غزة تجسّد ميلاد أمة

غزة تجسّد ميلاد أمة

لم يكن مولد النبي صلى الله عليه وسلم حدثًا شخصيًا خاصًا بأحد بيوتات بني هاشم في مكة، بل كان إيذانًا بميلاد أمة جديدة، أمة تحمل رسالة الله الخالدة، وتخرج بها البشرية من ظلمات الجهل والضلال إلى أنوار الإيمان والعدل والهداية، فتملأ الأرض نوراً وعدلاً بعد أن أُثقلت بالظلم والظلام.

ولم يكن ميلاد أمة محمد صلى الله عليه وسلم بدعاً من سنن الله في خلقه؛ فما من ميلاد عظيم إلا سبقه مخاض عسير، وما من أمة تحمل رسالة إلا مرّت بمحنٍ تصقل رجالها، وتعمّق وعيهم برسالتهم، وتربيهم على التمسك بها، فلا يفرّطون في شيء من قيمها ومبادئها، مهما اشتدت المصاعب والعقبات، أو تكاثرت الملهيات والمغريات، فما من فجرٍ إلا سبقه ليلٌ بهيم، ولا من إشراقٍ إلا أعقبه انقشاع الظلام.

غزة والسيرة النبوية.. دروس من مخاض الأمة

وكأني كلما نظرت إلى غزة، وتأملت ما تكابده من أهوال، وما تعيشه من أحداث جسام، أرى صفحة من صفحات العهد المكي من سيرة النبي صلى الله عليه وسلم، فأصحابه يعذبون في بيداء مكة القائظ، يقتّلون ولا يتراجعون عن كلمة التوحيد، ولا يساومون على عقيدتهم، وما زالوا على هذه الحال حتى أذن الله لنبيه صلى الله عليه وسلم بالهجرة، فانتشر النور في المدينة، الدولة الوليدة، ومنها انبعثت رسالة الله في الآفاق حتى وصلت إلى مكة من جديد، ومنها إلى مشارق الأرض ومغاربها.

وما كان لهذا التحول العظيم أن يتحقق بلا تضحياتٍ عزيزة، ولا أن تبلغ الرسالة مداها بغير بذلٍ للأنفس والأموال كثيرة، لقد حوصرت الدولة الوليدة، وأحاطتها المؤامرات من كل جانب؛ فكان من الداخل كيدُ اليهود ومن تبعهم من منافقين، ومن الخارج عداء قريش بما تملك من موارد، ونفوذ وعلاقات وطيدة بقوى القبائل العربية في الجزيرة.

وها هي غزة تعكس مشهداً آخر من سيرة النبي صلى الله عليه وسلم؛ تحاصَر كما حُوصر ومن تبعه في الشِّعب بمكة، وكما حوصروا بعد ذلك يوم «الأحزاب» في المدينة، حيث ضاق الخناق بالمؤمنين حتى وصف القرآن مشهدهم وصفًا يهز القلوب: (إِذْ جَاؤُوكُم مِّن فَوْقِكُمْ وَمِنْ أَسْفَلَ مِنكُمْ وَإِذْ زَاغَتْ الْأَبْصَارُ وَبَلَغَتِ الْقُلُوبُ الْحَنَاجِرَ وَتَظُنُّونَ بِاللَّهِ الظُّنُونَا {10} هُنَالِكَ ابْتُلِيَ الْمُؤْمِنُونَ وَزُلْزِلُوا زِلْزَالاً شَدِيداً) (الأحزاب).

وهكذا تتكرر في غزة صورٌ من ذلك التاريخ العظيم؛ حصارٌ يضيق بالخناق، وعدوٌّ يتربص من كل جانب، وأهوالٌ تثقل كاهل الناس، وقلوبٌ تُختبر في أشد ساعات البلاء،

وكما كان الابتلاء يوم الأحزاب امتحانًا لإيمان المؤمنين وثباتهم، فإن غزة اليوم تقف في قلب محنةٍ قاسية، تكشف معادن الرجال، وتختبر صدق المواقف، وتضع الأمة أمام مسؤوليتها التاريخية والأخلاقية.

غزة تنتظر نصرة الأمة.. من المهاجرين والأنصار إلى اليوم

لقد لقي المهاجرون أنصاراً لهم في المدينة وموطئ قدم لاستكمال نشر رسالة الله، تركوا ديارهم وأموالهم في سبيل ذلك، ولم يكن الأنصار مجرد متعاطفين مع المهاجرين؛ بل كانوا أصحاب مواقف عملية، حملوا تبعة النصرة، ودفعوا أثمانها، وآثروا إخوانهم على أنفسهم، حتى استحقوا اللقب الذي أطلقه الله عليهم «الأنصار»؛ (وَالَّذِينَ آوَوْا وَنَصَرُوا أُولَئِكَ هُمُ الْمُؤْمِنُونَ حَقًّا) (الأنفال: 74)، وعن غيلان بن جرير قال: قلت لأنس رضي الله عنه: أرأيت اسم الأنصار أكنتم تسمون به أم سماكم الله تبارك وتعالى به؟ قال: بل سمانا الله عز وجل. (رواه البخاري، ح3776).

وما زال أهل غزة ينتظرون أنصارهم، فلا تجعلوا من نداءاتهم واستغاثاتهم صرخة في سراب! ولا تتركوا أهلها وحدهم في مخاض هذه المحنة؛ فلعل الله أن يجعل من هذا البلاء ميلاداً جديداً لأمة تستعيد وعيها برسالتها، وتنهض لحمل أمانتها، كما نهض المهاجرون والأنصار.

وأحسب أن غزة ما زالت تجدد للأمة دينها، حتى يأتي الله بالنصر والتمكين، فقد امتثل أهلها قول الله تعالى: (قُلْ إِن كَانَ آبَاؤُكُمْ وَأَبْنَاؤُكُمْ وَإِخْوَانُكُمْ وَأَزْوَاجُكُمْ وَعَشِيرَتُكُمْ وَأَمْوَالٌ اقْتَرَفْتُمُوهَا وَتِجَارَةٌ تَخْشَوْنَ كَسَادَهَا وَمَسَاكِنُ تَرْضَوْنَهَا أَحَبَّ إِلَيْكُم مِّنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَجِهَادٍ فِي سَبِيلِهِ فَتَرَبَّصُوا حَتَّىٰ يَأْتِيَ اللَّهُ بِأَمْرِهِ ۗ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ) (التوبة: 24).

وعلينا أن نمتثل نحن قول الله سبحانه: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ لاَ تَتَّخِذُواْ الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى أَوْلِيَاء بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاء بَعْضٍ وَمَن يَتَوَلَّهُم مِّنكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ إِنَّ اللّهَ لاَ يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ {51} فَتَرَى الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِم مَّرَضٌ يُسَارِعُونَ فِيهِمْ يَقُولُونَ نَخْشَى أَن تُصِيبَنَا دَآئِرَةٌ فَعَسَى اللّهُ أَن يَأْتِيَ بِالْفَتْحِ أَوْ أَمْرٍ مِّنْ عِندِهِ فَيُصْبِحُواْ عَلَى مَا أَسَرُّواْ فِي أَنْفُسِهِمْ نَادِمِينَ) (المائدة).

هم قالوا وفعلوا، وعلينا أن نفعل ما نقول.

الرابط المختصر :

اترك تعليقاً

التعليقات (0)

لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلق!

تابعنا

الرئيسية

مرئيات

جميع الأعداد

ملفات خاصة

مدونة