دروس القيادة من القضاء الإسلامي..
صناعة القرار العادل عند شريح القاضي
أورد الذهبي
عَنِ الشَّعْبِيِّ، قَالَ: كَتَبَ عُمَرُ إِلَى شُرَيْحٍ(1): إِذَا
أَتَاكَ أَمْرٌ فِي كِتَابِ اللهِ فَاقْضِ بِهِ فَإِنْ لَمْ يَكُنْ فِي كِتَابِ
اللهِ وَكَانَ فِي سُنَّةِ رَسُوْلِ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ
فَاقْضِ بِهِ فَإِنْ لَمْ يَكُنْ فِيْهِمَا فَاقْضِ بِمَا قَضَى بِهِ أَئِمَّةُ
الهُدَى فَإِنْ لَمْ يَكُنْ فَأَنْتَ بِالخِيَارِ إِنْ شِئْتَ تَجْتَهِدُ رَأْيَكَ
وَإِنْ شِئْتَ تُؤَامِرُنِي، وَلَا أَرَى مُؤَامَرَتَكَ إِيَّايَ إلَّا أَسْلَمَ
لَكَ، وصَحَّ أَنَّ عُمَرَ وَلَاّهُ قَضَاءَ الكُوْفَةِ، فَقِيْلَ: أَقَامَ عَلَى
قَضَائِهَا سِتِّيْنَ سَنَةً، وَقَدْ قَضَى بِالبَصْرَةِ سَنَةً، وَفَدَ زَمَنَ
مُعَاوِيَةَ إِلَى دِمَشْقَ، وَكَانَ يُقَالُ لَهُ: قَاضِي المِصْرَيْنِ(2).
يقدم هذا النص
صورة نادرة عن نشأة القضاء في الدولة الإسلامية الأولى، حيث لم يكن القاضي مجرد
منفذ لأوامر السلطة، بل كان حاملًا لأمانة تحقيق العدل وفق ميزان منضبط يبدأ
بالوحي وينتهي بالاجتهاد المنضبط عند غياب النص، وشريح القاضي يمثل نموذجًا فريدًا
لشخصية استطاعت أن تحافظ على الثقة العامة عبر تغير العصور والأنظمة، حتى أصبح
اسمه مرتبطًا بثبات القضاء ونزاهته.
لماذا استمر شريح القاضي 60 عامًا بموقعه؟
كان شريح بن الحارث الكندي يعيش في مرحلة كانت فيها الأمصار الإسلامية الكبرى تتشكل بسرعة، فالكوفة
والبصرة لم تكونا مجرد مدينتين، بل كانتا مركزين عسكريين وثقافيين يجتمع فيهما
القادمون من قبائل وبلدان مختلفة؛ ما جعل الحاجة إلى قضاء عادل يتجاوز العصبيات
أمرًا بالغ الأهمية.
في مثل هذه
البيئة لم يكن النجاح القضائي قائمًا على العلم وحده، بل على القدرة على بناء ثقة
اجتماعية واسعة، فالقاضي الذي يجلس بين الناس لا يحكم على القضايا فقط، بل يحكم
على نفسه أيضًا؛ لأن كل ميل أو انحياز قد يهدم صورة العدالة في المجتمع.
ومن هنا تظهر
أهمية طول مدة ولاية شريح القاضي للقضاء؛ فستون سنة ليست مجرد رقم تاريخي، بل علامة على
قدرة استثنائية على المحافظة على المعايير في بيئة متغيرة، فالاستمرار الطويل لا
يصنعه المنصب وحده، وإنما تصنعه الثقة المتراكمة.
ولهذا كان
المسلمون في صدر الدولة الإسلامية حريصين على بناء هذه الثقة وبقائها ناصعة البياض
لا تشوبها شائبة، ويمكن أن نفهم هذا من خلال الرسائل التي كان يرسلها الخلفاء إلى
القضاة، ومن ذلك أن عُمَرَ بْن الْخَطَّابِ كَتَبَ إِلَى أَبِي مُوسَى
الْأَشْعَرِيِّ: «اعْلَمُوا أَنَّ الْقَضَاءَ فَرِيضَةٌ مُحْكَمَةٌ وَسُنَّةٌ
مُتَّبَعَةٌ فَالْفَهْمَ الْفَهْمَ إِذَا اخْتَصَمَ إِلَيْكَ فَإِنَّهُ لَا
يَنْفَعُ تَكَلُّمٌ بِحَقٍّ لَا نَفَاذَ لَهُ آسِ بَيْنَ النَّاسِ فِي وَجْهِكَ
حَتَّى لَا يَيْأَسَ ضَعِيفٌ مِنْ عَدْلِكَ وَلَا يَطْمَعَ شَرِيفٌ فِي
جَوْرِكَ وَالْمُسْلِمُونَ عُدُولٌ بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ إِلَّا خَصْمًا أَوْ
ظَنِينًا مُتَّهَمًا وَلَا يَمْنَعْكَ قَضَاءٌ قَضَيْتَهُ الْيَوْمَ رَاجَعْتَ
فِيهِ نَفْسَكَ غَدًا أَنْ تَعُودَ إِلَى الْحَقِّ فَإِنَّ الرُّجُوعَ إِلَى
الْحَقِّ خَيْرٌ مِنَ التَّمَادِي فِي الْبَاطِلِ وَاعْلَمْ أَنَّهُ مَنْ
تَزَيَّنَ لِلنَّاسِ بِغَيْرِ مَا يَعْلَمُ اللَّهُ شَانَهُ اللَّهُ وَلَا يَضِيعُ
عَامِلُ اللَّهِ فَمَا ظَنُّكَ بِثَوَابِ اللَّهِ فِي عَاجِلِ رِزْقِهِ وَجَزَاءِ
رَحْمَتِهِ»(3).
ترتيب المراجع القضائية في كتاب عمر لشريح القاضي
تكشف رسالة عمر بن الخطاب لشريح القاضي عن منهج متكامل في صناعة القرار القضائي؛ إذ يبدأ القاضي بالبحث في كتاب
الله، ثم سُنة رسول الله صلى الله عليه وسلم، ثم ما استقر عليه قضاء أئمة الهدى،
ثم ينتقل إلى الاجتهاد عند عدم وجود النص.
وهذا الترتيب
يعكس مبدأ مهمًا؛ أن العقل لا يعمل منفصلًا عن المرجعية، وأن الاجتهاد ليس تجاوزًا
للنصوص، بل أداة لفهم الواقع في إطارها.
ويشهد لهذا
المعنى قول الله تعالى: (فَإِن
تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ) (النساء: 59)،
فالرجوع إلى الأصول قبل إصدار الحكم يحمي الإنسان من أسر الانطباع أو ضغط المجتمع
أو تأثير المصالح الشخصية.
وقد أسس النبي
صلى الله عليه وسلم لهذا الترتيب القضائي الدقيق، فعَنْ مُعَاذِ بْنِ جَبَلٍ،
أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَمَّا بَعَثَهُ إِلَى
الْيَمَنِ قَالَ لَهُ: «كَيْفَ تَقْضِي إِنْ عَرَضَ لَكَ قَضَاءٌ؟»، قَالَ:
أَقْضِي بِكِتَابِ اللهِ، قَالَ: «فَإِنْ لَمْ يَكُنْ فِي كِتَابِ اللهِ؟»، قَالَ:
فَبِسُنَّةِ رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، قَالَ: «فَإِنْ لَمْ
يَكُنْ فِي سُنَّةِ رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ؟»، قَالَ:
أَجْتَهِدُ رَأْيِي وَلَا آلُو، قَالَ: فَضَرَبَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ
عَلَيْهِ وَسَلَّمَ صَدْرَهُ، وَقَالَ: «الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي وَفَّقَ رَسُولَ
رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِمَا يُرْضِي رَسُولَ اللهِ
صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ»(4).
وفي واقع
المؤسسات الحديثة، فإن هذا المنهج يقدم قاعدة إدارية مهمة؛ أن القرار الرشيد لا
يبدأ من الرأي الشخصي، بل من الأنظمة والمعايير، ثم الخبرات السابقة، ثم الاجتهاد
المسؤول عند المستجدات.
لماذا يحتاج القرار العادل إلى ضبط النفس؟
القضاء من أكثر
الأعمال التي تكشف طبيعة الإنسان؛ لأن القاضي يواجه الغضب، والخصومة، ومحاولات
التأثير، وربما ضغوط أصحاب المكانة والنفوذ.
والبقاء في هذا
المجال عقودًا طويلة يدل على قدرة عالية على ضبط النفس، فالعدل لا يحتاج فقط إلى
معرفة الحكم، بل يحتاج إلى نفس لا تتحكم فيها العاطفة عند سماع طرف دون آخر.
وقد جعل الإسلام
العدل مرتبطًا بمجاهدة الهوى، قال تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ بِالْقِسْطِ
شُهَدَاءَ لِلَّهِ وَلَوْ عَلَى أَنفُسِكُمْ) (النساء: 135)؛ فالإنسان قد
يكون قادرًا على معرفة الحق، لكنه يحتاج إلى قوة داخلية تجعله يلتزم به عندما يكون
مخالفًا لرغبته أو لمصلحة قريبة منه.
وقد قرر النبي
صلى الله عليه وسلم ذلك في موقف المرأة المخزومية، ففي الصحيحين عَنْ عَائِشَةَ
زَوْجِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّ قُرَيْشًا أهمهم شأن
المرأة المخزومية الَّتِي سَرَقَتْ فِي عَهْدِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ
وَسَلَّمَ، فِي غَزْوَةِ الْفَتْحِ، فَقَالُوا: مَنْ يُكَلِّمُ فِيهَا رَسُولُ
اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ؟ فَقَالُوا: وَمَنْ يَجْتَرِئُ
عَلَيْهِ إِلَّا أُسَامَةُ بْنُ زَيْدٍ، حِبُّ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ
عَلَيْهِ وَسَلَّمَ؟
فَأَتَى بِهَا
رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَكَلَّمَهُ فِيهَا أُسَامَةُ
بْنُ زَيْدٍ، فَتَلَوَّنَ وَجْهُ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ
وَسَلَّمَ، فَقَالَ «أَتَشْفَعُ فِي حَدٍّ مِنْ حُدُودِ اللَّهِ؟»، فَقَالَ
لَهُ أُسَامَةُ: اسْتَغْفِرْ لِي، يَا رَسُولَ اللَّهِ!
فَلَمَّا كَانَ
الْعَشِيُّ قَامَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَاخْتَطَبَ،
فَأَثْنَى عَلَى اللَّهِ بِمَا هُوَ أَهْلُهُ، ثُمَّ قَالَ «أَمَّا بَعْدُ، فَإِنَّمَا
أَهْلَكَ الَّذِينَ مِنْ قبلكم، أنهم كانوا إذا سرق فيهم الشريف، تَرَكُوهُ، وَإِذَا
سَرَقَ فِيهِمُ الضَّعِيفُ، أَقَامُوا عَلَيْهِ الْحَدَّ، وَإِنِّي، وَالَّذِي
نَفْسِي بِيَدِهِ! لَوْ أَنَّ فَاطِمَةَ بِنْتَ مُحَمَّدٍ سَرَقَتْ لَقَطَعْتُ
يَدَهَا»، ثُمَّ أَمَرَ بِتِلْكَ الْمَرْأَةِ الَّتِي سَرَقَتْ فَقُطِعَتْ يَدُهَا(5).
وكذلك ثَبَاتُ
أَبِي بَكْرٍ الصِّدِّيقِ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ أَمَامَ أَهْلِ الرِّدَّةِ مَعَ
ضَغْطِ الصَّحَابَةِ لِلْمُهَادَنَةِ، فَقَالَ: «وَاللهِ لأُقَاتِلَنَّ مَنْ
فَرَّقَ بَيْنَ الصَّلَاةِ وَالزَّكَاةِ»(6) بِنَفْسٍ ثَابِتَةٍ لَا
تُثْنِيهَا الضُّغُوطُ.
وهذا المعنى
يتجاوز القضاء إلى كل مسؤولية؛ فالمعلم، والمدير، والداعية، ورب الأسرة، يحتاجون
إلى قدر من التحرر من الهوى حتى تكون قراراتهم عادلة.
لماذا بقي شريح مرجعاً قضائياً رغم تغير الدول؟
مرت على شريح القاضي عصور مختلفة؛ من زمن الخلفاء الراشدين إلى الدولة الأموية، ومع ذلك بقي حاضرًا في
موقعه القضائي، وهذا يكشف أن المؤسسات القوية لا تقوم على ارتباطها بشخص أو مرحلة،
بل على وجود أصحاب كفاءة يجعلون النظام أكثر ثباتًا.
لم تكن قوة شريح القاضي في قربه من السلطة، وإنما في استقلال ميزانه، فالناس قد تختلف مع القاضي في الحكم،
لكنها تطمئن إذا علمت أنه يحكم بمعيار واحد، وهذه هي قيمة العدالة المؤسسية؛ أن
يشعر المجتمع بأن القانون لا يتغير بتغير الأشخاص، وأن صاحب الحق يمكنه الوصول إلى
الإنصاف مهما كان موقعه.
وقد تجلت ثقة
المجتمع بالمؤسسة والأنظمة الثابتة حينما احتكمت القبائل للنبي صلى الله عليه وسلم
في وضع الحجر الأسود قبل النبوة، لا لقرابته من سلطة بل لثقتهم بأمانته ونزاهة
ميزانه المجرد، حيث قالوا: «هذا الأمين رضينا، هذا محمد»(7).
وقد ظل هذا
الاستمرار في ثبات المرجعية القضائية رغم تغير الدول قائماً من خلال اسْتِمْرَار
سيدنا عَبْدِاللهِ بْنِ مَسْعُودٍ وَزَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ رَضِيَ اللهُ عَنْهُمَا
كَمَرْجِعِيَّةٍ عِلْمِيَّةٍ وَقَضَائِيَّةٍ تُحْتَرَمُ وَتُقَصَدُ عَبْرَ عُهُودِ
الخُلَفَاءِ (عُمَرَ، وَعُثْمَانَ، وَعَلِيٍّ) لِعِلْمِهِمْ وَنَزَاهَتِهِمْ عَنِ
التَّقَلُّبَاتِ(8).
أمانة المنصب القضائي من الكوفة إلى البصرة
لقب شريح
بـ«قاضي المِصْرَيْن» بعد أن ارتبط اسمه بالكوفة والبصرة، وهما من أهم حواضر
الإسلام الأولى، وهذا اللقب لا يعبر عن اتساع المكان فقط، بل عن اتساع الأثر.
فالعالم أو
المسؤول لا يقاس فقط بعدد السنوات التي عاشها، بل بما تركه من نموذج قابل للتكرار،
وشريح قدم نموذج القاضي الذي يجمع بين العلم والهدوء والهيبة والعدل.
ولهذا بقي ذكره
حاضرًا في كتب التراجم والسير؛ لأن المجتمعات لا تحفظ أصحاب المناصب فقط، وإنما
تحفظ من جعلوا المناصب أمانة، فقد أكد النبي صلى الله عليه وسلم على كونها أمانة،
فعَنْ أَبِي ذَرٍّ، قَالَ: قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، أَلَا تَسْتَعْمِلُنِي؟
قَالَ: فَضَرَبَ بِيَدِهِ عَلَى مَنْكِبِي، ثُمَّ قَالَ «يَا أَبَا ذَرٍّ، إِنَّكَ
ضَعِيفٌ، وَإِنَّهَا أَمَانَةُ، وَإِنَّهَا يَوْمَ الْقِيَامَةِ، خِزْيٌ
وَنَدَامَةٌ، إِلَّا مَنْ أَخَذَهَا بِحَقِّهَا وأدى الذي عليه فيها»(9).
ومن هؤلاء
العظماء الأمناء على وظائفهم سيدنا عبدالله بن رواحة رضي الله عنه، الذي لم تزحزحه
الأموال المعروضة عليه عن أمانة الوظيفة التي كُلِّف بها، والقيام بحقها، فبعد
فَتْحِ خَيْبَرَ، بَعَثَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَبْدَ
اللهِ بْنَ رَوَاحَةَ لِيُقَاسِمَ الْيَهُودَ ثَمَرَهَا، فَلَمَّا قَدِمَ
عَلَيْهِمْ جَعَلُوا يُهْدُونَ لَهُ مِنَ الطَّعَامِ، وَيُكَلِّمُونَهُ،
وَجَمَعُوا لَهُ حُلِيًّا مِنْ حُلِيِّ نِسَائِهِمْ، فَقَالُوا: هَذَا لَكَ
وَتَخَفَّفْ عَنَّا وَتَجَاوَزْ، فَقَالَ ابْنُ رَوَاحَةَ: يَا مَعْشَرَ يَهُودَ،
إِنَّكُمْ وَاللهِ لَأَبْغَضُ النَّاسِ إِلَيَّ، إِنَّمَا بَعَثَنِي رَسُولُ اللهِ
صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَدْلًا بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُ، فَلَا أَرَبَ لِي
فِي دُنْيَاكُمْ، وَلَنْ أَحِيفَ عَلَيْكُمْ، وَإِنَّمَا عَرَضْتُمْ عَلَيَّ
السُّحْتَ، وَإِنَّا لَا نَأْكُلُهُ، فَخَرَصَ النَّخْلَ، فَلَمَّا أَقَامَ
الْخَرْصَ خَيَّرَهُمْ، فَقَالَ: إِنْ شِئْتُمْ ضَمِنْتُ لَكُمْ نَصِيبَكُمْ،
وَإِنْ شِئْتُمْ ضَمِنْتُمْ لَنَا نَصِيبِنَا وَقُمْتُمْ عَلَيْهِ، فَاخْتَارُوا
أَنْ يَضْمَنُوا وَيَقُومُوا عَلَيْهِ، وَقَالُوا: يَا ابْنَ رَوَاحَةَ هَذَا
الَّذِي تَعْمَلُونَ بِهِ، بِهِ تَقُومُ السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ، وَإِنَّمَا
يَقُومَانِ بِالْحَقِّ»(10).
ضوابط منح الصلاحيات الإدارية عند عمر بن الخطاب
في رسالة عمر بن الخطاب لشريح القاضي يظهر معنى دقيق في القيادة؛ أن التفويض الحقيقي ليس ترك الإنسان بلا ضابط،
وليس تقييده بحيث يفقد القدرة على التصرف، بل هو منحه الصلاحية ضمن إطار واضح.
فعمر لم يلغ
اجتهاد شريح، ولم يجعله تابعًا بلا رأي، لكنه وضع له خريطة طريق تحميه من التسرع، ثم
ترك له مساحة الاجتهاد عندما تنتهي موارد النصوص.
وهذا هو المنهج
السليم في التفويض المنضبط والقيادة؛ حيث كان يولي العمال ويمنحهم الصلاحية
والتفويض للتصرف والاجتهاد ضمن معايير محددة، ويقول لعماله: «إني لم أستعملكم
لتضربوا أبشار الناس ولا لتأخذوا أموالهم، ولكن استعملتكم لتعلموهم دينهم وسنتهم»(11)
واضعاً بذلك خريطة طريق تحمي الوالي والقاضي من الفوضى والشطط.
وكذلك كتب عمربن عبدالعزيز إلى عماله وولاته كتاباً فيه تفويضهم بالصلاحيات مع ضبطها بمعايير
الحق وتقوى الله، ونهيهم عن الجور والظلم(12) وهذا من أعمق مبادئ
الإدارة الناجحة؛ فالقائد الحكيم يبني أنظمة تمنع الفوضى، لكنه لا يقتل روح
المبادرة.
كيف نستفيد اليوم من التجربة المؤسسية لشريح القاضي؟
تحتاج المجتمعات
اليوم إلى نماذج تشبه شريحًا في مختلف المجالات؛ فالأزمة ليست دائمًا في غياب
الأنظمة، بل في غياب الأشخاص الذين يحملونها بأمانة.
- في التعليم نحتاج إلى من يعدل بين الطلاب،
- وفي العمل نحتاج إلى من يزن القرارات بالمعايير لا بالعلاقات،
- وفي الإعلام نحتاج إلى من يتحرى قبل الحكم،
- وفي الأسرة نحتاج إلى من
يفرق بين الانفعال والعدل.
فالقضاء الذي
مثله شريح ليس مجرد باب فقهي، بل مدرسة في بناء الإنسان الذي يعرف أن المسؤولية
تكليف قبل أن تكون مكانة.
ويبقى شريح
القاضي شاهدًا على أن الحضارات لا تبنى بالأنظمة وحدها، بل بالرجال الذين يحمون
هذه الأنظمة من الانحراف، فقد اجتمع فيه العلم، والاتزان، وطول النفس، والقدرة على
تحويل العدل من شعار إلى ممارسة يومية.
ومن خلال قصته يظهر أن أعظم ما يتركه الإنسان بعد رحيله ليس منصبًا شغله، وإنما معيارًا أقامه، وثقةً زرعها، وطريقًا مهّد لمن يأتي بعده.
الهوامش
- 1 شريح القاضي: هُوَ الفَقِيْهُ، أَبُو أُمَيَّةَ، شُرَيْحُ بنُ الحَارِثِ بنِ قَيْسِ بنِ الجَهْمِ الكِنْدِيُّ قَاضِي الكُوْفَةِ، وَيُقَالُ: شُرَيْحُ بنُ شَرَاحِيْلَ أَوِ ابْنُ شرحبيل، ويقال: وهو من أولاده الفُرْسُ الَّذِيْنَ كَانُوا بِاليَمَنِ يُقَالُ: لَهُ صُحْبَةٌ وَلَمْ يَصِحَّ، بَلْ هُوَ مِمَّنْ أَسْلَمَ فِي حَيَاةِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَانْتَقَلَ من اليمن زمن الصديق، حَدَّثَ عَنْ: عُمَرَ وَعَلِيٍّ، وَعَبْدِ الرَّحْمَنِ بنِ أَبِي بَكْرٍ، وَهُوَ نَزْرُ الحَدِيْثِ، حَدَّثَ عَنْهُ: قَيْسُ بنُ أَبِي حَازِمٍ وَمُرَّةُ الطَّيِّبُ وَتَمِيْمُ بنُ سَلَمَةَ وَالشَّعْبِيُّ وَإِبْرَاهِيْمُ النَّخَعِيُّ وَابْنُ سِيْرِيْنَ وَغَيْرُهُم وَثَّقَهُ: يَحْيَى بنُ مَعِيْنٍ.. وَعَنْ أَشْعَثَ: أَنَّ شُرَيْحاً عَاشَ مائَةً وَعَشْرَ سِنِيْنَ، وَقَالَ أَبُو نُعَيْمٍ: عَاشَ مائَةً وَثَمَانِيَ سِنِيْنَ، وَقَالَ هُوَ، وَالمَدَائِنِيُّ، وَالهَيْثَمُ: تُوُفِّيَ سَنَةَ ثَمَانٍ وَسَبْعِيْنَ، وَقَالَ خَلِيْفَةُ، وَابْنُ نُمَيْرٍ: مَاتَ سَنَةَ ثمانين، وقيل: إنه استغنى مِنَ القَضَاءِ قَبْلَ مَوْتِهِ بِسَنَةٍ، انظر: سير أعلام النبلاء (5/ 49).
- 2 سير أعلام النبلاء (5/ 49).
- 3 الاستذكار: ابن عبد البر (7/ 103).
- 4 سنن أبي داود (3592)، وسنن الترمذي (1327).
- 5 متفق عليه، البخاري (6788)، ومسلم (1688).
- 6 البداية والنهاية (8/ 83).
- 7 سيرة ابن هشام (1/ 197).
- 8 البداية والنهاية (8/ 170).
- 9 صحيح مسلم (1825).
- 10 المعجم الكبير للطبراني (424).
- 11 حلية الأولياء (1/ 87).
- 12 صفة الصفوة (2/ 117).
التعليقات (0)
لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلق!
اترك تعليقاً