روح البلاغة ورحيق الفصاحة (2)
علم المعاني.. كيف يراعي الخبر حال المخاطَب؟
نواصل معكم في
هذه الحلقة من سلسلتنا «روح البلاغة ورحيق الفصاحة» رحلتنا الممتعة في بيان جمال
القرآن الكريم. وبعد أن تعرفنا في الحلقة السابقة على أهمية الكلمة الطيبة، نلتقي
اليوم مع علم المعاني؛ لنقترب من أسرار الكلام، ونفهم كيف يؤثر الترتيب اللغوي في
القلوب والعقول، ثم نتناول موضوع "الخبر" وكيف يخاطب الله تعالى الناس
بحسب أحوالهم.
محراب علم المعاني
إن علم المعاني بوجازة هو الفن الذي يعلمنا كيف نجعل
كلامنا مطابقا للموقف الذي نتحدث فيه، وموافقا لحال الشخص الذي نخاطبه؛ فالشأْن في
البلاغة ليس في رص الكلمات المتكلفة ولا في زخرفتها الظاهرة، بل في نَفْثِ الروح
في أوصال الجمل لكي تصل الحقيقة إلى قلب السامع وعقله بأيسر طريق وأوضحها.
هذا العلم هو المفتاح الذهبي الذي يساعدنا على فهم أسرار
القرآن الكريم والسنة النبوية، فنكتشف من خلاله سر اختيار كل كلمة في موقعها؛
لماذا قُدِّمَت كلمة على أُخرى، أو لماذا حُذِفَ شيء من الكلام، أو لماذا جاء
الخطاب هادئا تارة ومؤكدا تارة أخرى. إنه يفتح أبواب البصيرة؛ لنرى كيف تؤثر
الصياغة اللغوية في تهذيب النفوس وتقريب معاني الإيمان إلينا، بعيدا عن التعقيدات
الجافة، ليكون الفهم حيا ملموسا وقريبا لكل قارئ يبحث عن الهداية والتدبر.
مقاصد الخبر وأضربه
تتعدد مقاصد
الخبر على النحو التالي:
الأول: مطابقة الكلام للمقام:
أول درس يمنحه لنا علم المعاني هو أن لكل مقام مقالا،
وأن الكلام البليغ ليس بقوته المجردة بل بحسن ملاءمته لحال المخاطب.
وقد ذكر الله تعالى
في كتابه العظيم قيمة البيان وعظم شأنه حين قال: (الرَّحْمَنُ {1} عَلَّمَ الْقُرْآنَ {2}
خَلَقَ الْإِنسَانَ {3} عَلَّمَهُ الْبَيَانَ) (الرحمن).
فانظر كيف قرن
الخالق عز وجل بين خلق الإنسان وبين تعليمه "البيان"، وكأن الإنسان لا
تكتمل إنسانيته، ولا تظهر حقيقته الفاضلة إلا بقدرته على التعبير الصادق والفهم
السليم لكلام ربه.
الثاني: صدق الخبر ومراعاة حال المخاطب:
الخبر في لغة البيان هو كل كلام نحكم عليه بالصدق أو
الكذب؛ فإن وافق الواقع فهو صادق، وإلا فغير ذلك. والهدف التربوي والأخلاقي هنا هو
تربية الإنسان على أمانة الكلمة وصدق اللهجة، اقتداءً بالنبي صَلَّى اللَّهُ
عَلَيْهِ، وَسَلَّمَ الذي وُصِف قبل البعثة بالصادق الأمين.
كيف يتنوع الخبر بحسب حال السامع؟
لكل إنسان حالة
ذهنية ونفسية عند سماع الخبر؛ ولذلك ينوع البليغ كلامه إلى ثلاثة أنواع واضحة
ومدروسة:
الخبر الابتدائي: يوجَّه للسامع الخالي الذهن من الشك
(المطمئن)؛ وهنا لا نحتاج إلى استخدام أي أداة من أدوات توكيد الكلام، لأن الحقائق
تدخل عقله بسلام.
الخبر الطلبي: يوجه للسامع المتردد أو الذي لديه شك
يسير؛ وهنا يفضل تدعيم الكلام بمؤكد واحد؛ ليزول تردده وتستقر الحقيقة في نفسه.
الخبر الإنكاري: يوجه للسامع المنكر المعاند؛ وهنا يجب
على البليغ استخدام أكثر من مؤكد قوي؛ لقلب جدار الإنكار وتثبيت نور الحقيقة رغما
عن العناد.
تدرج التوكيد لمواجهة الإنكار
تأمل بقلبك كيف حكى لنا القرآن الكريم قصة أولئك القوم
المكذبين في سورة يس حين اشتد تكذيبهم وعنادهم لرسل الله، وكيف تدرج الخطاب الإلهي
في قصتهم؛ ليرسم لنا أبهى صور الملاءمة البلاغية.
يقول الله تعالى:
(وَاضْرِبْ لَهُم مَّثَلاً أَصْحَابَ
الْقَرْيَةِ إِذْ جَاءهَا الْمُرْسَلُونَ {13} إِذْ أَرْسَلْنَا إِلَيْهِمُ
اثْنَيْنِ فَكَذَّبُوهُمَا فَعَزَّزْنَا بِثَالِثٍ فَقَالُوا إِنَّا إِلَيْكُم
مُّرْسَلُونَ) (يس).
انظر هنا إلى
دقة التعبير البلاغي؛ فالمرسلون في البداية عندما واجهوا شك القوم وترددهم جاؤوا
بخبر رسالتهم مؤكدا بأداة واحدة وهي (إنّ) في قوله تعالى: (إِنَّا إِلَيْكُم
مُّرْسَلُونَ) ليطمئنوا قلوبهم.
فلما أصر المكذبون على غيّهم، واستكبروا، ورموا الرسل
بالإنكار الشديد والتكذيب القاطع، لم يقف الخطاب عند حد التوكيد الأول، بل ارتفع
بمستوى التوكيد؛ ليتناسب مع قوة الجحود، فقال الرسل مؤكدين صدقهم بأقوى أدوات
البيان: (قَالُوا رَبُّنا
يَعْلَمُ إِنَّا إِلَيْكُمْ لَمُرْسَلُونَ) (يس: 16).
فهنا اجتمعت في
جملة واحدة ثلاثة أساليب توكيد قاطعة:
1- القسم
الإلهي الضمني في قوله: (رَبُّنا يَعْلَمُ) وهو شهادة من القادر الخبير.
2- حرف التوكيد:
(إنَّ).
3- اللام
المزحلقة الواقعة في خبر إنّ: (لَمُرْسَلُونَ).
وهكذا تحول الخبر اليسير إلى بناء بياني شامخ ينسف
الشكوك، ويقتلع شأفة الإنكار وجذور الجحود من صخور القلوب القاسية! وهذا هو سر
البيان القرآن المعجز الذي يخاطب العقول والنفوس على اختلاف مراتبها بأبلغ أسلوب
وأحكَمِه.
الثمرة التربوية
تعلمنا هذه التقسيمات البلاغية العظيمة ألا نلقي
الكلام على عواهنه، بل أن نكون حكماء في التعامل مع الناس وتبليغ دعوة الخير؛ فعلم
المعاني ليس مجرد قواعد علمية جافة تُحفظ، بل هو "بوصلة الرحمة والذكاء
الاجتماعي" التي تدل الداعية والمربي والكاتب على أسرار النفوس البشرية؛
فنرفق بالخالي أو المتردد بالكلمة الطيبة واللين، ونزيل حيرته بالتوضيح اللطيف،
ونواجه المعاند بالحجة البيانية القاطعة والبرهان الساطع؛ تطبيقا للتوجيه الرباني
الخالد: (ادْعُ إِلَى سَبِيلِ
رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ
أَحْسَنُ) (النحل: 125).
إن دراسة البلاغة القرآنية تفتح للقلب أبواب الهيام
واللذة بكتاب الله؛ إذ ترى كيف تتألق الحروف، وتصطف الكلمات في نظم عجيب؛ لتهدي
القلوب، وتجلب السعادة للبشرية؛ فتتحول الآيات في عين القارئ من مجرد نصوص يُقرأ
ظاهرها إلى ينابيع نور وتدبر تغذي الروح وتصقل الفكر وتهذب السلوك، فنستشعر حينها
أن العناية باللغة العربية والبلاغة هي في الحقيقة عناية بالقلب والروح في محراب
الهداية والجمال الإلهي.
إلى هنا نكون قد وضحنا المدخل لعلم المعاني وأهمية
مراعاة أحوال المخاطبين في إلقاء الخبر ببيان مشرق يلامس القلوب والعقول. وفي
الحلقة القادمة -بإن شاء الله- سنكمل رحلتنا؛ لنرى كيف يخرج الخبر عن معناه العادي
إلى معاني الدعاء والافتقار، ثم نتأمل أسرار التكرار والإطناب في القرآن الكريم.
التعليقات (0)
لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلق!
اترك تعليقاً