فشلت البشرية!
نقف في الوقت
الراهن على ملاحظة بادية للعيان، واضحة لا تشوبها شائبة؛ فقد فشلت البشرية في
صياغة نموذج اجتماعي مسالم، لا تحتاج فيه إلى الحرب لإنتاج الثروة وحيازة السلطة.
إن الواقع
المأزوم وشديد التوتر الذي يسود اليوم في أنحاء كثيرة من العالم، خصوصاً تلك
المتوفرة على احتياطيات كبيرة من الطاقة الأحفورية، لدليل على هذا الفشل الذريع
الذي يشوب حياة البشر، لقد تم إفراغ مقولات الرفاه المشترك والعيش المشترك
والتسامح وغيرها من مفاهيم المنظور الإنساني من محتواها، إلى درجة تبدو كأنها منذ
إنتاجها لم تكن سوى شعارات حالمة يرددها الغالبون لدغدغة مسامع وأذهان المغلوبين.
الحروب والصراع على الثروة والسلطة في العالم
منذ بداية القرن
العشرين واندلاع الحروب الكبرى بين القوى العظمى، التي أبادت ملايين البشر، وبزوغ
النموذج الغربي وتمكنه من العالم وسيطرته على مقدراته، بدأت حرب الأقوياء على
الضعفاء، بدأت الحرب في صيغتها الكلامية عبر إنتاج كم هائل من التعبيرات والمفاهيم
التي ترسخ في أذهان المغلوبين ضعفهم وتخلفهم، وتعلي من شأن الغالبين وتنافح عما
يصدر عنهم؛ فالاحتلال أصبح استعماراً، وسرقة مقدرات الشعوب يمر عبر ما سمي «اتفاقيات
الحماية»، وما إلى ذلك من لي عنق الحقيقة.
تنوعت الحقائق
وتنسبت (من النسبية)، مع بلوغ حجم التحولات مبلغه في المجتمعات الغربية، فتشكلت
نظرة جديدة إلى العالم اتسمت بتحييد الكنيسة ومعها الديانة المسيحية، واستقلال
المجال العام من كل هيمنة غير المتواضع عليها، لكنها طورت بالمقابل أشكالاً فريدة
للنزعة الاستعلائية (والنماذج لا حصر لها) التي تبلورت من خلال الأفكار الآريانية.
كما نما نوع من
التمركز حول الذات أسهم في تنظير تطوري يجعل المجتمعات الغربية في مقدمة البشرية
(المجتمع الأول) والمجتمعات الأخرى تابعة لها (المجتمع الثالث).
وشكلت هذه
النزعة العصبية المحرك المحوري للحروب الجديدة، فالغالبون لا يرون أنه من الضرورة
تقاسم السلطة مع المغلوبين ولا تقاسم الثروة معهم كذلك، فموارد الكرة الأرضية من
نبات ومعادن وطاقة لا تكاد تفي باحتياجات الغالبين الذين يعيشون الرفاه بكل أشكاله
ولا يعدو أن يغطي متطلباتهم العديدة.
ولا يسمح
الغالبون لأحد من المغلوبين أن ينازعهم ما حصلوا عليه، فيلوحون بسلاحهم المدمر
للبشر والحجر على حد سواء، والذي غيروا اسمه لتلطيفه وتزييف وقعه، فأصبح عوض أسلحة
الدمار الشامل يسمى «إستراتيجية الردع».
وقد خاض الغرب
حروباً عنيفة خارج مجالاته تحت ذريعة التحرر والعدل وجلب الديموقراطية لشعوب لم
تطلب شيئاً في الأصل، أو أنها وقعت ضحية لخدعة الخطاب المنمق والإغراء بكل أنواعه،
فأضحت، بالفعل أو بالصمت، لا مجرد متلقٍّ لما جرى، وإنما شريك في إنتاج الواقع
الذي أفضت إليه الأحداث.
فشل البشرية في تحقيق التعايش السلمي والعدالة
وفي غفلة من
المغلوبين، برزت على السطح مفارقة قاسية وخديعة شنعاء يتجرع ويلاتها جزء كبير من
البشر؛ فالذي يقع في مناطق عديدة من العالم من تهجير وإخراج الناس من ديارهم،
والحروب الدائرة والتقتيل غير المسبوق يؤشر لا شك على فشل البشرية، الغالب منها
والمغلوب، في التمكن من إنتاج نموذج يروم العيش المشترك والتجاور السمح بالفعل لا
بالقوة.
التعليقات (0)
لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلق!
اترك تعليقاً