عقيدة الحوثيين.. بين الزيدية والجارودية

عقيدة الحوثيين.. بين الزيدية والجارودية

حول عقيدة الحوثيين

في كثير من الكتابات يُقدَّم المذهب الزيدي على أنه أقرب فرق الشيعة إلى أهل السُّنة، ويُقدَّم الحوثيون في المقابل على أنهم خرجوا عن هذا الاعتدال إلى الغلو، وفي هذا التصوير قدرٌ من الصواب، لكنه يحتاج إلى تحرير، لسببين؛ أن الزيدية لم تكن تيارًا واحدًا منذ نشأتها، وأن المذهب السائد في اليمن، وهو المذهب الهادوي، له في الإمامة أصولٌ أقرب إلى الجارودية مما يُشاع.

ولا يتبيّن موقع الحوثيين بدقة إلا بعد النظر في ثلاث مراتب: زيد بن علي نفسه، ثم فرق الزيدية الأولى، ثم الهادوية في اليمن، ويحسن قبل ذلك التنبيه إلى أمر يفرضه الواقع اليوم.

فالحديث عن الحوثيين لم يعد حديثًا عن فرقة في كتب المقالات، بل عن سلطة قائمة في جزء كبير من اليمن، وطرف في حرب طويلة وصراع إقليمي، ولهذا وجب الفصل بين الحركة الحوثية بوصفها مشروعًا سياسيًّا وعقديًّا، والزيدية بوصفها مذهبًا عريقًا يدين به كثير من اليمنيين، ليسوا جميعًا على رأي الحركة ولا في صفّها.

أولًا: زيد بن علي ونشأة الزيدية:

يُنسب المذهب إلى زيد بن علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب، الذي خرج على هشام بن عبدالملك في الكوفة وقُتل سنة 122هـ، والمشهور في سبب تسمية «الرافضة» أن جماعة من أهل الكوفة سألوه أن يتبرّأ من أبي بكر، وعمر، شرطًا لنصرته، فأبى وترحّم عليهما، فرفضوه وانصرفوا عنه(1).

ونقل الشهرستاني عن زيد القول بجواز إمامة المفضول مع وجود الأفضل، فعليٌّ عنده أفضل الصحابة، لكن إمامة أبي بكر، وعمر، صحيحة لمصلحة رأتها الأمة في وقتها(2)، أما عثمان فالأمر فيه أقل وضوحًا، فقد اختلف فيه من انتسب إلى زيد بعده بين التوقّف والتخطئة.

ثانيًا: فرق الزيدية الأولى:

لم يمضِ جيل على زيد حتى انقسم المنتسبون إليه فرقًا، أشهرها ثلاث(3)


 الأولى: الجارودية أتباع أبي الجارود زياد بن المنذر الكوفي، ويُلقَّبون بالسرحوبية

والثانية: السليمانية أتباع سليمان بن جرير

والثالثة: الصالحية والبترية أتباع الحسن بن صالح بن حي وكثير النوّاء الأبتر.

فأما السليمانية والصالحية والبترية فهي التي يصدق عليها وصف القرب من أهل السُّنة، فقد أقرّت بإمامة أبي بكر، وعمر، رَضِيَ اللهُ عَنْهُما، على قاعدة إمامة المفضول، وتوقّف بعضها في عثمان رَضِيَ اللهُ عَنْهُ.

وأما الجارودية فخالفت قول زيد في الشيخين، وقامت على ثلاثة أصول(4):

1- النص على عليّ: أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم نصّ على إمامة عليّ بالوصف لا بالتسمية، وأن الصحابة قصّروا في معرفة الموصوف وطلبه، فضلّوا بتركهم بيعته، بل كفروهم بذلك.

2- الإمامة في البطنين: أن الإمامة بعد الحسن، والحسين، رَضِيَ اللهُ عَنْهُما، شورى في أولادهما.

3- شرط الخروج: أن من خرج منهم شاهرًا سيفه داعيًا إلى نفسه، وكان عالمًا ورعًا، فهو الإمام.

ويتبيّن من هذا أمران

الأول: أن الطعن في الصحابة ظهر في الزيدية منذ جيلها الأول، فأبو الجارود من معاصري زيد ومن أصحابه

والثاني: أن حصر الإمامة في البطنين وشرط الخروج ليسا من خصائص الجارودية، بل هما عند عامة الزيدية، وإنما تنفرد الجارودية بالقول بالنص على علي بالوصف، وبحكمها على الصحابة بالضلال.

ثالثًا: الهادوية في اليمن:

دخل المذهب الزيدي اليمن على يد الإمام الهادي يحيى بن الحسين الرسّي (ت 298هـ)، الذي قدم إليها من الحجاز سنة 280هـ بطلب من بعض أتباع المذهب من اليمنيين لحلّ نزاعات بينهم، فقامت على مذهبه دولة الأئمة في اليمن قرونًا، ونُسب أتباعه إليه فسُمّوا «الهادوية».

وقد قرّر الهادي في الإمامة أن عليًّا هو الإمام بعد النبي صلى الله عليه وآله وسلم مباشرة بنصّ خفي، وهذا أصل جارودي، ولهذا عدّ بعض الباحثين الهادويةَ امتدادًا للجارودية في نظرية الإمامة، ومنهم المستشرق ويلفريد مادلونغ، وأحمد محمود صبحي(5)، ويرى بعض الباحثين أن الهادي خالف زيدًا في هذه المسألة خاصة، إذ يُنسب إلى زيد أن شرط البطنين شرط أفضلية، بينما هو عند الهادي شرط وجوب(6).

غير أن جمهور علماء الهادوية في القرون اللاحقة لم يتابعوا الجارودية الأولى في تكفير الصحابة، فمنهم من توقّف، ومنهم من ترضّى عن الشيخين مع تخطئتهما في التقدّم على عليّ.

أصول اعتقاد المذهب الزيدي

وأما في أصول الاعتقاد فالهادوية على مذهب المعتزلة في مسائل كثيرة، كنفي رؤية الله في الآخرة، ونفي الشفاعة لأهل الكبائر، والقول بخلق القرآن، فهذه أصول هادوية عامة، وليست خصائص حوثية، ويمكن تلخيص ذلك بقول: إن المذهب الزيدي هو عقيدة المعتزلة مضافًا إليها الإمامة.

وفي داخل هذا المذهب نشأ تيار مال إلى السُّنة وتحرّر من التقليد الهادوي، ومن أعلامه ابن الوزير، وابن الأمير الصنعاني، والشوكاني، والمقبلي، فهؤلاء نشؤوا زيدية، ثم مالوا إلى الحديث في كثير من المسائل، ومصنّفاتهم مشهورة، وهذا التيار هو الذي يصدق عليه، أكثر من غيره، وصف الزيدية بالقرب من أهل السُّنة.

رابعًا: الحوثية في التاريخ المعاصر:

نشأت الحركة الحوثية في مدينة صعدة من داخل البيئة الهادوية، فمؤسسها حسين بدر الدين الحوثي، الذي فاز عام 1993م بمقعد في مجلس النواب عن حزب الحق في محافظة صعدة، ثم قاد حركة «الشباب المؤمن»، وتحوّلت الجماعة إلى تنظيم مسلح عام 2004م فيما عُرف بحرب صعدة، وقُتل حسين الحوثي في أولى جولاتها، فخلفه أخوه الأصغر عبدالملك، وكان أبوهما بدر الدين الحوثي المرجعيةَ الدينية للحركة، التي تسمّي نفسها «أنصار الله».

وأوضح ما يكشف موقع الحوثيين من الزيدية المعاصرة حادثة عام 1990م، ففي ذلك العام وقّع عدد من علماء الزيدية في صنعاء بيانًا انتقد مبدأ حصر الإمامة في البطنين، وعدّه مرتبطًا بظروفه التاريخية الخاصة، فرفضه علماء صعدة وعلى رأسهم بدر الدين الحوثي، معتبرين حصر الإمامة في البطنين عقيدة لا يجوز التخلي عنها، وإن تعذّر تطبيقها اليوم لأسباب قاهرة، فقد تمسّك الحوثيون بالأصل الهادوي في الإمامة في أشدّ صوره، في الوقت الذي خفّفه فيه غيرهم من علماء المذهب.

ثم جاءت «الوثيقة الفكرية والثقافية» التي نشرها الحوثيون مؤكدة لفكرة الاصطفاء الإلهي لذرية الحسن والحسين، وهي الفكرة التي قامت عليها دولة الأئمة الهادوية(7).

ثم إن حسين الحوثي خالف الزيدية التقليدية نفسها في أمور، فقد دعا إلى ترك بعض مناهج التراث الزيدي، كأصول الفقه وعلم الكلام ومرجعية بعض الأحاديث، ووصفها بالدخيلة على تراث أهل البيت، وهو ما استنكرته الزيدية التقليدية التي ظلّت تدرّسها قرونًا، وكان موقفه من بعض الصحابة شديدًا على نحو لا يقرّه أكثر الزيدية، وإن وافق الموقف التاريخي للجارودية، ونُقل عن بدر الدين الحوثي رفض الترضّي على أبي بكر، وعمر، وعائشة، وأصدر أكثر من 10 من أبرز علماء الزيدية بيانًا يحذّرون فيه من حسين الحوثي، ويقرّرون أن أقواله وأفعاله لا صلة لها بأهل البيت ولا بالمذهب الزيدي(8).

وأما التأثر بالتشيّع الاثني عشري؛ فقد ظهرت في ظل حكم الحوثيين مناسبات لم تكن مألوفة عند زيدية اليمن، كإقامة المجالس الحسينية، وإحياء ذكرى وفاة جعفر الصادق، ومحمد الباقر، وعلي زين العابدين، ونُسب إلى بدر الدين الحوثي أنه كان يرى التقارب مع الإمامية أولى من التقارب مع أهل السُّنة.

ولا يدخل في هذا التأثر ما هو زيدي في أصله، فالزيدية لا تقول بغيبة المهدي ولا تنتظر إمامًا غائبًا(9)، والاحتفال بيوم الغدير معروف عند زيدية اليمن قبل ظهور الحركة، ويوم الغدير هو 18 ذي الحجة 10هـ، ففيه نزل النبي صلى الله عليه وآله وسلم، عائدًا من حجة الوداع، بموضع يُقال له: غدير خُمّ بين مكة والمدينة قرب الجُحفة، فخطب الناس، وأوصى في خطبته بكتاب الله وبأهل بيته، وثبت قوله في عليّ: «من كنتُ مولاه فعليٌّ مولاه»(10).

واختلف المسلمون في دلالة هذا الحديث، فيراه الشيعة، ومنهم الجارودية والهادوية، نصًّا على إمامة عليّ، ويجعلونه من أصول القول بالنص بالوصف، ويرى أهل السُّنة أنه إثبات لمحبة عليّ ونصرته وموالاته، لا نصّ على الخلافة.

وقد جرت عادة زيدية اليمن على إحياء هذا اليوم باسم «عيد الولاية»، ثم صار في مناطق سيطرة الحوثيين مناسبة عامة ذات طابع رسمي وتعبوي.

خامسًا: من العقيدة إلى السلطة:

لم تبقَ هذه الأصول العقدية في حدود الدرس والجدل، ففي 21 سبتمبر 2014م أخضع الحوثيون العاصمة صنعاء لسيطرتهم العسكرية، ووقّعوا في اليوم نفسه اتفاقًا لتقاسم السلطة مع القوى الأخرى، مع احتفاظهم بالنفوذ الأكبر، ومنذ ذلك الحين صارت الحركة سلطة أمر واقع في صنعاء ومناطق واسعة من شمال اليمن، وخلّفت الحرب، بعد أكثر من 10 سنوات، واحدة من أكبر الأزمات الإنسانية في العالم، مع تحذيرات من مجاعة.

وتجاوز دور الحركة الحدود اليمنية، فصارت طرفًا في صراع إقليمي، فقد هاجمت الملاحة في البحر الأحمر، وأعلنت في مارس 2026م تنفيذ هجمات على «إسرائيل»، وتعرّضت مناطقها لضربات أمريكية وبريطانية و«إسرائيلية»، وظهرت في ذلك امتدادًا للمحور الإقليمي الذي تقوده إيران.

وتكشف هذه التحوّلات أهمية الأصل العقدي الذي سبق تحريره، فالقول بالاصطفاء وحصر الولاية في البطنين ليس مسألة تاريخية عند الحركة، بل هو أساس شرعيتها في الحكم، وهذا ما يفسّر حرص خصومها، ومنهم علماء من الزيدية أنفسهم، على التذكير بأن الجمهورية اليمنية قامت عام 1962م على إنهاء حكم الأئمة، وأن جمعًا من علماء المذهب قبلوا هذا التحوّل وأقرّوه في بيان عام 1990م.

فليست المقابلة الدقيقة إذن بين «زيدية هادوية معتدلة» و«جارودية حوثية غالية»، بل الصورة أن الهادوية نفسها جارودية الأصل في نظرية الإمامة، معتزلية في أصول الاعتقاد، وإن خفّف جمهور علمائها الموقف من الصحابة عبر التاريخ.

وقد خرج الحوثيون من هذا المذهب، فتمسّكوا بأشدّ صوره في الإمامة والاصطفاء، وعادوا في الموقف من الصحابة رَضِيَ اللهُ عَنْهُم إلى ما كانت عليه الجارودية الأولى، وأدخلوا مظاهر من التشيّع الاثني عشري لم تعرفها الزيدية اليمنية، ثم حوّلوا ذلك كله إلى أساس لسلطة سياسية وعسكرية، ولهذا يصحّ وصفهم بالجارودية في الإمامة والموقف من الصحابة.

ويبقى من الإنصاف ألّا يُحمَّل المذهب الزيدي ولا عامة أتباعه ما تتبنّاه الحركة، فجمعٌ من علماء الزيدية أنفسهم أنكروا عليها وتبرّؤوا من منهجها، وتعايش الزيدية وأهل السُّنة في اليمن قرونًا قبل ظهورها، وهذا التمييز ليس مجاملة، بل هو شرط الفهم الصحيح، وشرط ألّا يتحوّل الخلاف السياسي إلى صراع طائفي يدفع ثمنه اليمنيون جميعًا.

الهوامش
  • 1 الطبري، تاريخ الرسل والملوك، حوادث سنة 122هـ؛ ابن كثير، البداية والنهاية، حوادث السنة نفسها.
  • 2 الشهرستاني، الملل والنحل، فصل الزيدية.
  • 3 الأشعري، مقالات الإسلاميين، باب الزيدية؛ النوبختي، فرق الشيعة؛ الشهرستاني، الملل والنحل، فصل الزيدية.
  • 4 المصادر السابقة، وانظر خاصة: الشهرستاني، الملل والنحل، فصل الجارودية.
  • 5 Wilferd Madelung, Der Imam al-Qāsim ibn Ibrāhīm und die Glaubenslehre der Zaiditen, Berlin 1965؛ أحمد محمود صبحي، الزيدية.
  • 6 صحيفة الوطن السعودية، حلقات «علماء الزيدية»، مداخلة الباحث الأحمدي.
  • 7 زايد جابر، قراءة نقدية لوثيقة الحوثيين الفكرية.
  • 8 المرجع السابق.
  • 9 مجلة المجلة، «الحوثيون.. هل هم حزب الله الجديد؟».
  • 10 أخرجه مسلم من حديث زيد بن أرقم في الوصية بالثقلين، وأخرج الترمذي حديث «من كنت مولاه فعلي مولاه» وقال: حسن صحيح.
الرابط المختصر :

اترك تعليقاً

التعليقات (0)

لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلق!

تابعنا

الرئيسية

مرئيات

جميع الأعداد

ملفات خاصة

مدونة