شروط تعدد الزوجات.. هل تعني إبطاله؟!
جاءت التشريعات
الإسلامية موافقة للطبائع الإنسانية تبتغي رفع الحرج والتيسير على العباد، ولا عجب
فهي شريعة أحكم الحاكمين الصالحة لكل زمان ومكان، ولا ينفي هذا ما تتعرض له بعض
أحكامها من انتقاد بعض المتأثرين بالشرائع الحديثة الوضعية، ومنها تشريع تعدد
الزوجات الذي حظي بقسط وافر من النقد.
الكلام عن تعدد الزوجات متشعب ومتسع، ولذلك نقتصر في هذا المقام على مسألة شروط التعدد التي توسع
فيها البعض حتى كاد أن يبطل الأصل الذي ما جاءت الشروط إلا لضبطه وتنظيمه.
تعدد الزوجات.. رؤية قانونية
الاقتصار على
زوجة واحدة من المسلمات في جميع القوانين الغربية في الوقت الحاضر، وهذا الأمر كان
قديماً مبدأ من مبادئ تنظيم الزواج في القانون الروماني، وأخذ به المسيحيون، فأضحى
بتأثير المسيحية من سمات الحضارة الأوروبية، وعلى سبيل المثال؛ يجعل القانون
الفرنسي من إبرام الزواج الثاني حال قيام الزوجية الأولى والعلم بها جريمة يعاقب
عليها القانون، ويجعل القانون الإيطالي واليوناني الزوجية القائمة مانعاً من موانع
الزواج.
وتذهب التشريعات
في عدد من الدول الإسلامية إلى تقليص إمكانية التعدد وتضع شروطاً له مثل وجوب
إعلام الزوجة، ومنحها حق طلب الطلاق إذا ترتب على الزواج ضرر.
التعدد وشروطه في الشريعة
الأمر في
الشريعة يختلف عن التشريعات الوضعية، إذ تبيح الشريعة التعدد، ولكن وفق شروط
محددة: وهي:
1- ألا يزيد عدد
الزوجات عن أربع لقوله: (فَانكِحُواْ مَا طَابَ لَكُم مِّنَ
النِّسَاء مَثْنَى وَثُلاَثَ وَرُبَاعَ) (النساء: 3).
2- العدل بين
الزوجات، وأساسه قوله: (فَإِنْ خِفْتُمْ أَلاَّ تَعْدِلُواْ
فَوَاحِدَةً) (النساء: 3)، وقوله: (وَلَن تَسْتَطِيعُواْ أَن تَعْدِلُواْ بَيْنَ النِّسَاء
وَلَوْ حَرَصْتُمْ) (النساء: 129).
3- القدرة على
الإنفاق وأساسه قوله: (فَإِنْ خِفْتُمْ أَلاَّ تَعْدِلُواْ
فَوَاحِدَةً أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ ذَلِكَ أَدْنَى أَلاَّ تَعُولُواْ) (النساء: 3).
ولا يثير الشرط
الأول خلافاً أو نقاشاً، إذ الإجماع منعقد ألا يزيد عدد الزوجات على أربع، أما
الشرطان الأخريان المتعلقان بالعدل والنفقة فهما محل الخلاف والنقاش.
أولاً: ماهية
العدل وتفسيراته، الذي يفهم من قوله: (فَإِنْ خِفْتُمْ أَلاَّ تَعْدِلُواْ فَوَاحِدَةً) أن من يخشى الجور عليه أن يكتفي بواحدة، ولكن هل تعارض
هذه الآية قوله تعالى في آية أخرى: (وَلَن تَسْتَطِيعُواْ أَن تَعْدِلُواْ بَيْنَ النِّسَاء
وَلَوْ حَرَصْتُمْ فَلاَ تَمِيلُواْ كُلَّ الْمَيْلِ فَتَذَرُوهَا
كَالْمُعَلَّقَةِ) (النساء: 129)، وجل المفسرين على أن المراد بالأولى العدل الظاهر في
النفقات والمبيت وما إلى ذلك، والمراد بالثانية العدل الباطن ميل النفس والمحبة
وربما الجماع.
وحول هذا يقول
الجصاص في تفسير قوله: وَلَن تَسْتَطِيعُواْ أَن تَعْدِلُواْ بَيْنَ النِّسَاء
وَلَوْ حَرَصْتُمْ):
«هذه الآية دليل على جواز تكليف ما لا يطاق، فإن الله سبحانه كلف الرجال العدل بين
النساء، وأخبر أنهم لا يستطيعونه، وهذا وهم عظيم، فإن الذي كلفهم من ذلك هو العدل
في الظاهر الذي دل عليه بقوله: (ذَلِكَ أَدْنَى أَلاَّ تَعُولُواْ)، وهذا أمر مستطاع، والذي أخبر عنهم أنهم لا يستطيعونه
لم يكلفهم قط إياه؛ وهو النسبة في ميل النفس».
ويفهم من كلامه
أن ثمة عدلاً مستطاعاً؛ وهو عدل الجوارح الظاهر، وهذا ما كلفنا به ويمكن تحقيقه،
وآخر غير مستطاع وهو عدل الباطن، وهذا لا يكلفنا الله به رحمة منه تعالى.
ثانياً: القدرة
على الإنفاق، وهي فرض على الزوج لقوله: (ذَلِكَ أَدْنَى أَلاَّ تَعُولُواْ)، قال العلماء: معناه في القسم بين الزوجات والتسوية في
حقوق النكاح، وهو فرض، وقد فسر الشافعي الآية: بألا يكثر عيالكم؛ لأن من كثر عياله
لزمه أن يعولهم، وفي ذلك ما يصعب عليه المحافظة على حدود الكسب، وكسب المال والرزق
الطيب، واختار الزمخشري، والقرطبي ذلك.
وعلى تفسير
الإمام الشافعي يكون للتعدد شرط، وهو: أن يكون راغب التعدد قادراً على الإنفاق على
زوجاته بعد التعدد، وعلى ما يحتمل له من أولاد كثيرين بسببه، فضلاً عن قيامه
بالنفقة على من تجب عليه نفقته من أقربائه.
امتناع الشرطين وسلطة القضاء
إذا فقد الشرطان
أو أحدهما هل يؤثر ذلك على صحة الزواج؟ يرى الفقهاء أن الشرطين ليسا من شروط الصحة،
فالزواج يقع صحيحاً مع فقدان شروطه، لكن من يقدم عليه يكون آثماً، وبالتالي لا
يمكن تأييد مقترح البعض بتخويل القضاء سلطة فسخ عقد الزواج لمن لا يملك شروطه بحجة
عدم توفر شروطه، وهذا ما ذهب إليه المستشار عبدالعزيز عامر، رئيس محكمة القاهرة
السابق، وعلله بأنه «أمر لم تكن عليه الأمة الإسلامية منذ عهد النبي صلى الله عليه
وسلم حتى الآن، فضلاً عن أن الإثبات متعذر لتعلق الأمر بباطن النفس، ولضعف الوازع
الديني، وترك الأمر للقاضي قد يترتب عليه أخطار شنيعة؛ منها لجوء من يمنعه القاضي
للتزوج بثانية إلى مخادنتها سراً أو التزوج بها عرفياً».
وهذا ما ذهبت
إليه دار الإفتاء المصرية (2014م) من أن «تدخُّل القضاء بمنع تعدد الزوجات والطلاق
من غير موافقة الزوج فهو على خلاف الأصل الذي جرى عليه عمل المسلمين، من أن حَلَّ
عُقدة النكاح بيد الرجل كما هي الحال في إبرامها؛ لأن التعدد مباح للرجال بإباحَةِ
الشرع؛ لقوله تعالى: (فَانكِحُواْ مَا طَابَ لَكُم مِّنَ
النِّسَاء مَثْنَى وَثُلاَثَ وَرُبَاعَ)، كما أن الطلاق في الأصل حق الزوج، فالتعدد والطلاق
راجعان إلى تقدير الرجل ونظره ولا سلطة عليه في ذلك إلا من الشرع والوازع الديني،
والأصل عدم جواز سلبه ذلك».
خلاصات واستنتاجات
يفهم مما ذكرناه
آنفاً أن الشارع سبحانه أباح تعدد الزوجات ونص عليه في كتابه الحكيم، غير أنه تظل
هناك بعض المسائل حوله وهي:
1- أن إباحة
التعدد بنيت على قاعدة التيسير ورفع الحرج «فمن الناس من يغلب عليه سلطان هذه
الشهوة فلا تندفع حاجته بواحدة، فأطلق له ثانية وثالثة ورابعة، وكان هذا العدد
موافقاً لعدد طباعه وأركانه، وعدد فصول سُنته، ولرجوعه إلى الواحدة بعد صبر ثلاث
عنها.
وقد علق الشارع
بها عدة أحكام، ورخص للمهاجر أن يقيم بعد قضاء نسكه بمكة ثلاثاً، وجعل حد الضيافة
المستحبة أو الموجبة ثلاثاً، وأباح للمرأة أن تحد على غير زوجها ثلاثاً، فرحم
الضرة بأن جعل غاية انقطاع زوجها عنها ثلاثاً ثم يعود؛ فهذا محض الرحمة والحكمة
والمصلحة»، كما يقول ابن القيم.
2- أن وضع
الشروط لا يعني بحال أن مراد الشارع الإبطال كما يفهم البعض، وإنما غايتها الضبط
والتنظيم، ولو كان يفهم أن انتفاء العدل سبب للمنع لجاز أن نقول لمن خاف في نفسه
الجور في الواحدة أن يتسرى وفق ظاهر الآية.
3- أن التوسل
بالقضاء في كل شأن من الشؤون لهو إثقال للجهاز القضائي بما يعوقه عن تحقيق مطلب
العدالة، كما أنه نقل للتكاليف الدينية المتعلقة بين العبد وربه إلى مجال التطبيق
القضائي، والعقود إنما يرجع إلى القضاء فيها عند حصول النزاع في الآثار المترتبة
عليها، لا عند عقدها ابتداء.
التعليقات (0)
لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلق!
اترك تعليقاً