أخلاقيات العمل وتقدير الجهود
عن الذين «يحبون أن يحمدوا بما لم يفعلوا»
بقلم-
حسن عبدالله السديري:
كثير من الناس
في مجتمعاتنا ينسبون لأنفسهم من الأفكار والأعمال التي هي من نتاج غيرهم ومن حصيلة
سواهم.
ولعل المجتمع
العربي من أكثر المجتمعات ابتلاءً بهذا المرض العضال الذي إذا استولى على النفوس
أفسدها ومسخ فطرتها وجعلها كائنات تعيش على أمجاد الآخرين وتتاجر بأفكارهم وتنسب
لنفسها أعمالهم.
فالموظف البليد
الكسول يتزلف ويتقرب إلى رؤسائه بحصيلة جهود من معه من الموظفين المغمورين الذين
يؤثرون العمل الصامت.
وهذا الكاتب
الذي تُنشر الكلمات باسمه في الصحف وتُسطر بتوقيعه المقالات الطوال وهو لم يكتب
منها حرفًا ولم يخط منها سطرًا؛ لأن الذي حبر له المقال وصاغ له الكلمات أحد
المحررين المتوارين عن الأنظار.
وهذا التاجر
الكبير الذي يصول هنا ويجول هناك ويستعرض مشروعاته إنما يعيش على جهود سواه من
العاملين المجهولين.
وهذا الخطيب أو
المحاضر الذي تُكتب له الكلمة ويُضبط شكلها ويتمرن على إلقائها في البيت مرات
ومرات، ينطلق يهدر على المنابر وكأنه قس بن ساعدة الإيادي خطيب العرب المشهور.
وهذا المحامي
الذي يتقعر في كلامه أمام المحكمة ويستطرد في سرد دفوع الدعوى وإبطال مقولات خصم
موكله إنما يردد كلامًا كتبه له المحامي الذي يعمل في مكتبه وهو جندي مجهول لا
تعرفه دور المحاكم.
وهذا المهندس
الذي يقدم الخرائط والمخططات للمشاريع الكبيرة والصغيرة إنما يستثمر جهود العاملين
معه من المهندسين وينسبها لنفسه.
وهكذا لو ذهبنا
نستطرد في ذكر نماذج الذين يعيشون على أمجاد الآخرين ويستثمرون جهود سواهم من
العاملين لضاق بنا المجال ولما وسعه هذا المقال؛ لأنه من الكثرة والشيوع بحيث تعجز
الصفحات الطوال عن استيعابه أو الإحاطة بجميع جوانبه.
وقد آثرنا ذكر
ما تقدم على سبيل المثال لا الحصر؛ لأن هدفنا هو تبصير الناس بحقيقة الدور الذي
يجب أن يضطلع به كل فرد في المجتمع، فالمجتمعات الحية لا يتصدرها الأقزام المهازيل
ولا الأشباح والظلال، وإنما يتولى أمرها الأكفاء من الرجال والأشداء من الأبطال
الذين يُعملون عقولهم ويُحكمون تصرفاتهم ويتقدمون الميدان بثمرات جهودهم وخلاصة
أفكارهم بإرادة وتصميم وعزم ومثوبة.
ولا ريب في أن
ثمة أفرادًا قلائل يبذلون قصارى جهدهم في تقديم الخير للناس وإسداء النفع للمجتمع،
وينطلقون من منطلقات إسلامية هي ابتغاء مرضاة الله عز وجل وطلب مثوبته.
ولكن هذه القلة
ضائعة وسط هذا الطوفان من الأمجاد الكاذبة والدعاوى الزائفة والنفاق الاجتماعي
الذي استشرى شره وعم بلاؤه.
ومن هنا فالواجب
يفرض علينا سرعة العلاج لأمراضنا الاجتماعية، والمبادرة بمداواة مرضى النفوس
وأصحاب الأهواء وصرعى الزعامات، وصدق الله العظيم إذ يقول في محكم كتابه: (لَّا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ
يَفْرَحُونَ بِمَا أَتَوا وَّيُحِبُّونَ أَن يُحْمَدُوا بِمَا لَمْ يَفْعَلُوا
فَلَا تَحْسَبَنَّهُم بِمَفَازَةٍ مِّنَ الْعَذَابِ ۖ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ) (آل
عمران: 188).
فالذين يحبون أن
يحمدوا بما لم يفعلوا مصيرهم العذاب الأليم في الآخرة، ولهم الخزي والعار والذل
والشنار في الدنيا، حين تُرفع البراقع عن وجوههم ويواجهون المجتمع بأحجامهم
الحقيقية لا بالأمجاد المزينة التي اصطنعها الوهم والغرور والخداع والتضليل.
وما أجمل ما
قاله الشاعر عمر بهاء الدين الأميري:
ضَلَّ شَعْبٌ
يَسُوسُهُ غَيْرُ كُفْءٍ وَيَقُودُ المُنَافِقُونَ زِمَامَهْ
كَيْفَ تَحْيَا
البِلَادُ وَالأَمْرُ فَوْضَى وَرُؤُوسُ البِلَادِ صَرْعَى زعَامَهْ
نسأل الله أن يفتح بصائرنا على الحق ويرزقنا اتباعه، ويلهمنا التوفيق والسداد والرشد، إنه الموفق لكل خير(1).
تاريخ النشر: 2 / 9 / 1975
العدد: 256
صفة: 19
التعليقات (0)
لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلق!
اترك تعليقاً