سورية الجديدة وفقه المجال العام.. الهوية والاختلاف وأولويات المرحلة في أفق ميثاق مقاصدي

مقال بعنوان سورية الجديدة وفقه المجال العام.. الهوية والاختلاف وأولويات المرحلة في أفق ميثاق مقاصدي

تمر سورية الجديدة بمرحلة من أدق مراحل تاريخها الحديث؛ فما بعد سقوط نظام الاستبداد ليس مجرد انتقال للسلطة أو تبدل في المؤسسات والوجوه، بل لحظة يُعاد فيها تشكيل الدولة والمجتمع والمجال العام معًا

وفي مثل هذه اللحظات تنفجر الأسئلة التي كبتها القهرُ طويلًا: ما هوية سورية الجديدة؟ وما القيم الحاكمة لمجالها العام؟ وما حدود سلطة الحكومة في تشكيل الحياة الاجتماعية والثقافية؟ وما وظيفة العلماء والمنابر الدينية؟ وكيف تدار الاختلافات الفكرية والمذهبية وأنماط التدين والحياة من غير أن تتحول الحرية إلى انفلات، أو حماية الهوية إلى إكراه، أو الاختلاف إلى شقاق يستنزف بلدًا أنهكته عقود الاستبداد وسنوات الحرب؟

وقد كشفت أحداثُ الأيام الأخيرة عن هذه الأسئلة دفعة واحدة: حفل فني في دمشق أثار اعتراضًا دينيًّا واجتماعيًّا واسعًا، وخطباء تناولوه بشدة على المنابر، وسجال آخر حول الأشعرية والسلفية والتصوف وحدود تمثيل كل اتجاه لأهل السنة، وسلطة جديدة تحاول توسيع قاعدة حضورها الاجتماعي وتقديم صورة مختلفة لنفسها، بينما يقف وراء ذلك كله مجتمع أثقلته الدماء والتهجير والفقر، ولا تزال قطاعات واسعة منه مشغولة بالأمن والعمل والمسكن والخبز ومستقبل الأبناء.

وقد أثار الدكتور معتز الخطيب، في منشور تحليلي حول الجدل الدائر في دمشق، جملة من الأسئلة المهمة، ونبّه إلى أن ما يجري يتجاوز واقعة الحفل إلى صراع أوسع على صياغة المجال العام بعد سقوط نظام الأسد، تتداخل فيه اعتباراتُ الدين والسياسة والاجتماع، ومحاولات السلطة الجديدة توسيع قاعدة حضورها خارج إطارها الديني السابق

وهذا تشخيص جدير بالبناء عليه، مع توسيع زاوية النظر لتشمل الميزان الشرعي والمقاصدي الذي تُقوَّم به تصرفات الحكومة وخطاب العلماء ومواقف النخب الثقافية والاجتماعية جميعًا، فالسؤال الأهم ليس: من ينتصر في هذا الجدل؟ وإنما: بماذا تنتصر سورية؟

المجال العام السوري.. لمن؟

إن اختزال المسألة في حفل غنائي يفوّت جوهرها؛ فالحفل واقعة، أما ما كشف عنه فأعمق وأبقى: من يملك صياغة المجال العام في سورية الجديدة؟ هل تملك الحكومة أن تعيد تشكيل الذوق والقيم الاجتماعية وفق تصورها للانفتاح؟ وهل يملك العلماء والدعاة أن يجعلوا اجتهاداتِهم التفصيليةَ ملزمة للدولة والمجتمع؟ وهل يحق لتيار ديني أو ثقافي، لمجرد أن الظروف السياسية أتاحت له مساحة أوسع، أن يتصرف باعتباره الممثل الأوحد لهوية السوريين؟

لقد دفعت سورية طويلًا ثمن منطق الغلبة، ومن الخطأ أن يسقط المستبد ويبقى منطقُه؛ فيستبدل المجتمع احتكارًا باحتكار ووصاية بوصاية؛ فالمجال العام ليس غنيمة تتنازعها الحكومة والمؤسسة الدينية والتيارات الفكرية، بل فضاء مشترك تحكمه هوية البلاد العربية الإسلامية وقيمها الكبرى، ويتسع للاختلاف "المشروع"

وقد جمع القرآن بين التنوع والوحدة، فقال تعالى: (وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا) (الحجرات: 13)، وقال: (وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلَا تَفَرَّقُوا) (آل عمران: 103)، فلا الوحدة تعني محو التنوع، ولا التنوع يبيح تمزيق الوحدة، ومن هنا تحتاج سورية إلى فقه للمجال العام لا يتخلى عن الشريعة باسم التعدد، ولا يلغي التعدد باسم الشريعة، ولا يجعل الدولة أداة لتغيير هوية المجتمع، ولا التدين وسيلة للاستحواذ على الدولة.

ميزانان حاكمان.. الهوية وجمع الشمل

وفي تقديري أن سياسات المرحلة وفعالياتها العامة ينبغي أن تعرض على ميزانين كبيرين: حفظ الهوية السورية العربية الإسلامية، وجمع الشمل الوطني وتقليل أسباب التنازع؛ وذلك لمواجهة تحديثات المرحلة والقيام باستحقاقاتها؛ فالهوية ليست زينة ثقافية ولا شعارًا سياسيًّا موسميًّا، وإنما ذاكرة مجتمع ولغته وقيمه ورموزه ونظرته إلى ذاته.

وسورية ليست صفحة بيضاء يعاد تصميمها بعد الثورة، بل بلد عربي مسلم عريق، كانت مدنه حواضن للعلم والفقه والحديث واللغة والأدب والفن والعمران، وحفظ هذه الهوية لا يعني إلغاء غير المسلمين أو التنوع القومي والثقافي، ولا فرض نمط واحد من التدين؛ فالهوية الواثقة تتسع للتنوع، لكنها ترفض أن تعامل الدولة قيم المجتمع كعبء ينبغي التخلص منه لتقديم أوراق اعتماد «الانفتاح» في الداخل أو الخارج.

أما جمع الشمل ففي سورية اليوم ضرورة وطنية؛ فقد خرج المجتمع من محنة تركت فيه من الجراح والانقسامات ما يكفيه، قال تعالى: (وَلَا تَنَازَعُوا فَتَفْشَلُوا وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ) (الأنفال: 46)، ولذلك ينبغي أن تسأل الحكومةُ نفسَها قبل كل فعالية أو سياسة عامة: هل تحقق مصلحة حقيقية يحتاج إليها البلد الآن؟ وهل تستحق كلفتها الاجتماعية؟ أم أنها مما يمكن الاستغناء عنه، بينما لا تثمر إلا جدلًا واستقطابًا وتشتيتًا للطاقات عن تحديات المرحلة؟ وقد قرر الشاطبي أن «النظر في مآلات الأفعال معتبر مقصود شرعًا»، وهذا ألزم في القرار العام لاتساع آثاره؛ فالسؤال ليس دائمًا: هل يجوز أن نفعل؟ بل قد يكون الأهم: هل من الحكمة والمصلحة أن نفعل الآن؟ وهنا يعمل فقه الأولويات والموازنات والمآلات.

الحفل الفني.. والفن الذي تحتاج إليه سورية

ومن هذا الميزان ينبغي النظر إلى الحفل الفني الأخير، من غير تهوين للملاحظات الشرعية المتعلقة بصورته ومضمونه، ومن غير اختزال الاعتراض عليه في خلاف حول الموسيقى؛ فالواقعة المركبة لا يصح تفكيكها إلى أجزاء ثم البحث لكل جزء عن قول يخرجه منفردًا؛ إذ الحكم على المجموع يتصل بصورته وسياقه وآثاره، لا بأحكام أجزائه فقط

وقد عبّر فضيلة الدكتور عبد الجواد حمام، العميد السابق لكلية الشريعة بجامعة طرابلس في لبنان، في منشور ساخر، عن اعتراضه على هذه الطريقة في معالجة الحفل، مستعرضًا مسائل الموسيقى والاختلاط والتبرج والنظر والرقص، وبعيدًا عن السخرية، فإنه يثير سؤالًا أصوليًّا معتبرًا: هل تُفقه الواقعة في صورتها الكلية، أم تُجزأ حتى يَضيع حكم المجموع بين أحكام الأجزاء؟

لكن الاعتراض على حفل بعينه لا يعني الخصومة مع الفن بمعناه الشامل، ولا ينبغي أن نصنع ثنائية زائفة بين الهوية الإسلامية والإبداع الفني؛ فقد شهدت سورية قبل مدة قريبة مهرجانًا شعريًّا بقيادة الشاعر أنس الدغيم لقي قبولًا واسعًا، والمجال أرحب من ذلك بكثير، تستطيع سورية أن تجعل الفن أحد أوعية ذاكرتها: معارض لصور الشهداء وضحايا التعذيب، وأعمال تحفظ وجوه المعتقلين والمفقودين، وتوثق أيام الثورة ومعارك التحرير ومآسي التهجير وفرحة العودة، إلى جانب الشعر والمسرح والإنشاد والفنون البصرية التي تروي قصة شعب دفع ثمن حريته دمًا ودموعًا وغربة.

فالسؤال ليس: هل نريد الفن؟ وإنما: أي فن تحتاج إليه سورية الآن؟ فن يستهلك الذاكرة أم يحفظها؟ يضعف الهوية أم يعمقها؟ يزيد المجتمع تنازعًا أم يمنحه مساحة للجمال والالتقاء واستعادة المعنى؟ وليس المطلوب من الدولة أن تحارب الفن باسم الدين، ولا أن توظفه لإثبات تحررها من الدين، وإنما أن تفتح للإبداع فضاءً يليق بتضحيات السوريين وطبيعة المرحلة، ويجمع بين الجمال والحرية والمسؤولية.

المنبر بين واجب البيان وفقه المسؤولية

وفي الجهة الأخرى تناول بعض الخطباء الحفل بشدة على المنابر، ولا يصح تصوير كل اعتراض ديني على أنه تشدد أو رغبة في فرض الوصاية؛ فالعالم مؤتمن على البيان والنصيحة، قال تعالى: (لَتُبَيِّنُنَّهُ لِلنَّاسِ وَلَا تَكْتُمُونَهُ) (آل عمران: 187)، وقال النبي صلى الله عليه وسلم: "الدين النصيحة"، قلنا: لمن؟ قال: "لله ولكتابه ولرسوله ولأئمة المسلمين وعامتهم"، رواه مسلم (55)، وليس من صحة الحياة العامة أن يصمت العلماء عما يرونه مخالفةً للشرع إرضاء للسلطة أو مسايرة لموجة ثقافية.

لكن واجب البيان لا ينفصل عن فقه البيان؛ فالشريعة التي أمرت بالنصيحة أمرت بالحكمة: (ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ) (النحل: 125)، وقال النبي صلى الله عليه وسلم: "إن الرفق لا يكون في شيء إلا زانه، ولا ينزع من شيء إلا شانه"، رواه مسلم (2594)، وصحة الحكم لا تستلزم صحة كل طريقة في إعلانه، والكلمة في مجتمع جريح خارج من حرب ليست كالكلمة في مجتمع مستقر؛ فقد تتحول عبارةٌ غير موزونة إلى وقود لاستقطاب يتجاوز الواقعة نفسها.

ولهذا يحتاج العالم إلى فقه المسؤولية إلى جانب فقه الحكم: ماذا يقول؟ وكيف يقوله؟ ومتى؟ وما المصلحة التي يريد تحقيقها؟ وما المفسدة التي يخشى فتح بابها؟ وكيف يبين حكم الشرع من غير أن يحول المخالف إلى عدو، أو المنبر إلى ساحة لاستدامة الانقسام؟ أو المنبر لمحكمة تحكم بالكفر والفسق على عباد الله، وليس في ذلك تمييع للأحكام أو مداهنة للسلطة؛ بل استقلال العلماء ونصحهم للحكومة من ضمانات صحة المجتمع، وإنما المطلوب أن يجتمع وضوح الحق مع حكمة الأداء، وشجاعة البيان مع بصيرة المآل.

فسورية لا تحتاج إلى حكومة تضيق بالنصيحة، ولا إلى منابر تجعل كل خطأ معركة وجود؛ وإنما تحتاج إلى سلطة يتسع صدرها للنقد، وعلماء يحسنون فقه النصيحة، ومجتمع يدرك أن الاختلاف لا يساوي العداوة، وفي بلد لا يزال يضمد جراحه، تصبح الحكمة في اختيار المعارك وترتيبها جزءًا من الأمانة الشرعية والوطنية؛ فليس كل ما يمكن فعله يحسن فعله، ولا كل خلاف يستحق أن تبدد فيه طاقات أمة لا تزال أمامها معارك البناء والعدل والأمن والكرامة.

من يمثل أهل السُّنة في سورية؟

وإذا كان الجدل حول الحفل قد كشف جانبًا من التوتر بين الديني والثقافي، فإن جدلًا آخر لا يقل دلالة كشف عن توتر داخل الحقل الديني نفسه، فقد أثار حديث سماحة الشيخ أسامة الرفاعي، مفتي عام سورية، نقاشًا حول الأشعرية والسلفية وموقع كل منهما في التدين السني السوري، وجاء تعقيب الباحث محمد علي النجار ليعترض على تعميم موقف طائفة من علماء الشام على سائر علمائهم، مستحضرًا اتجاهات لعلماء سوريين ميزوا بين أصول الاعتقاد المحكمة وبين المناهج الكلامية التي نشأت في تفسير بعض مسائلها والدفاع عنها.

وليس المقام مقام فصل في الخلاف العقدي، ولا ترجيح بين الشيخ أسامة وناقديه؛ فذلك له ساحاته العلمية وأدواته ورجاله، وإنما تكمن دلالة السجال في سؤال أشد اتصالًا بمستقبل سورية: من يملك حق تمثيل أهل السنة؟ وهل يجوز لمدرسة عقدية أو دعوية، مهما اتسع حضورُها أو رسخت جذورها، أن تقدم نفسها باعتبارها الصورة الوحيدة للإسلام السني، ثم تجعل ما سواها هامشًا أو انحرافًا ينبغي إقصاؤه؟

إن تاريخ أهل السنة نفسه يأبى هذا الاختزال؛ فقد اتسع للأشاعرة والماتريدية والأثرية، كما اتسع للمذاهب الفقهية ومدارس الحديث والتصوف السني، وتجاورت هذه الاتجاهات وتجادلت وتناقدت، واشتد الخلاف بينها أحيانًا، من غير أن يستطيع أحد منها إلغاء الآخرين من تاريخ الأمة

ومن الحكمة أن نتعلم من التاريخ بدل أن نعيد خصوماته في لحظة تحتاج فيها سورية إلى كل عناصر قوتها الروحية والعلمية، وليس المطلوب طمس الفروق أو اختراع وحدة مذهبية موهومة، وإنما وضع كل خلاف في رتبته الصحيحة، وألا يُرفع الظني إلى منزلة القطعي، ولا الاجتهادي إلى مرتبة أصول الدين الجامعة.

والمنعطف الأخطر يبدأ عندما يغادر الخلاف مجلس العلم إلى دوائر النفوذ، فيتحول سلطان الحجة إلى حجة السلطان، عندئذ لا يعود السؤال: أي الرأيين أقوى دليلًا؟ بل: أي الفريقين أقرب إلى المؤسسة وأقدر على تشكيلها؟

وهنا يَفسُد العلم والسياسة معًا؛ لأن العالم يستبدل البرهان بالنفوذ، والدولة تدخل ساحة ليست مهمتها أن تفصل فيها، ومن ثم يمكن تقرير قاعدة جديرة بأن تكون من قواعد المرحلة: ما اختلف فيه علماء الأمة بالحجة عبر القرون لا ينبغي أن تحسمه الدولة بأدوات السلطة، فليبحث الأشعري والسلفي والماتريدي والصوفي، ولينقد بعضُهم بعضًا، ولكن تحت سقف الأخوة الإسلامية والسّلْم الوطني، لا تحت رايات المغالبة والاستئصال، قال تعالى: (فَبَشِّرْ عِبَادِ {17} الَّذِينَ يَسْتَمِعُونَ الْقَوْلَ فَيَتَّبِعُونَ أَحْسَنَهُ) (الزمر).

ومن الإنصاف هنا الإشادة بخطوة وزارة الأوقاف السورية بإصدار "ميثاق وحدة الخطاب الإسلامي" في فبراير/شباط 2026؛ فقد أكد أن تعدد المدارس والمذاهب مصدر إثراء لا مدعاة للتنازع والإقصاء، وأقر بالتنوع العقدي والفقهي داخل أهل السنة، ودعا إلى ترشيد الخلاف، وعدم تنزيل الفروع منزلة الأصول، وضبط الاجتهاد بمقاصد الشريعة وتقديم المصالح العامة، وهي خطوة تأسيسية جديرة بالتفعيل والبناء عليها؛ لأنها تؤسس لإدارة التنوع داخل الحقل الديني بدل محاولة إلغائه، ولعل نجاح هذا المنطق يفتح الباب، في أفق أوسع، للتفكير في ميثاق مقاصدي للمرحلة السورية يتجاوز المجال الديني إلى السياسي والثقافي والاجتماعي، ويضبط علاقة الهوية بالحرية، والاختلاف بالوحدة، والدولة بالمجتمع، وهو ما يستحق حديثًا مستقلًا.

دولة تحمي المرجعية ولا تحتكر التدين

وهذا يقود إلى تحديد وظيفة الدولة نفسها؛ فسورية الجديدة لا تحتاج إلى سلطة تسعى إلى إثبات «انفتاحها» بتقديم أنماط ثقافية تستفز قطاعًا معتبرًا من مجتمعها، كما لا تحتاج إلى سلطة تختار تفسيرًا عقديًّا أو اجتهادًا فقهيًّا تفصيليًّا ثم تكسوه هيبة المؤسسة وتجعله معيارًا للمواطنة أو القرب والبعد، ففي الحالين تتحول الدولة من إطار جامع إلى طرف في صراع المجتمع، ويصبح اختلاف السوريين مادة تستثمرها السلطة بدل أن تحسن إدارتها.

إن الوظيفة الأسمى للدولة في التصور الشرعي أوسع من ذلك وأرسخ: إقامة العدل، وصيانة الحقوق، وحراسة المصالح العامة، وحفظ الأمن، وتمكين الناس من أداء واجباتهم وممارسة حرياتهم المشروعة، ومنع بعضهم من العدوان على بعض؛ ولهذا جاء الأمر القرآني بالحكم بالعدل في سياق أداء الأمانات: (إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الْأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا وَإِذَا حَكَمْتُمْ بَيْنَ النَّاسِ أَنْ تَحْكُمُوا بِالْعَدْلِ) (النساء: 58)، فالدولة مؤتمنة على المجتمع، وليست مالكة له، ومسؤولة عن حماية مرجعيته الجامعة، لا عن اقتحام ضمائر أفراده أو صناعة تدينهم بالتعليمات الإدارية.

وبهذا يمكن لسورية أن تتجنب طرفي نقيض: علمنة قسرية تفصل المجال العام عن هوية أكثرية المجتمع، ومذهبية سلطوية تضيق سعة الإسلام في اجتهاد مدرسة واحدة، وبينهما مساحة واسعة لدولة تستمد نظامها الأخلاقي العام من هوية شعبها، وتحفظ في الوقت نفسه حقوق المختلفين، فلا تجعل التنوع ذريعة لتذويب المرجعية، ولا المرجعية ذريعة لإلغاء التنوع، وهذه ليست معادلة تلفيقية، بل مقتضى العدل الذي أمر الله به حتى مع الخصوم: (وَلَا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَى أَلَّا تَعْدِلُوا اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى) (المائدة: 8).

خلف الضجيج.. شعب يبحث عن الحياة

غير أن السجال الديني والثقافي، على أهميته، قد يحجب مشهدًا أشد إلحاحًا، وقد كانت من أبلغ ملاحظات الدكتور معتز الخطيب في منشوره إشارته إلى تجاور ثلاثة جماهير في سورية اليوم: جمهور يحضر حفلًا فنيًّا، وجمهور يحتشد في مجالس العلم وختم «صحيح مسلم»، وخلفهما جمهور أضخم «يقض مضجعه البحث عن رغيف خبز»، وهذه الصورة ليست مفارقة بلاغية فحسب، وإنما سؤال صارم عن ترتيب جدول الأعمال الوطني.

فوراء صخب السجالات أسر أثقلها الغلاء، ومهجرون ينتظرون إمكان العودة، ومدن وقرى تنتظر الإعمار، وضحايا يطلبون الإنصاف، ومفقودون تنتظر أسرهم خبرًا عنهم، واقتصاد يحتاج إلى النهوض، ومؤسسات تحتاج إلى التطهير والإصلاح والبناء، ومجتمع يحتاج إلى الأمن والسلم الأهلي وسيادة القانون، وهذه ليست ملفات «دنيوية» تأتي بعد الفراغ من معارك الهوية؛ بل هي من صميم أمانة الدين والدولة معًا، وقد جمع القرآن بين الأمن والكفاية في مقام الامتنان: (الَّذِي أَطْعَمَهُمْ مِنْ جُوعٍ وَآمَنَهُمْ مِنْ خَوْفٍ) (قريش: 4)، وجعل إقامة القسط غاية كبرى من غايات الرسالات: (لِيَقُومَ النَّاسُ بِالْقِسْطِ) (الحديد: 25).

وليس معنى ذلك أن نقايض الهوية بالخبز، أو أن نطالب الناس بتأجيل دينهم وقيمهم حتى تتحسن أحوالهم الاقتصادية؛ فهذه مقابلة لا يعرفها التصور الإسلامي الذي يحفظ للإنسان دينه ونفسه وعقله وماله وكرامته جميعًا، وإنما المطلوب ألا تنقلب الفروع المستطاع تأجيلها إلى معارك كبرى، والضرورات التي لا تحتمل التأجيل إلى ملفات ثانوية، فحفظ هوية سورية وحفظ معاش السوريين ليسا خصمين؛ وإنما هما جناحان لبناء واحد، يختل إذا هُدمت القيم باسم التنمية، كما يختل إذا رُفعت رايات القيم وغاب العدل وضاع حق الفقير والمظلوم.

وهنا يظهر المعنى الحقيقي لفقه الأولويات: أن توضع كل قضية في حجمها، وكل مصلحة في رتبتها، وكل معركة في وقتها، وليس حسن السياسة أن تجيب الدولة عن كل سؤال يطرحه الجدل العام، بل أن تعرف أي الأسئلة يجب أن تتصدر جدولها وأيها يحسن أن يترك للمجتمع ومؤسساته وعلمائه حتى لا تتحول السلطة إلى مصنع دائم للخصومات.

نحو ميثاق مقاصدي لسورية الجديدة

ولعل من حسن التأسيس ألا نبدأ من فراغ؛ فقد خطت وزارة الأوقاف السورية خطوة جديرة بالتقدير بإصدار "ميثاق وحدة الخطاب الإسلامي"، بما قرره من الاعتراف بالتعدد العقدي والفقهي داخل أهل السنة، وترشيد الخلاف، ونبذ الإقصاء والتحريض، وربط الاجتهاد بمقاصد الشريعة والمصالح العامة، وهذا الميثاق لبنة مهمة يمكن البناء عليها وتوسيع منطقها؛ فإلى جانب تنظيم الاختلاف داخل الحقل الديني، تبدو سورية بحاجة إلى أفق مقاصدي أشمل للمجال العام، يستوعب العلاقة بين الدولة والمجتمع، والدين والسياسة، والهوية والحرية، والثقافة والقيم، والعدالة والعمران.

وليس المقصود إنشاء وثيقة تنافس ميثاق وزارة الأوقاف أو تكرر مضامينه، وإنما بلورة رؤية حاكمة للمرحلة، تنقل منطق التوافق من المجال الديني إلى رحابة المجال الوطني، وتقدم ميزانًا أخلاقيًّا وشرعيًّا للسياسات والمواقف والأولويات، فكما يحتاج اختلاف المدارس الدينية إلى قواعد تمنعه من التحول إلى إقصاء، يحتاج اختلاف المجتمع كله إلى قواعد تحفظ المشترك من غير أن تلغي التنوع، وتصون الحرية من غير أن تفصلها عن المسؤولية، وتحفظ للدولة وظيفتها الجامعة من غير أن تجعلها طرفًا في صراعات المجتمع.

ولا نبتغي بذلك سورية بلا اختلاف؛ فهذا مخالف لسنن البشر والاجتماع، وإنما المقصود إدارة الاختلاف حتى لا يصير تنازعًا، وصيانة التنوع حتى لا ينقلب تفككًا، وحفظ الهوية حتى لا تصبح إكراهًا، وحماية الحرية حتى لا تتحول إلى استفزاز لقيم المجتمع، وصيانة الدولة من أن تعود أداة للغلبة، والدين من أن يصبح أداة في صراع السلطة، هذا هو المعنى الذي يمكن أن يجمع السياسة الشرعية والفقه المقاصدي في لحظة البناء السوري الجديد.

ويمكن تلخيص روح هذا الميثاق في قاعدة واحدة: كل ما أمكن تأجيله أو الاستغناء عنه، وكان من شأنه أن يفتح جبهة جديدة من الانقسام، فالحكمة السياسية والنظر المقاصدي يقتضيان تجنبه؛ وكل ما يرد مظلمة، أو يجبر كسرًا، أو يحفظ كرامة، أو يؤمّن خائفًا، أو يعيد مهجرًا، أو يبني مؤسسة، أو يجمع السوريين على مستقبل وطنهم، فهو أولى بالوقت والمال والجهد.

وإذا كان "ميثاق وحدة الخطاب الإسلامي" قد أسس للبحث عن المشترك داخل الحقل الديني، فإن سورية جديرة بأن توسع هذه الروح إلى حوار وطني أرحب حول ميثاق مقاصدي للمرحلة؛ ميثاق لا يكتب لسورية من خارجها، بل ينضج بالحوار بين علمائها ومفكريها وخبرائها ومكوناتها الاجتماعية، مستلهمًا شريعتها وهويتها وتجربتها وآلامها وتطلعات أبنائها، وهذا حديث يستحق أن يفرد له مقام مستقل.

لقد دفع السوريون من دمائهم وأعمارهم وبيوتهم ثمنًا فادحًا للخلاص من عقود الاحتكار والاستبداد؛ فلا يليق بتضحياتهم أن تستنزف لحظة البناء في خصومات جديدة، أو أن يعاد إنتاج منطق الغلبة بوجوه وشعارات أخرى، إن سورية التي تليق بهذا الثمن ليست سورية بلا اختلاف، وإنما سورية أكبر من اختلافاتها؛ تحفظ هويتها وتتسع لتنوعها، وتصون حريتها في إطار قيمها، وتستمد سلطتها قوتها من عدلها، حتى تتحول الحرية من خلاص من الماضي إلى قدرة على صناعة المستقبل؛ مستقبل تكون فيه كلمة الله هادية للضمير، والعدالة حاكمة للسلطة، والكرامة حقًا للإنسان، وسورية وطنًا يتسع لأبنائه جميعًا.

الرابط المختصر :

اترك تعليقاً

التعليقات (0)

لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلق!

تابعنا

الرئيسية

مرئيات

جميع الأعداد

ملفات خاصة

مدونة