العنوان قيمة المرء بما يحسن
الكاتب د. ناجي عبدالله الخرس
تاريخ النشر الثلاثاء 29-سبتمبر-1992
مشاهدات 47
نشر في العدد 1018
نشر في الصفحة 46
الثلاثاء 29-سبتمبر-1992
قيمة المرء بما يحسن
العمل الصالح معيار القيمة لا النسب
الإنسان قيمته
ليس في حسبه ونسبه، وليست قيمته بما لديه من المال، وليس بما يملك من المنصب،
وإنما قيمته الحقيقية بما يحسن من قول أو فعل. قال صلى الله عليه وسلم: «ومن أبطأ
به عمله لم يسرع به نسبه» (1)، معناه أن العمل هو الذي يبلغ بالعبد درجات الآخرة،
كما قال تعالى: ﴿وَلِكُلٍّ دَرَجَاتٌ مِّمَّا
عَمِلُوا﴾ (2). فإن الله – تعالى - رتب الجزاء على الأعمال لا على الأنساب
كما قال تعالى: ﴿فَإِذَا نُفِخَ فِي الصُّورِ فَلَا
أَنسَابَ بَيْنَهُمْ يَوْمَئِذٍ وَلَا يَتَسَاءَلُونَ﴾ (المؤمنون: 101) (3). وقد
أمر الله – تعالى - بالمسارعة إلى مغفرته ورحمته بالأعمال كما قال تعالى: ﴿وَسَارِعُوا إِلَىٰ مَغْفِرَةٍ مِّن رَّبِّكُمْ وَجَنَّةٍ
عَرْضُهَا السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ * الَّذِينَ
يُنفِقُونَ فِي السَّرَّاءِ وَالضَّرَّاءِ وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ
وَالْعَافِينَ عَنِ النَّاسِ ۗ وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ ﴾ آل عمران:
133-134 (4)، وقال: ﴿إِنَّ الَّذِينَ هُم
مِّنْ خَشْيَةِ رَبِّهِم مُّشْفِقُونَ * وَالَّذِينَ هُم بِآيَاتِ رَبِّهِمْ
يُؤْمِنُونَ * وَالَّذِينَ هُم بِرَبِّهِمْ لَا يُشْرِكُونَ * وَالَّذِينَ يُؤْتُونَ
مَا آتَوا وَّقُلُوبُهُمْ وَجِلَةٌ أَنَّهُمْ إِلَىٰ رَبِّهِمْ رَاجِعُونَ *
أُولَٰئِكَ يُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ وَهُمْ لَهَا سَابِقُونَ﴾ (سورة المؤمنون: 57: 61) (5).
وجاء في
الصحيحين عن عمرو بن العاص أنه سمع النبي - صلى الله عليه وآله وسلم – يقول: «إن
آل بني فلان ليسوا لي بأولياء، وإنما وليي الله وصالحو المؤمنين» (6)، يشير إلى أن
ولايته لا تنال بالنسب وإن قرب، وإنما تنال بالإيمان والعمل الصالح. وفي هذا
المعنى يقول بعضهم:
لَعَمْرُكَ ما
الإنسان إلا بدينه *** فلا تترك التقوى اتكالًا على النسب
لقد رفع الإسلام
سلمان فارس *** وقد وضع الشرك النسيب أبا لهب
لذلك وجب على
المسلم أن يوجه قدراته وطاقاته التي وهبها الله له فيما يريده ربه – سبحانه - حتى
يكون الجهد والتعب لله - سبحانه وتعالى - فيكون في حفظ الله، وإعانة الله له كما
قال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا
لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا﴾ (العنكبوت: 69).
وحتى يصل المسلم
إلى الإحسان والإتقان يجب عليه أن يركز حياته على مواطن القوة، التي فيه، وكما قال
صلى الله عليه وسلم: «كل ميسر لما خلق له»؛ لأن المسلم الناجح هو الذي ينمي
ويستثمر قدراته وطاقاته ومواهبه.
أ
- الطاقات المدفونة:
إن مما يحزن
المسلم أن يرى حوله كثيرًا من الطاقات المدفونة بين جوانح أصحابها، وألمس جوانب من
الخير كامنة في نفوس أربابها، ولكنها غير متعدية إلى الآخرين لا بنفع ولا إفادة.
والدعوة نفسها نفع عام، فحين دخل أبو ذر في الإسلام كان من حديث رسول الله – صلى
الله عليه وسلم - معه أن قال له: «فهل أنت مبلغ عني قومك لعل الله - عز وجل - أن
ينفعهم بك ويأجرك فيهم». وأيضًا كان خال لجابر يرقي من العقرب، فقال: «يا رسول
الله إنك نهيت عن الرقي، وإني أرقي من العقرب، وكأنه يستأذن في ذلك»، فقال رسول
الله - صلى الله عليه وسلم -: «من استطاع أن ينفع أخاه فليفعل». بل إن أبواب النفع
كثيرة يمكن إجمالها في حديث النبي - صلى الله عليه وسلم - «على كل مسلم صدقة»،
وضرب لها بعض الأمثلة بحسب القدرة (فيعمل بيديه فينفع نفسه ويتصدق)، (فيعين ذا
الحاجة الملهوف)، (فيأمر بالخير). وإن لم يفعل المسلم شيئًا فأقل نفع يقدمه هو أن
«يمسك عن الشر فإنه له صدقة». هل رأيت أخي الداعية أنك كنز ثمين، ولكن الانتفاع بك
قليل فإذا كنت تحب أن يغفر الله لك، فهيا إلى مزيد من الدعوة والنصح والإفادة
والنفع (7).
ب
– الاختلاف المتنوع سبب للائتلاف المتكامل:
كان النبي - صلى
الله عليه وسلم - يوزع مهام العمل على حسب قدرة كل صحابي بما يجيده ويحسنه من
مواهب وملكات. فمثلًا يختار حسان بن ثابت على جهازه الإعلامي؛ لأن حسان كان يجيد
الشعر، وكان يهجو به أعداء الله. ويختار حذيفة بن اليمان على جهازه الأمني في كتم
الأسرار ومعرفة أسماء المنافقين. ويختار أبا بكر وعمر وزراء ومستشارين له صلى الله
عليه وسلم، ويختار زيد بن ثابت يترجم له رسائل الفرس والروم. وهكذا تجد أن النبي -
صلى الله عليه وسلم - بعد أن عرف قدرة كل واحد، وما يملك من طاقات ومواهب، فعمل
صلى الله عليه وسلم على توجيه هذه الطاقات واستثمارها في العمل الدعوي.
يقول الجاحظ:
إنما خالف الله – تعالى - بين طبائع الناس؛ ليوفق بينهم في مصالحهم، فجعل الله –
تعالى - الاختلاف سببًا للائتلاف، فسبحانه من مدبر حكيم.
وإن الفرد
الواحد مهما أوتي من ذكاء عبقري أو علم غزير أو مال واسع أو جسم متين أو كفاية
اجتماعية ناجحة لا يستطيع أن يكون كل شيء أو أن يستغني عن غيره أبدًا في أكثر
المتطلبات اليومية؛ لذلك فالمجتمع المتكامل هو الذي فيه مدرس ومهندس، وفيه عامل
ومزارع، وفيه طبيب وصيدلي وهكذا؛ لذلك التنوع يظهر قيمة كل إنسان بما يحسن (8).
ج
– شبهة زائفة:
قال تعالى: ﴿لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا ۚ﴾
(البقرة: 286) (9). يقول د. همام عبد الرحيم سعيد: هذه الآية يعتمد عليها
بعض المسلمين، ويجعلونها حجة ودليلًا على تقصيرهم في أداء الواجبات والتزام
الأوامر وترك المحظورات، إذ إنها تبيح لهم ذلك، وتجعلهم في مَعْزِلٍ عن المسؤولية
والعقاب؛ جزاء هذا التقصير والتفريط. إن معناها عند هؤلاء أن الإنسان ليس مكلفًا
بالإسلام كله والشريعة كاملة، وليس مطالبًا بأن يلتزم بالواجبات كلها، ويترك
المحظورات جميعها، ولكن الآية تبيح له – بل تشرع وتجيز – أن يأخذ من الإسلام والشريعة
ما يدخل ضمن وسعه وطوقه وقدرته، مهما كانت درجة الوسع والطوق والقدرة، حتى لو كانت
في أدنى مستوياتها، وأضعف حالاتها (10). وهنالك رد آخر على هذه الشبهة يقول د.
صلاح عبد الفتاح الخالدي: إن هذه الآية لا يجوز أن نطلقها على الأحكام الشرعية،
التي كلفنا الله بها، ولم ينسخ هذا التكليف، ولا يجوز أن تُعَطَّل بها هذه الأحكام
وتُلْغَى، ونجعل الالتزام بها خاضعًا للطاقة الضعيفة والهمة المريضة، والوسع
الكسول. (لا يكلف الله نفسًا إلا وسعها) معناها من خلال المفهوم القرآني أن الله –
سبحانه - عادل في أحكامه في عباده، وأنه لا يكلفهم بما لا يطيقون، ولا يطالبهم
بالمستحيل، ولا يريد من التشريعات إرهاق عباده أو إيقاعهم في العسر والحرج والإثم
والتقصير، فإن الله – سبحانه -: ﴿وَمَا جَعَلَ
عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ﴾ الحج: 78 (11)، ﴿يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ
الْيُسْرَ وَلَا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ﴾ البقرة: 185 (12)، وأن الله
عليم حكيم، لطيف خبير، يعلم طاقة النفس الإنسانية ومقدار تحملها ووسعها، ﴿أَلَا يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ﴾
الملك: 14 (13)؛ ولذلك أوجب عليها التكاليف الشرعية، وهو يعلم أنه بمقدور
هذه النفس الالتزام بها، وهو يعلم أنها كلها ضمن «وسعها»، وطاقتها. (لا يكلف الله
نفسًا إلا وسعها) تطالب جميع المسلمين الالتزام بكافة التكاليف الشرعية، وتعلمهم
أنه في وسعهم وطوقهم أن يقوموا بهذا الالتزام؛ لأن الله هو الذي يعلم مقدار تحملهم
وطاقة قدرتهم، ولذلك ألزمهم بها.
ونفهم من هذه
الآية أنها تقرر حقيقة هامة في قواعد التشريع الإسلامي، وهي أن هذا التشريع بكافة
جوانبه ومجالاته يُراعَى فيه الطاقة والوسع، ويراد منه التطبيق العملي والتنفيذ
الواقعي. على أنه من الواجب أن نُشِير هنا إلى أن التشريع الرباني الحكيم، كان
يراعي الحالات الاستثنائية الخاصة، وكان يلاحظ النفس الإنسانية في ظروفها
وأحوالها، ولذلك كانت فيه بعض الاستثناءات المتمثلة في «الرخص» الشرعية، والتخفيف
في بعض الأحكام التكليفية.
وقد يقول قائل:
إنني أجد نفسي عاجزًا أمام بعض التكاليف، ولهذا أعتقد أن هذا التكليف ليس في وسعي،
فأترخص فيه وأتركه.
فنقول له: طالما
لم ينص الشرع على الترخص في هذه الحالة، ولم يقدم لإنسان إعفاء واستثناء، فإن الله
يعلم، وهو الحكيم الخبير.
إن الالتزام به
يدخل ضمن «الوسع»، وكل ما في الأمر أن هذا الإنسان لم يبذل غاية وسعه وجهده
وطاقته، وإنما تعامل معه بهمة ساقطة، وعزيمة مريضة، ووسع ضعيف، وطاقة متكاسلة،
ولهذا نطالبه بأن يضاعف جهده، ويقوي عزيمته، ويشد نفسه، ويمتن وسعه، ويقبل على
التكليف بعد ذلك، عندها يعلم أنه ضمن وسعه، وفي حدود طاقته، وعندها يفهم معنى
قوله: (لا يكلف الله نفسًا إلا وسعها)، فهمًا صحيحًا صائبًا مقبولًا.
(لا يكلف الله
نفسًا إلا وسعها) إنما هي حشد للطاقات، وتقوية للهمم والعزائم، وتنشيط الوسع
والاحتمال، وليس إضعافًا لهذه القدرات. (لا يكلف الله نفسًا إلا وسعها) تدعو إلى
مضاعفة العمل الصالح، وتوثيق الالتزام بالتكاليف، وليس إلى التفلت منها، والترخص
في أحكامها.
(لا يكلف الله
نفسًا إلا وسعها)، عمل لا كسل، والتزام لا تفلت، ووفاء لا ترخص، وإحسان لا تسيب
(14).
المراجع:
(1) رواه مسلم.
(2) سورة
الأنعام / 6.
(3) سورة
المؤمنون: 101.
(4) سورة آل
عمران: 133 - 134.
(5) سورة
المؤمنون: 57 - 61.
(6) أخرجه
البخاري في الأدب ومسلم في الإيمان.
(7) مجلة
البنيان المرصوص.
(8) الرسول
العربي المربي د. عبد الحميد الهاشمي، ص: 164.
(9) سورة
البقرة: 286.
(10) قواعد
الدعوة إلى الله د. همام عبد الرحيم سعيد.
(11) الحج / 78.
(12) البقرة:
185.
(13) الملك: 14.
(14) تصويبات في
فهم بعض الآيات الصفحات (100 - 105).
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل