غزة في ميزان الشريعة.. بين الحق والعدوان والواجب الشرعي

ما يحدث في غزة اليوم صورة مروعة للعدوان المستمر على الأبرياء، وهو موضوع يستحق التأمل من منظور شرعي، فالشريعة الإسلامية تضع معايير واضحة للحق والعدوان، وتحث على الوقوف مع المظلومين والدفاع عن الأرض والعرض، وإن الأوضاع الراهنة في غزة تلقي الضوء على عدد من المبادئ الشرعية التي يجب أن تلتزم بها الأمة الإسلامية في مواجهة هذا الوضع.

لذا، تعتبر فلسطين أرضًا مقدسة في الإسلام لارتباطها بالمسجد الأقصى القبلة الأولى وأرض الإسراء والمعراج، كما أن تحريرها من الاحتلال الصهيوني واجب شرعي، إذ إنها جزء من دار الإسلام التي يجب الدفاع عنها، وقد أكدت النصوص الشرعية أهمية هذه القضية، مثل قوله تعالى: (سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلاً مِّنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الأَقْصَى) (الإسراء: 1)؛ ما يجعلها رمزًا للصراع بين الحق (المسلمين) والباطل (القوى المعتدية).


دور الأمة في فكِّ الحصار عن غزة |  مجلة المجتمع الكويتية
دور الأمة في فكِّ الحصار عن غزة | مجلة المجتمع الكويتية
لا يخفى بأنَّ الحصار الاقتصادي إحدى الأدوات غير ال...
mugtama.com
×


ومن الأهمية بمكان التمييز بين الحق والباطل في الصراع، وهذا يتمثل في الكيان الصهيوني المدعوم من دول الكفر، الذي يُمارس إبادةً جماعيةً ضد المدنيين، ويستهدف الأطفال والنساء، وينتهك الحرمات بلا رحمة، كما ورد في وصف أحداث غزة الأخيرة التي شملت قصف المنازل وحصار الغذاء والدواء، وقد وصف القرآن اليهود بأشد الناس عداوة للمؤمنين: (لَتَجِدَنَّ أَشَدَّ النَّاسِ عَدَاوَةً لِّلَّذِينَ آمَنُوا الْيَهُودَ) (المائدة: 82).

والحق الواضح يتمثل في صمود أهل غزة والمجاهدين الذين يدافعون عن أرضهم ودينهم، مستندين إلى مبدأ الجهاد الشرعي، الذي يُعد من أعظم العبادات عند الله عندما يكون دفاعًا عن النفس والعرض والأرض، وهنا نبين بعض المفاهيم لوقوف الأمة إلى جانب أهل فلسطين وأهل غزة خاصة في معركة الحق والباطل:

- الحق والعدوان في الشريعة الإسلامية:

الشريعة الإسلامية تؤكد قيمة الحق، وتحرم الاعتداء على الآخرين، سواء كان ذلك في صورة هجوم عسكري أو ظلم موجه ضد أفراد أو مجتمعات، في القرآن الكريم والسُّنة النبوية الشريفة، نجد العديد من الآيات والأحاديث التي تحث على احترام الحياة البشرية وكرامتها، وتدين الاعتداء على المدنيين والأبرياء.

قال الله تعالى: (وَلَا تأكلوا أموالكم بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ وَتُدْلُوا بِهَا إِلَى الْحُكَّامِ لِتَأْكُلُوا فَرِيقًا مِّنْ أَمْوَالِ النَّاسِ بِالْإِثْمِ وَأَنتُمْ تَعْلَمُونَ) (البقرة: 188)، وهذه الآية تشدد على حرمة الاعتداء على المال والأرواح، وهو ما يطبقه العدوان على غزة اليوم من تدمير للبيوت والمرافق وترويع للمدنيين.

- واجب الأمة الإسلامية تجاه غزة:

إن ما يحدث في غزة ليس مجرد قضية تخص الفلسطينيين فقط، بل هي قضية كل مسلم في العالم، الأمة الإسلامية مطالبة بالتحرك من أجل الدفاع عن غزة بكل الوسائل المشروعة، في ضوء الشريعة الإسلامية، يقع على عاتق المسلمين دعم المجاهدين في غزة، وتقديم الدعم المالي والطبي، وكذلك الضغط على الحكومات والمنظمات الدولية للضغط من أجل وقف العدوان.

كما أن الشريعة تشدد على أهمية الوحدة بين المسلمين في مثل هذه الظروف، فعن النعمان بن بشير قال، قال النبي صلى الله عليه وسلم: «مثل المؤمنين في توادهم وتراحمهم وتعاطفهم مثل الجسد إذا اشتكي منه عضو تداعى له سائر الجسد بالسهر والحمي» (أخرجه مسلم)؛ وهو ما يعني أن الأمة يجب أن تتوحد وتعمل معًا لمساندة أهل غزة، سواء كان ذلك من خلال الدعم اللوجستي أو السياسي.


إغاثة غزة ذروة سنام الإسلام |  مجلة المجتمع الكويتية
إغاثة غزة ذروة سنام الإسلام | مجلة المجتمع الكويتية
إغاثة غزة والضفة ذروة سنام الإسلام، وأرفع مقامات...
mugtama.com
×


- الجهاد في سبيل الله:

الجهاد في الإسلام ليس مقتصرًا على القتال، بل هو يشمل كل جهد يُبذل في سبيل الله لإحقاق الحق، في الحالة الراهنة لغزة، يُعد الجهاد فرضًا على المسلمين في مختلف أنحاء العالم من خلال وسائل عدة، مثل الدفاع عن حقوق الفلسطينيين، وفضح الانتهاكات «الإسرائيلية»، والمطالبة بحماية المدنيين.

القتال في غزة من قبل المقاومين جهاد شرعي؛ لأنهم يدافعون عن أرضهم وحقوقهم في مواجهة ظلم مستمر، قال الله تعالى: (وَقَاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّـهِ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَكُمْ وَلا تَعْتَدُوا) (البقرة: 190)، وهو ما يُظهر أن الدفاع عن النفس وعن الأرض حق مشروع في الإسلام.

ومع ذلك، لا يقتصر الجهاد على القتال وحده، فكل مسلم يمكنه المشاركة في هذا الجهاد عبر دعم المجاهدين في غزة بالمال والجهد، وكذلك بالدعاء لهم، عن النعمان بن بشير قال، قال النبي صلى الله عليه وسلم: «الدعاء هو العبادة» ثم قرأ: «وقال ربكم ادعوني أستجب لكم إن الذين يستكبرون عن عبادي سيدخلون جهنم داخرين» (أخرجه أبو داود)، ولذلك فإن دعاء المسلمين لأهل غزة في محنتهم هو جهاد عظيم في حد ذاته.

وفي هذه الحالة يعتبر جهاد الدفع فرض عين على كل قادرٍ من المسلمين عند هجوم العدو، حيث يسقط شرط إذن الوالدين أو السلطة، وقد أشار الفقهاء إلى أن الدفاع عن الأرض يستوجب المشاركة حتى بالحجارة إن تعذر السلاح، وكذا النصرة المادية والمعنوية، ومن الواجب تقديم الدعم المالي والطبي، والدعاء لأهل غزة، وفضح جرائم الاحتلال عبر الوسائل المتاحة، كما جاء في نصيحة العلماء بضرورة «التداعي إلى الدعاء والقنوت».

- الدعاء والتضرع إلى الله:

في ضوء الأوضاع التي يمر بها أهل غزة، لا يمكن إغفال أهمية الدعاء، الدعاء سلاح المؤمن، وهو أكثر ما يحتاجه أهل غزة في هذه اللحظات العصيبة، الشريعة الإسلامية تؤكد أهمية الدعاء، ومن خلال الدعاء يمكن للمسلمين أن يتوجهوا إلى الله تعالى لرفع البلاء عن أهل غزة، وإعانتهم على مواجهة المعتدين.

من واجب الأمة أن تكثر من الدعاء لأهل غزة، خصوصًا في هذه الأيام التي يشهد فيها المسلمون انتهاكًا كبيرًا للحقوق ودمارًا واسعًا، كما يجب أن يكون هذا الدعاء مقرونًا بالأفعال التي تدعم المظلومين في غزة، سواء كان ذلك من خلال الضغط السياسي أو تقديم الدعم المادي.

لذا، فإن غزة ليست مجرد أرضٍ تُنتهك، بل قضية تجسد الصراع الأبدي بين الحق والباطل، والواجب الشرعي يقتضي نصرة أهلها بكل الوسائل المشروعة، مع الثبات على مبادئ الشريعة، ورفض المساومة على الثوابت، كما أن الدروس المستخلصة من هذه الأحداث تُذكِّر الأمة بضرورة العودة إلى منهج الكتاب والسُّنة، والتوحد تحت راية الجهاد الشرعي، والاستعداد لمواجهة التحديات بقلوب مؤمنة وعزائم لا تُكسَر.


الرئيسية

مرئيات

العدد

ملفات خاصة

مدونة