صلاة التراويح.. فضل القيام وفقه الأحكام

د. رمضان أبو علي

19 فبراير 2026

320

في ليل رمضان يحل النور محل الظلام، إنه نور القرآن الذي يتلى على الأسماع، ونور القلوب التي تقبل على الله، ونور المساجد التي امتلأت بالمصلين، ونور الفرحة التي تعم الوجوه والقلوب باللقاء على طاعة الله تعالى، فليست التراويح مجرد ركعات يؤديها المسلم في ليل رمضان؛ بل هي رحلة القلب نحو الإيمان، وعمارته بقراءة القرآن، وسكينته بالقرب من الرحمن.

تعريف التراويح وسبب تسميتها وفضلها

التراويحِ لُغةً: جمْع تَرويحةٍ، وهي المرةُ الواحدةُ من الرَّاحةِ، وروَّحتُ بالقومِ ترويحًا: صلَّيتُ بهم التراويحَ؛ وهي في الأصل: الجلسة بعد أربع ركعات للاستراحة، وسُمِّيت بذلك لأنَّ الناسَ كانوا يُطيلونَ القيامَ فيها والركوعَ والسُّجودَ، فإذا صلَّوْا أربعًا استراحوا، ثم استأنَفوا الصلاةَ(1)، وسميت التراويح أيضاً لأن في أدائها راحة للنفس ومصحة للبدن(2).

والتراويحِ في الاصطلاح: هي قيامُ شَهرِ رَمضانَ(3).

فضل صلاة التراويح

أما فضلها كالتالي:

1- مغفرة الذنوب، ففي صحيح البخاري، ومسلم، عَنْ ‌أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم يُرَغِّبُ فِي قِيَامِ رَمَضَانَ مِنْ غَيْرِ أَنْ يَأْمُرَهُمْ فِيهِ بِعَزِيمَةٍ فَيَقُولُ: «مَنْ ‌قَامَ ‌رَمَضَانَ ‌إِيمَانًا وَاحْتِسَابًا غُفِرَ لَهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِهِ»، فَتُوُفِّيَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم وَالْأَمْرُ عَلَى ذَلِكَ، ثُمَّ كَانَ الْأَمْرُ عَلَى ذَلِكَ فِي خِلَافَةِ أَبِي بَكْرٍ وَصَدْرًا مِنْ خِلَافَةِ عُمَرَ عَلَى ذَلِكَ.

2- تحصيل أجر قيام الليل كاملاً، ففي سنن أبي داود بسند صححه الألباني عَنْ أَبِي ذَرٍّ، قَالَ: صُمْنَا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم رَمَضَانَ، فَلَمْ يَقُمْ بِنَا شَيْئًا مِنَ الشَّهْرِ حَتَّى بَقِيَ سَبْعٌ، فَقَامَ بِنَا حَتَّى ذَهَبَ ثُلُثُ اللَّيْلِ، فَلَمَّا كَانَتِ السَّادِسَةُ لَمْ يَقُمْ بِنَا، فَلَمَّا كَانَتِ الْخَامِسَةُ قَامَ بِنَا حَتَّى ذَهَبَ شَطْرُ اللَّيْلِ، فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، لَوْ نَفَّلْتَنَا (يعني زدتنا من صلاة النافلة) قِيَامَ هَذِهِ اللَّيْلَةِ، قَالَ: فَقَالَ: «إِنَّ الرَّجُلَ ‌إِذَا ‌صَلَّى ‌مَعَ ‌الْإِمَامِ ‌حَتَّى ‌يَنْصَرِفَ حُسِبَ لَهُ قِيَامُ لَيْلَةٍ».

حكم صلاة التراويح ودليل مشروعيتها

اتفق الفقهاء على سُنية صلاة التراويح، وهي عند الحنفية والحنابلة وبعض المالكية سُنة مؤكدة، وهي سُنة للرجال والنساء(4).

ويدل على مشروعيتها ما سبق من الأحاديث، ويضاف إليها ما رواه البخاري ومسلم عَنْ ‌عَائِشَةَ أَنَّ رَسُولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم صَلَّى فِي الْمَسْجِدِ ذَاتَ لَيْلَةٍ فَصَلَّى بِصَلَاتِهِ نَاسٌ، ثُمَّ صَلَّى مِنَ الْقَابِلَةِ فَكَثُرَ النَّاسُ، ثُمَّ اجْتَمَعُوا مِنَ اللَّيْلَةِ الثَّالِثَةِ أَوِ الرَّابِعَةِ، فَلَمْ يَخْرُجْ إِلَيْهِمْ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم، فَلَمَّا أَصْبَحَ قَالَ: «قَدْ رَأَيْتُ الَّذِي صَنَعْتُمْ، فَلَمْ يَمْنَعْنِي مِنَ الْخُرُوجِ إِلَيْكُمْ، إِلَّا أَنِّي ‌خَشِيتُ ‌أَنْ ‌تُفْرَضَ ‌عَلَيْكُمْ»، قَالَ: وَذَلِكَ فِي رَمَضَانَ».

وروى النسائي وابن ماجه عن عبدالرحمن بن عوف قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم: «إِنَّ اللهَ تَبَارَكَ وَتَعَالَى فَرَضَ صِيَامَ رَمَضَانَ عَلَيْكُمْ، ‌وَسَنَنْتُ ‌لَكُمْ ‌قِيَامَهُ، فَمَنْ صَامَهُ وَقَامَهُ إِيمَانًا وَاحْتِسَابًا خَرَجَ مِنْ ذُنُوبِهِ كَيَوْمِ وَلَدَتْهُ أُمُّهُ».

وقد نقَل الإجماعَ على سُنيَّتِها: النوويُّ(5)، والصنعانيُّ(6).

حكم صلاة التراويح جماعة في المساجد

صلاةُ التراويحِ جماعةً في المسجدِ أفضلُ مِن صلاة مَن يصليها منفردًا، ويدل على ذلك ما سبق من حديث البخاري، ومسلم أنه صلى الله عليه وسلم صلّى في المسجد فصلى بصلاته ناس، ثم لم يخرج إليهم بعدها خشية أن تفرض عليهم، فدل هذا على مشروعية صلاتها في المسجد.

وروى البخاري عن عبدالرحمنِ بنِ عبدٍ القارئِ، قال: خرجتُ مع عُمرَ بنِ الخطَّابِ ليلةً في رمضانَ إلى المسجدِ، فإذا الناسُ أوزاعٌ متفرِّقون يُصلِّي الرجلُ لنَفسِه، ويُصلِّي الرجلُ فيُصلِّي بصلاتِه الرهطُ، فقال عُمرُ: إني أَرَى لو جمعتُ هؤلاءِ على قارئٍ واحدٍ، لكان أمثلَ، ثم عَزَمَ فجمَعَهم إلى أُبيِّ بنِ كعبٍ، ثم خرجتُ معه ليلةً أخرى والناسُ يُصلُّونَ بصلاةِ قارئِهم، فقال عمرُ: نِعمَ البدعةُ(7) هذِه، والتي ينامون عنها أفضلُ؛ يُريد آخِرَ اللَّيلِ، وكان الناسُ يقومونَ أَوَّلَه.

وقد نقَل الإجماعَ على صلاة التراويح جماعة في المسجد ابن قُدامةَ(8) والنووي(9).

كم عدد ركعات صلاة التراويح

تنوعت آراء الفقهاء في عدد ركعات صلاة التراويح، وبيانها فيما يأتي:

1- عشرون ركعة، ذهب جمهور الفقهاء من الحنفية، والشافعية، والحنابلة، وبعض المالكية إلى أن التراويح عشرون ركعة، لما رواه مالك عن يزيد بن رومان والبيهقي عن السائب بن يزيد من قيام الناس في زمان عمر بعشرين ركعة، وجمع عمر الناس على هذا العدد من الركعات جمعاً مستمراً.

قال الكاساني: جمع عمر أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم في شهر رمضان على أبي بن كعب فصلى بهم عشرين ركعة، ولم ينكر عليه أحد فيكون إجماعاً منهم على ذلك، وقال الدسوقي وغيره: كان عليه عمل الصحابة والتابعين، وقال ابن عابدين: عليه عمل الناس شرقاً وغرباً(10).

2- ثلاث عشرة ركعة، ففي صحيح البخاري عَنِ ‌ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: «كَانَتْ صَلَاةُ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم ‌ثَلَاثَ ‌عَشْرَةَ ‌رَكْعَةً، يَعْنِي بِاللَّيْلِ».

3- إحدى عشرة ركعة، ففي صحيح البخاري عن أبي سلمة بن عبدالرحمن: أنه سأل عائشة: كيف كانت صلاة رسول الله صلى الله عليه وسلم في رمضان؟ قالت: ما كان يزيد ‌في ‌رمضان ‌ولا ‌غيره ‌على ‌إحدى ‌عشرة ركعة.

وروى مالك عن السائب بن يزيد قال: أمر عمر بن الخطاب أبي بن كعب وتميم الداري أن يقوما للناس بإحدى عشرة ركعة، قال: وقد كان القارئ يقرأ بالمئين، حتى كنا نعتمد على العصي من طول القيام، وما كنا ننصرف إلا في فروع الفجر.

4- هناك أقوال متعددة لأعداد متنوعة في عدد الركعات، حيث قيل: ثلاث وعشرون، وقيل: ست وثلاثون ركعة، وقيل أربعون، قال ابن تيمية: فكيفما قام في رمضان من هذه الوجوه فقد أحسن، والأفضل يختلف باختلاف أحوال المصلين، ومن ظن أن قيام رمضان فيه عدد موقت عن النبي صلى الله عليه وسلم لا يزاد فيه ولا ينقص منه فقد أخطأ(11).

وقت صلاة التراويح والقراءة فيها

وذهب جمهور الفقهاء إلى أن وقت صلاة التراويح من بعد صلاة العشاء إلى طلوع الفجر(12)، ونقل الإجماع على ذلك ابن تيمية(13).

قال الشوكاني: مقدار القراءة في كل ركعة لم يرد به دليل(14).

وقيل: تُستحَبُّ قراءة القرآن كاملًا(15)، وأكد ابن تيمية استحباب ذلك(16) حتى يسمع الناس جميع القرآن في الشهر الذي نزل فيه القرآن.


اقرأ أيضا

صلاة التراويح وذكريات الطفولة

قيام الليل

الهوامش
  • 1 لسان العرب (2/ 462)، وفتح القدير (1/ 466-467).
  • 2 الموسوعة الفقهية- الصلاة: د. محمد إبراهيم الحفناوي، ص 501.
  • 3 شرح النووي على صحيح مسلم (6/ 39).
  • 4 الموسوعة الفقهية الكويتية (27/ 136).
  • 5 المجموع (4/ 37).
  • 6 سبل السلام (2/ 11).
  • 7 قال ابنُ عبد البَرِّ: قول عمر ليس في البدعة المذمومة، لأنَّ أصلَ ما فَعلَه سُنَّة، ينظر: الاستذكار (5/ 153).
  • 8 المغني (2/ 124).
  • 9 المجموع (4/ 32).
  • 10 الموسوعة الفقهية الكويتية (27/ 141).
  • 11 مجموع الفتاوى (22/ 272).
  • 12 الموسوعة الفقهية الكويتية (27/ 145).
  • 13 مجموع الفتاوى (23/ 119).
  • 14 نيل الأوطار (5/ 53).
  • 15 الشرح الكبير (1/ 315)، ومغني المحتاج (1/ 162).
  • 16 مجموع الفتاوى (23/ 122-123).
الرابط المختصر :

اترك تعليقاً

التعليقات (0)

لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلق!

تابعنا

الرئيسية

مرئيات

جميع الأعداد

ملفات خاصة

مدونة