مجالس العلم من الحضور إلى التحصيل
ضياع العلم بفوات تدوينه.. خبر عكرمة مولى ابن عباس
أورد الذهبي، في
«سير أعلام النبلاء»، عَنْ يَحْيَى بنُ أَيُّوْبَ قَالَ: قَالَ لِي ابْنُ
جُرَيْجٍ: قَدِمَ عَلَيْكُم عِكْرِمَةُ؟ قُلْتُ: بَلَى، قَالَ: فَكَتَبْتُم
عَنْهُ؟ قُلْتُ: لَا، قَالَ: فَاتَكُم ثُلُثَا العِلْمِ(1).
أورد الذهبي هذا
الأثر، وذكر في ترجمة عكرمة، نقلًا عن ابن يونس، قدومه إلى مصر، لكن الخبر لا يحدد
مكان محاورة ابن جريج ليحيى بن أيوب أو تاريخها، ولا يذكر سبب ترك الكتابة؛ فلا
يصح تحويله إلى حكم على أهل مصر جميعًا، أو تفسيره بخصومة مذهبية لم ينص عليها، والقدر
الواضح فيه شهادة عالم بقيمة علم عكرمة، وتنبيه إلى فرصة لم تُغتنم.
وبين السؤالين
مسافة قصيرة في العبارة، بعيدة في المعنى؛ ليس المهم أن يصل العالم إلى بلدك، بل
أن يصل شيء من علمه إليك، وقد تجتمع أسباب الانتفاع، ثم يفوت الانتفاع نفسه؛ لأن
القرب لم يتحول إلى سؤال، والحضور لم يتحول إلى تحصيل، والمعرفة المتاحة لم تجد من
يحفظها.
معايير تقويم العلماء
تلفت عبارة ابن
جريج النظر إلى عظم ما يحمله عكرمة، لكنها لا تقدم إحصاءً لمعارف العلماء، ولا
تحدد مجموعًا حُسب منه الثلثان، ولذلك نستدل بها على تعظيم منزلته عند قائلها، ولا
نستخرج منها أن بقية العلماء لا يملكون إلا الثلث الباقي، أو أن من لم يلقه فقد
أكثر العلم على وجه الحساب.
ويعين على فهم
هذه المنزلة ما نقله المزي عن سفيان الثوري: أنه جعل عكرمة أحد أربعة يُؤخذ عنهم
التفسير، مع سعيد بن جبير، ومجاهد، والضحاك(2)، فهذا تقدير لتخصص راسخ
داخل جماعة من العلماء، لا إلغاء لعلم الآخرين.
ومن هنا تبدو
بصيرة ابن جريج في إدراك قيمة المصدر الذي فات محاوريه، فطالب العلم لا يحتاج إلى
كثرة اللقاءات وحدها، بل إلى معرفة من ينتفع به، وفي أي باب ينتفع به.
وفي واقع
التعليم والعمل، قد ينشغل المرء بالأسماء الأشد حضورًا، ويغفل عمن يملك جوابًا
دقيقًا عن حاجته، وليس التصحيح أن نستبدل الانبهار بشخص بالانبهار بآخر، بل أن
نسأل عن الأهلية والتخصص، ونقدّر المعرفة بما يثبت من جودتها، لا بما يحيط بصاحبها
من ضجيج.
الحرمان من العلم رغم وجود الفرصة
يقابل هذا
الفوات موقف أيوب السختياني؛ فقد روى المزي أنه كان يريد الرحلة إلى عكرمة، ثم
لقيه في سوق البصرة وقد اجتمع الناس عليه، ولم يستحضر أيوب ما كان يريد سؤاله عنه،
فوقف قريبًا منه يحفظ أجوبته للسائلين(3)، لم تتوقف استفادته على أن
يسير اللقاء وفق الصورة التي أعدها؛ فقد انتفع بالمتاح حين تعذر عليه استحضار
أسئلته.
وهذا الحرص
يصحبه أدب الطلب، كما في قول موسى عليه السلام: (هَلْ أَتَّبِعُكَ عَلَى أَن تُعَلِّمَنِ مِمَّا
عُلِّمْتَ رُشْدًا) (الكهف: 66)، وقد وصف ابن كثير هذا السؤال بأنه «سؤال
بتلطف»، وبيّن ما فيه من أدب المتعلم مع العالم(4)، فالاغتنام لا يعني
الإلحاح المرهق، ولا التعامل مع العالم كأنه مورد يجب استنزافه؛ إنه استعداد محترم
للتعلم، ومراعاة لوقته وحاله.
وقد يكون المعلم
قريبًا، أو الخبير حاضرًا في المؤسسة، فيؤجَّل سؤاله اعتمادًا على سهولة الوصول
إليه، والأجدى أن يُهيَّأ للقاء سؤال واضح، وأن تُحفظ الفائدة الممكنة، دون انتظار
ظرف كامل قد لا يأتي، فقرب العالم ييسّر الطريق، لكنه لا يقوم مقام السير فيه.
كيف يتحول حضور الدروس العلمية إلى نفع دائم؟
لم يكتف ابن
جريج بالسؤال عن قدوم عكرمة؛ بل سأل عن الكتابة عنه، وهنا ينتقل النظر من وقوع
اللقاء إلى ثمرته: ماذا بقي لدى السامعين مما سمعوه؟
وقد ذكر أبو
هريرة امتياز عبد الله بن عمرو بالكتابة، فقال: «فإنه كان يكتب ولا أكتب»(5)،
وهذه شهادة من أحد كبار حملة السنة بقيمة التقييد، لا انتقاص من الحفظ الذي عُرف
به أبو هريرة نفسه.
لكن التدوين
النافع ليس جمعًا بلا تمييز، فقد ذكر سليمان بن موسى أصناف الجالسين إلى العالم،
وفضّل من ينتقي، فقال: «ورجل ينتقي وهو خيرهم»، وشرح ابن عبد البر ذمَّ من يجمع كل
مسموع دون تمييز بين صحيحه وسقيمه(6).
وهكذا تجتمع
الكتابة مع الفهم والنقد: نضبط العبارة، ونثبت مصدرها، ونميز كلام العالم من
تعليقنا عليه، ثم نراجع ما أشكل.
وفي عصر
التسجيلات والملفات، لا يكفي أن تكون المادة محفوظة في الجهاز؛ فالانتفاع يحتاج
إلى قراءة وفهرسة ومراجعة، وقد يكون ملخص محرر، يحفظ السؤال وجوابه ودليله، أنفع
لصاحبه من ساعات مسجلة لم يعد إليها، وليس المقصود الاستغناء عن الأصول، بل صنع
طريق واضح للرجوع إليها.
كيف نميز بين التحري الشرعي والإعراض المتعجل؟
لا يبيّن الخبر
لماذا لم يكتب يحيى ومن معه عن عكرمة؛ ولذلك لا يجوز اتهامهم بالخوف أو التعصب أو
الانقياد للمزاج العام، كما لا يجوز أن نجعل تعظيم الفرصة ذريعة للأخذ عن كل متصدر
دون فحص.
ويجمع موقف أيوب
السختياني بين الحرص والتحري؛ فقد قال عن عكرمة: «لو لم يكن عندي ثقة لم أكتب عنه»(7)،
فالكتابة هنا ثمرة ثقة، وليست إلغاءً لمعيارها.
ويؤصل لهذا
المعنى قول محمد بن سيرين: «إن هذا العلم دين، فانظروا عمن تأخذون دينكم»(8)،
فحرص المتعلم على ألا تفوته الفائدة يجب أن يصحبه حرصه على سلامة مصدرها.
وبين الإعراض
المتعجل والقبول المتعجل طريق الإنصاف: تُفحص الأهلية بالأدلة، وتُدرس الأقوال في
سياقها، ولا تُستبدل المعرفة المباشرة بالشائعة، ولا المراجعة العلمية بالإعجاب.
وفي تقويم
الباحثين والمعلمين، ينبغي ألا يكون الاختلاف في مسألة سببًا لإهدار كل كفاءة،
وألا تصبح الكفاءة سببًا لتصحيح كل قول، فحفظ المعرفة يقتضي إتاحة الوصول إليها،
ثم النظر فيها بميزان لا يتغير بتغير المحبة والنفور.
أدب المعاتبة التربوية المستفاد من حوار عكرمة
بدأ ابن جريج
بوقائع محددة: هل قدم عكرمة؟ وهل كتبوا عنه؟ ثم بيّن ما يراه من حجم الفوات، وفي
هذا التدرج ما يصلح لاستلهام أدب تربوي: أن يقوم التنبيه على أمر معلوم، وأن تتضح
صلته بالغاية التي أُهملت.
لكننا لا نعرف
نبرة الحوار، ولا أثره النفسي في يحيى؛ فلا نملك وصفه بأنه «صدمة محسوبة»، ولا
الجزم بأنه أفضى إلى ندم أو تغيير، الذي نستطيع مناقشته هو العبارة نفسها، وما
تلفت إليه من مسؤولية التحصيل.
ويضبط تنزيل هذا المعنى قوله صلى الله عليه وسلم: «إن الرفق لا يكون في شيء إلا زانه، ولا ينزع من شيء إلا شانه»(9)، ففي الحديث فضل الرفق والحث على التخلق به، وذم العنف(10)، فليس الصدق في التقييم مرادفًا للقسوة، ولا الرفق مرادفًا لإخفاء التقصير.
يستطيع المعلم أن يبين لطالبه ما فوّته، ويستطيع المسؤول أن يناقش
فرصة ضائعة، دون السخرية من الأشخاص أو تحويل الخطأ إلى وصمة، والأجدى أن يعقب
التنبيه سؤالٌ يفتح العمل: ما الذي يمكن تداركه، وكيف نتجنب تكرار الفوات؟ بذلك
يصبح العتاب جسرًا إلى التحسن، لا مجلسًا لإدامة الشعور بالعجز.
لماذا لا يكفي النبوغ الفردي لبقاء العلم؟
يلفت الأثر إلى
مسؤولية المتلقين؛ فالعالم يحمل علمه، لكن امتداد نفعه يحتاج إلى من يتعلمه ويضبطه
وينقله.
ومن الشواهد المشهورة ما نقله الشيرازي عن الشافعي: «الليث أفقه من مالك إلا أن أصحابه لم يقوموا به»(11)، والمقصود هنا ليس الدخول في المفاضلة بين الإمامين، وإنما تأمل ما تدل عليه الشهادة من أثر أصحاب العالم في خدمة علمه.
فلا تنحصر
الوفاء للشيخ في الثناء عليه، ولا خدمة المعرفة في الاحتفاء بصاحبها، ثمة عمل أقل
ظهورًا وأبقى نفعًا: تحرير المسائل، ومقابلة الروايات، وجمع المتفرق، وتعليم ما
ثبت، وحفظ نسبة الأقوال.
وفي المؤسسات قد
يعتمد العمل على خبرة شخص واحد، بينما لا يتعلم بقية الفريق كيف ينظر في المشكلات
ويعالجها، ومن استلهام هذا المعنى أن تصاحب الخبرةَ تربيةٌ لمن يحملها: يتعلم
المبتدئ من المتمرس، وتُراجع الإجراءات، وتُحفظ أسباب القرارات، لا نتائجها وحدها.
ولا يعني ذلك
إمكان اختزال العالم أو الخبير في أوراق؛ فالتوثيق يحفظ جانبًا من المعرفة،
والتدريب والممارسة ينقلان جوانب أخرى، والمطلوب تكامل هذه الطرق، لا الاكتفاء
بواحدة منها.
علاج فوات الفرص بحسن اغتنام الوقت الحاضر
تبقى عبارة ابن
جريج نافعة ما دامت توقظ العمل؛ أما إذا تحولت إلى اجترار للفرص الضائعة، فقد
تستهلك فرصة جديدة بدل أن تحفظها.
ولهذا، أوصى ابن
جماعة طالب العلم أن يبادر شبابه وأوقات عمره إلى التحصيل ولا يغتر بخدع التسويف
والتأميل(12)، فموضع الإصلاح هو الوقت الذي ما زال في اليد، لا الزمن
الذي خرج منها.
ويمكن تحويل هذا
المعنى إلى عادة بسيطة: تُحدد المسألة التي تحتاج إلى تعلمها، ويُختار لها مصدر
موثوق، ويُهيأ سؤالها، ثم تُراجع فائدتها بعد التلقي، ولا يلزم أن تكون البداية
مشروعًا ضخمًا؛ فقد تبدأ بمجلس منتظم أو قراءة متأنية أو سؤال مؤجل يُطرح أخيرًا.
وليس اغتنام
العلم ملاحقة كل درس وكل متحدث؛ فالاختيار جزء من الجدية، وإنما المقصود ألا يؤجل
الإنسان ما يحتاج إليه ويقدر عليه لمجرد أن الفرصة تبدو متاحة دائمًا، فالمتاح
اليوم جدير بالشكر والعمل، لا بضمانات نتوهمها عن الغد.
ويضعنا خبر عكرمة أمام سؤال يتجاوز زمنه: ماذا نفعل بالعلم حين يقترب منا؟ قد نكتفي بمعرفة أسماء حملته، أو بحضور مجالسهم، أو بالثناء على فضلهم؛ لكن الأثر يدعونا إلى خطوة أبعد: أن نتعلم، ونتثبت، ونحفظ، ثم ننفع بما تعلمنا.
فليست قيمة الفرصة في أنها مرت بنا، بل في الخير الذي أحسنّا أخذه منها، والوفاء للعلم ليس كثرة التحسر على من فات، وإنما حسن الانتفاع بمن بقي، وأمانة حمل ما وصل.
الهوامش
- 1 سير أعلام النبلاء (5/ 18).
- 2 تهذيب الكمال (20/ 274).
- 3 تاريخ الإسلام (7/ 106).
- 4 تفسير ابن كثير (5/ 181).
- 5 صحيح البخاري (113).
- 6 جامع بيان العلم وفضله (1/ 328).
- 7 تهذيب الكمال (20/ 275).
- 8 صحيح مسلم (1/ 14).
- 9 صحيح مسلم (2594).
- 10 شرح النووي على مسلم (16/ 145).
- 11 طبقات الفقهاء، ص 78.
- 12 تذكرة السامع والمتكلم في أدب العالم والمتعلم، ص 70.
التعليقات (0)
لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلق!
اترك تعليقاً