أمانة النقل ومسؤولية الشاهد..
كيف ننصف الراوي بالدليل؟ أبو أمامة وعكرمة مولى ابن عباس
أورد الذهبي، في
«سير أعلام النبلاء»، عَنْ عُثْمَانَ بنِ حَكِيْمٍ، قَالَ: كُنْتُ جَالِساً مَعَ
أَبِي أُمَامَةَ بنِ سَهْلٍ، إِذْ جَاءَ عِكْرِمَةُ، فَقَالَ: يَا أَبَا
أُمَامَةَ، أُذَكِّرُكَ اللهَ، هَلْ سَمِعْتَ ابْنَ عَبَّاسٍ يَقُوْلُ: مَا
حَدَّثَكُم عَنِّي عِكْرِمَةُ، فَصَدِّقُوْهُ، فَإِنَّهُ لَمْ يَكْذِبْ عَلَيَّ؟
فَقَالَ أَبُو أُمَامَةَ: نَعَمْ(1).
في هذا الحوار
القصير يلتقي صدق الناقل بأمانة الشاهد، ويتحوّل الدفاع عن السمعة إلى سؤال يمكن
التحقق من جوابه، وليست قيمة الموقف في أن صاحبه انتصر لنفسه فحسب، بل في أنه أحال
الناس إلى شهادة معلومة، بدل أن يطالبهم بثقة لا دليل عليها.
وعكرمة من علماء
التابعين الذين نقلوا علم ابن عباس، وقد وصفه ابن حجر بقوله: «ثقة ثبت عالم
بالتفسير»(2)، وهذه المنزلة العلمية تساعد على فهم أهمية السؤال عن
صدقه، فالمسألة تتصل بما يحمله من تفسير وفقه ورواية، لا بمجرد مكانة اجتماعية.
وأبو أمامة هو
ابن سهل بن حنيف الأنصاري الأوسي، وقد ولد في حياة النبي صلى الله عليه وسلم، ونقل
ابن كثير عن الزهري وصفه بأنه من علية الأنصار وعلمائهم، فقال: كَانَ مِنْ عِلْيَةِ
الْأَنْصَارِ وَعُلَمَائِهِمْ، وَمِنْ أَبْنَاءِ الَّذِينَ شَهِدُوا بَدْرًا(3).
ومن هنا يبدأ
الإنصاف أن نضبط أسماء الأشخاص ومراتبهم قبل تفسير أفعالهم، وفي التعليم والكتابة
التاريخية، لا تزيد القصة جمالًا بإضافة وقائع محتملة إليها؛ بل تزداد قيمة حين
يعرف القارئ أين ينتهي الخبر، وأين يبدأ اجتهاد الكاتب.
شروط قبول الرواية وأمانة النقل العلمي
يمكن قراءة
مبادرة عكرمة بوصفها حمايةً لطريق نقل المعرفة، إلى جانب دفاعه المشروع عن نفسه، فالشهادة
التي طلبها تتعلق بصدقه فيما يرويه عن شيخه؛ ولذلك كان السؤال محددًا، وكانت تزكية
ابن عباس متصلة بأمانة النقل.
يضيء هذا المعنى
قول محمد بن سيرين: «إِنَّ هَذَا الْعِلْمَ دِينٌ فَانْظُرُوا عَمَّنْ
تَأْخُذُونَ دِينَكُمْ»(4)، فاختيار الناقل ليس أمرًا هامشيًّا حين
يكون المنقول دينًا يتعبد الناس به.
ولم تكن الثقة
بعكرمة مجرد مديح؛ فقد نقل الذهبي عن أيوب السختياني أنه ما كان ليكتب عنه لولا
ثقته به، ونقل عنه نفي اتهامه(5)، وهذه شهادة عالم مارس التلقي، لا
انطباع متفرج بعيد، ويضع ذلك المسؤولية على الطرفين؛ على المتكلم أن يصون نقله،
وعلى السامع أن يتحرى مصدره.
وفي واقع البحث
والتعليم، ليس توثيق المرجع ترفًا شكليًّا، ولا طلب المصدر إساءةً إلى الأستاذ؛
إنهما وسيلتان لحماية المعرفة من الخطأ، وحماية صاحبها من نسبة ما لم يقله إليه.
شهادة أهل الاختصاص ترجح الكفة وقت الأزمات
لم يطلب عكرمة
من أبي أمامة ثناءً مفتوحًا، وإنما سأله عن واقعة سماع: هل سمعت ابن عباس يقول
هذا؟ والفرق كبير بين شاهد يخبر بما علم، ومؤيد يمنح صاحبه رضاه، فالأول يقدم
مادةً للفحص، أما الثاني فقد لا يزيد على إعلان المحبة.
ويقارب هذا
المعنى موقف الإمام مالك من أهليته للفتوى؛ قال: «ما أفتيت حتى شهد لي سبعون أني
أهل لذلك»(6)، لم يجعل مالك ثقته بنفسه وحدها كافية للتصدر، بل اعتبر
معرفة أهل العلم بحاله.
وليس المقصود
تحويل تزكية العلماء إلى استفتاء عددي، ولا قياس شهادة أبي أمامة بشهادات شيوخ
مالك؛ وإنما الجامع أن الاعتراف العلمي يصدر عمن يملك أهلية معرفته، فصحة الشهادة
تتعلق بعلم صاحبها وصدقه، لا بضجيج المحيطين به.
وفي المؤسسات،
يكون الرجوع إلى الوثيقة الأصلية، أو صاحب المعرفة المباشرة، أو لجنة مختصة، أنفع
من حشد رسائل التأييد، ومن حسن إدارة النزاع أن يُسأل أولًا: ما الواقعة المختلف
عليها؟ ومن يستطيع إثباتها؟ فبهذا يضيق مجال الخصومة، ويتسع مجال الإنصاف.
التذكير بالله يحرر الشهادة من ضغط المجاملة
استفتح عكرمة
طلبه بالتذكير بالله، فجعل أداء الشهادة متصلًا بمسؤولية الضمير، واللفظ المنقول
تذكيرٌ بالله؛ ولا يتضمن حكاية يمين حلفها أبو أمامة، كما أن الخبر لا يصف مجلس
قضاء رسميًّا، فلا حاجة إلى تحميله إجراءات لم يذكرها، ويُقرأ الموقف في ضوء قوله
تعالى: (وَلَا تَكْتُمُوا
الشَّهَادَةَ وَمَنْ يَكْتُمْهَا فَإِنَّهُ آثِمٌ قَلْبُهُ) (البقرة: 283)،
وقد بيّن الطبري، في تفسير الآية، أن على الشهود إجابة من يحتاج إلى إقامة
شهادتهم، فقال: ولكن أجيبوا من شهدتم له إذا دعاكم لإقامة شهادتكم(7)، فهذا
تأصيل أخلاقي مناسب للموقف، وليس دليلًا على أن الآية بعينها كانت الدافع النفسي
المباشر للشخصيتين؛ فذلك مما لم ينقله الخبر.
وتظهر قيمة هذا
المعنى حين يعرف المرء حقيقةً تنصف زميلًا أو قريبًا ثم يسكت مخافة الحرج، لكن
أداء الشهادة يقتضي أيضًا ألّا يزيد الشاهد على علمه إرضاءً لصاحب الحق؛ فالإنصاف
لا يكون بكتمان الحقيقة، ولا بتوسيعها، والتذكير بالله ينبغي أن يحرر الشاهد من
ضغط المجاملة، لا أن يتحول إلى ضغط عليه ليقول جوابًا مرغوبًا.
المبادرة بإيضاح التصرف دفعا لسوء ظن الناس
لا يكشف الخبر
مقدار ما شعر به عكرمة من غضب أو ألم، ولا يسمح بتشخيص حالته النفسية، لكنه يكشف
سلوكًا واضحًا: طلب تأكيد شهادة محددة، ولم ينقل الراوي عنه في هذا المجلس سبابًا
أو استطرادًا في ذم المخالفين، وهذا القدر كافٍ لاستخراج معنى عملي: توجيه الجهد
إلى ما يوضح الحقيقة.
ولهذا المعنى
أصل نبوي؛ فقد بيّن النبي صلى الله عليه وسلم للرجلين الأنصاريين هوية صفية حين
مرّا به وهو معها، فقال: «على رسلكما، إنما هي صفية بنت حيي»(8)، فالبيان
هنا مبادرة تمنع الريبة، وليس اعترافًا بوجود خطأ.
واستنبط النووي
من الحديث: «استحباب التحرز من التعرض لسوء ظن الناس»، وشرح أن الإنسان يوضح حاله
حين يخفى وجه تصرفه الصحيح، دفعًا لسوء الفهم(9).
ومن هنا لا
يتعارض التواضع مع بيان الحقيقة عن النفس، فقد يحتاج المعلم أو الموظف إلى تصحيح
اتهام يمس أمانته، لكن البيان يُقدَّر بالحاجة: يُقدَّم لمن يعنيهم الأمر،
وبالدليل المناسب، دون توسيع دائرة الإشاعة أو تحويل كل تشكيك عابر إلى معركة
عامة.
كيف تحطم الكفاءة العلمية قيود التصنيف الطبقي؟
في أصل الخبر
يزكي ابن عباس صدق مولاه، ويؤكد أبو أمامة سماع هذه التزكية، ويمكن استلهام معنى
تربوي من ذلك: أن قيمة الإنسان العلمية تُعرف بأمانته وكفاءته، لا بما توحي به
التسميات الاجتماعية من قرب أو بعد عن الوجاهة.
ويتجلى هذا
المعنى في موقف النبي صلى الله عليه وسلم من أسامة بن زيد رضي الله عنهما، حين
ولاه قيادة جيش، فاعترض بعض الناس على إمارته، فوقف النبي صلى الله عليه وسلم
مدافعًا عنه، ومؤكدًا أهليته للقيادة، حيث روى عبد الله بن عمر رضي الله عنهما أن
رسول الله صلى الله عليه وسلم بعث جيشًا وأمَّر عليهم أسامة بن زيد، فطعن الناس في
إمارته، فقام رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: «إِنْ تَطْعَنُوا فِي
إِمْرَتِهِ، فَقَدْ كُنْتُمْ تَطْعَنُونَ فِي إِمْرَةِ أَبِيهِ مِنْ قَبْلُ،
وَايْمُ اللهِ إِنْ كَانَ لَخَلِيقًا لِلْإِمْرَةِ، وَإِنْ كَانَ لَمِنْ أَحَبِّ
النَّاسِ إِلَيَّ، وَإِنَّ هَذَا لَمِنْ أَحَبِّ النَّاسِ إِلَيَّ بَعْدَهُ»(10).
ويكشف هذا
الموقف عن منهج نبوي واضح في تقدير الإنسان؛ فقد أكد النبي صلى الله عليه وسلم أن
أسامة رضي الله عنه أهل للإمارة، ولم يجعل الاعتراضات المثارة حول توليته سببًا
للتراجع عن اختياره، بل بيَّن استحقاقه للمسؤولية، كما سبق أن بيَّن أهلية أبيه
زيد بن حارثة رضي الله عنه للقيادة.
وتتجلى الدلالة
التربوية في أن الإنسان لا ينبغي أن يُحكم عليه وفق تصنيف اجتماعي مسبق، وإنما وفق
ما يثبت له من أهلية واستحقاق، فالمكانة الاجتماعية، أو صغر السن، أو نظرة الآخرين
إلى الشخص، لا ينبغي أن تحجب ما يمتلكه من قدرات، ولا أن تكون سببًا في حرمانه من
فرصة يستحقها.
ومن هنا، فإن من
واجب المؤسسات التعليمية والدعوية والاجتماعية أن تكتشف الكفاءات، وتتيح لها فرص
المشاركة وتحمل المسؤولية، وألا تقصر التقدير على أصحاب الوجاهة أو الأسماء
المشهورة؛ لأن إهدار الكفاءات بسبب الأحكام المسبقة لا يظلم أصحابها فحسب، بل يحرم
المجتمع أيضًا من طاقاتهم وإسهاماتهم.
هل تمنع تزكية العدالة مراجعة أوهام الراوي؟
حماية عكرمة من
اتهام غير ثابت لا تستلزم إلغاء علم النقد، كما أن ثبوت صدق الراوي لا يعني عصمته
من الوهم، فالمنهج المنصف لا يهدر التزكية، ولا يتخذها ذريعة لرفض كل ملاحظة.
وقد ضبط ابن حجر
تقديم الجرح على التعديل بقوله: «وَالجَرْحُ مُقَدَّمٌ عَلَى التَّعْدِيلِ إِنْ صَدَرَ
مُبَيَّناً مِنْ عَارِفٍ بِأَسْبَابِهِ»، وبيّن أن الجرح غير المفسر لا يقدح
فيمن ثبتت عدالته(11)، فليست كل عبارة شديدة نقدًا معتبرًا؛ لا بد من
سبب مفهوم، وناقد مؤهل، ونظر في الأدلة.
ومن المواقف
الدالة على قيمة التثبت أن عمر طلب من أبي موسى الأشعري بيّنة على حديث الاستئذان،
فذهب أبو موسى إلى مجلس الأنصار، وقام معه أبو سعيد الخدري فأخبر عمر بسماعه
الحديث(12)، فهذا مثال على الرجوع إلى شاهد السماع عند طلب مزيد من
التحقق.
ولذلك لا ينبغي
أن تتحول قراءة موقف عكرمة إلى اتهام جميع ناقديه بالحسد، أو إلى قاعدة تجعل كل
طعن دليلًا على رفعة المطعون فيه.
وفي واقعنا،
يحتاج صاحب العلم إلى الحماية من الافتراء، ويحتاج المجتمع إلى حق السؤال
والمراجعة، والعدل يجمع الأمرين: يحمي الشخص من الباطل، ولا يحمي الخطأ من
التصحيح.
تدوين الحقائق والشهادات يصون المعرفة من الضياع.. عكرمة نموذجاً
جاءت إجابة أبي
أمامة موجزة؛ لأن السؤال عيّن القول المسؤول عنه، وقيمة «نعم» هنا ليست في عدد
حروفها، وإنما في وضوح مرجعها واتصالها بسماع الشاهد، ثم حفظ عثمان بن حكيم هذا
الحوار، فصار موقفًا يمكن للأجيال الرجوع إليه.
ويقارب معنى حفظ
العلم قبل ضياعه ما كتبه عمر بن عبد العزيز إلى أبي بكر بن حزم، آمرًا بكتابة
الحديث، ففي صحيح البخاري: «كَتَبَ عُمَرُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ إِلَى أَبِي
بَكْرِ بْنِ حَزْمٍ انْظُرْ مَا كَانَ مِنْ حَدِيثِ رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ
عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَاكْتُبْهُ؛ فَإِنِّي خِفْتُ دُرُوسَ الْعِلْمِ وَذَهَابَ
الْعُلَمَاءِ، وَلَا تَقْبَلْ إِلَّا حَدِيثَ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ
وَسَلَّمَ، وَلْتُفْشُوا الْعِلْمَ، وَلْتَجْلِسُوا؛ حَتَّى يُعَلَّمَ مَنْ لَا
يَعْلَمُ، فَإِنَّ الْعِلْمَ لَا يَهْلِكُ حَتَّى يَكُونَ سِرًّا»(13)،
والمقصود بدروس العلم اندراسه وذهابه، لا دروس التعليم.
وليس الخبران
واقعة واحدة، ولا يثبت أن عكرمة خطط لمشروع تدوين؛ لكنهما يلتقيان في معنى نستفيد
منه: أن العلم والحقوق يحتاجان إلى حفظ ما يثبتهما، لا إلى الاكتفاء بوجود من
يعرفهما.
وفي المؤسسات
العلمية والتربوية، يُترجم ذلك إلى ضبط المراجع، وحفظ المراسلات، وتوثيق القرارات
والشهادات في سياقها، فوثيقة موجزة دقيقة قد تنصف صاحب حق، بينما لا تفعل ذلك
صفحات من المديح الذي يخلو من معلومة قابلة للتحقق.
ويظل هذا المجلس الصغير أوسع دلالةً من أن يُختزل في انتصار شخص على مخالفيه، ففيه ناقل يسأل عن شهادة تخص أمانته، وشاهد يؤدي ما عنده، وراوٍ يحفظ ما سمع، ومن هذه الوظائف المتكاملة يمكن أن نتعلم كيف نصون الثقة: لا بمنع السؤال، ولا بتقديس الأشخاص، ولا بتكثير الاتهامات؛ بل بأن نطلب الدليل بأدب، ونؤدي الشهادة بصدق، ونبقى مستعدين لقبول ما يكشفه التحقيق.
الهوامش
- 1 سير أعلام النبلاء (5/ 16).
- 2 تقريب التهذيب، ص 397.
- 3 البداية والنهاية (9/ 190).
- 4 صحيح مسلم (1/ 11).
- 5 سير أعلام النبلاء (5/ 18 – 19).
- 6 حلية الأولياء (6/ 316).
- 7 تفسير الطبري (6/ 99).
- 8 متفق عليه، أخرجه البخاري (2035)، ومسلم (2175).
- 9 شرح النووي على مسلم (14/ 156).
- 10 صحيح مسلم (2426).
- 11 نخبة الفكر، ص 71.
- 12 صحيح البخاري (6245).
- 13 صحيح البخاري (1/ 31).
التعليقات (0)
لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلق!
اترك تعليقاً