عظماء قانونيون (5)

عدنان مندريس.. «شهيد الأذان»!

أسامة الشاهين

05 نوفمبر 2026

22

عدنان_مندريس_رئيس_وزراء_تركيا_الأسبق

يعلمنا الإسلام العظيم، بلسان النبي صلى الله عليه وسلم، ألا نيأس أو نحبط؛ فطالما وُلد فجر باسم من قلب ظلام داهم، وها هو يقول في الحديث الصحيح، وهو مُدمى طريد محارَب جريح، لسيدنا جبريل، وملك الجبال، عليهما السلام: «بل أرجو أن يُخرج الله من أصلابهم من يعبد الله لا يشرك به شيئاً»، وقد كان.

وتكرر تحقق هذا الأمر، وانطباق هذه السُّنة، في تاريخ الإسلام والمسلمين المجيد مراراً، وما بطل مقالنا اليوم إلا مثال على ذلك، فهو المسلم العظيم القانوني عدنان مندريس، الذي وُلد عام 1899م، في أسرة غنية ميسورة، من كبار ملاك الأراضي وزارعي القطن، درس بالمعهد الأمريكي الخاص في أزمير، وتخرج في كلية الحقوق بجامعة أنقرة عام 1930م.

وكان عضواً صاعداً ونجماً واعداً في «حزب الشعب» الذي أسسه كمال أتاتورك، وانتُخب عضواً بالبرلمان عنه في دورات الأعوام 1931 و1935 و1939 و1943م النيابية.

لكنه غامر بهذا الغنى والمجد كله، واختار طريقاً شاقاً؛ حيث أسس عام 1946م «الحزب الديمقراطي» برفقة جلال بايار، رفضاً للحزب الواحد، وتمسكاً بالتعددية، وحماية لحريات الصحافة وممارسة السياسة والشعائر الدينية، وخاض انتخابات تلك السنة وفاز، ثم اكتسح هو وحزبه انتخابات عام 1950م، حيث حصدوا 84% من مقاعد البرلمان!

فأصبح مندريس رئيساً للوزراء، وبايار رئيساً للجمهورية، ووفَّى القانوني الشهيد بوعوده، وأوفى، يرحمه الله تعالى، لدينه؛ فأعاد الأذان باللغة العربية بعد 18 عاماً من حظره، وسمح للأتراك بالحج، وبناء المساجد الجديدة في القرى، وأمر بعودة بث القرآن الكريم عبر الإذاعة الحكومية، والسماح بتدريس التربية الإسلامية في المدارس، وغيرها من الإجراءات التي أعزت الإسلام وأسعدت المسلمين.

وفاز مندريس بانتخابات عام 1954م باكتساح أكبر وأكثر، غير مسبوق ولا ملحوق، واستثمر العدوان الثلاثي على الشقيقة مصر عام 1956م، كي يطرد السفير «الإسرائيلي» من عاصمة بلاده أنقرة.

وكذلك زار «شهيد الأذان» زوجة السلطان عبدالحميد الثاني وابنته، في منفاهما الاضطراري بفرنسا، ونجح، بجهد حثيث ومخاطرة كبيرة، في إعادتهما، وإعادة كافة نساء العائلة العثمانية الكريمة إلى وطنهن؛ حيث دُفنت فيه السلطانة عام 1961م، وسبقتها الأميرة عام 1960م.

وبجانب ذلك، حقق إنجازات ومشروعات اقتصادية واجتماعية وسياسية محورية أخرى، كالانضمام إلى حلف «الناتو» العسكري، وبناء سد مائي في كل مدينة وقرية تقريباً، وتوزيع الجرارات الزراعية الحديثة على المزارعين، حتى تحولت تركيا إلى مُصدِّر عالمي لعدة محاصيل زراعية.

لكن شعبية حزبه تقلصت في انتخابات عام 1957م؛ ما دفع العلمانيين، بمن فيهم عصمت إينونو، رفيق أتاتورك، إلى التحريض على الانقلاب ضد شخصه وحزبه، وهو ما فعله العقيد تركش وعصابته في 27 مايو 1960م، في أول انقلاب عسكري بالجمهورية التركية.

وقام الانقلابيون بحبس رئيس الجمهورية ورئيس الوزراء، وعدد من النواب والوزراء، وأحالوا إلى التقاعد 235 جنرالاً، و5000 ضابط، و147 أستاذاً جامعياً، و520 قاضياً، بحجة سعيهم إلى إعادة الخلافة الإسلامية، وتقويض النظام العلماني «الأتاتوركي» المتوحش.

ثم أعدموا، بعد محاكمة عسكرية صورية، المسلم العظيم القانوني عدنان مندريس، في 17 سبتمبر 1961م، ووزيري خارجيته وماليته كذلك، رغم ما حققه الثلاثة من نتائج مهمة ومكاسب عامة للبلاد والعباد، كعادة كل انقلابي في خدمة أعداء وطنه، من حيث يدري أو لا يدري.

رحم الله «شهيد الأذان»، وطوبى له ولكل القادة المصلحين الشهداء، وطوبى لأمة ولّادة، عصية على الانكسار والفناء؛ فالخير فيها إلى قيام الساعة، كما علمنا القائد المصلح الشهيد الأعظم، سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم.

الرابط المختصر :

اترك تعليقاً

التعليقات (0)

لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلق!

تابعنا

الرئيسية

مرئيات

جميع الأعداد

ملفات خاصة

مدونة