٰ العقْل الأدبيّ العربيّ (1)

- سطْوةُ الاسْتشْراق علىٰ العقْل الأدبيّ العربيّ (2)

- سطْوةُ الاسْتشْراق علىٰ العقْل الأدبيّ العربيّ (4)

الرابط المختصر :

اترك تعليقاً

التعليقات (0)

لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلق!

تابعنا

الرئيسية

مرئيات

جميع الأعداد

ملفات خاصة

مدونة