حقوق المرأة في الإسلام..
قراءة في كتاب «المرأة المسلمة: حرية تنقلها وسكنها»
في خضم الجدل
المتصاعد حول حقوق المرأة في العالم الإسلامي، تبرز قضية حرية التنقل واختيار محل
السكن بوصفها إحدى أكثر القضايا إثارة للنقاش، ولا سيما بعد تضمينها في الاتفاقيات
الدولية المعنية بحقوق المرأة، وعلى رأسها اتفاقية القضاء على جميع أشكال التمييز
ضد المرأة (سيداو).
وفي هذا السياق،
يأتي كتاب «المرأة المسلمة: حرية تنقّلها وسَكَنها» للدكتورة ساجدة عفيف عتيلي،
الصادر عن مركز باحثات لدراسات المرأة، ليقدم معالجة فقهية تأصيلية لهذه القضية،
من خلال عرضها على ميزان الشريعة الإسلامية، مع التركيز على الفقرة (4) من المادة
(15) من اتفاقية «سيداو» المتعلقة بحرية التنقل واختيار السكن.
لا ينطلق الكتاب
من موقف دفاعي يهدف إلى مجرد الرد على الاتفاقيات الدولية، كما لا يكتفي بجمع
الأقوال الفقهية، وإنما يحاول إعادة بناء تصور متكامل لمفهوم الحرية في الإسلام،
ثم تنزيله على قضية تنقل المرأة وسكنها، في ضوء مقاصد الشريعة وأحكام الأسرة.
أبواب الكتاب
ينقسم الكتاب
إلى 4 أبواب:
1- الأول: حرية
تنقل المرأة وسفرها في الفقه الإسلامي.
2- الثاني:
اختيار الزوجة لمسكنها في الشريعة الإسلامية.
3- الثالث:
اتفاقية «سيداو».. النشأة والمضمون والقانونية.
4- الرابع: حرية
تنقل المرأة واختيار مسكنها وفق اتفاقية «سيداو».
يبدأ الكتاب
بتقرير أصل مهم، وهو أن الحرية في التصور الإسلامي ليست مرادفة لإطلاق الإرادة
الفردية، وإنما هي قدرة الإنسان على التصرف في إطار العبودية لله وتحقيق المصالح
ودفع المفاسد؛ ولذلك، يعرض جملة من تعريفات الحرية عند اللغويين والفقهاء
والمفكرين المعاصرين، ليخلص إلى أن الحرية الشرعية تقترن دائمًا بالمسؤولية
وبالضوابط التي تمنع الإضرار بالنفس أو بالغير.
حرية المرأة في التنقل
وانطلاقًا من
هذا التصور، يناقش الكتاب مفهوم التنقل والسفر، مميزًا بينهما من الناحية
الاصطلاحية والفقهية، ثم يقرر أن الأصل في الشريعة هو كفالة حرية الإنسان في
الحركة والتنقل داخل بلده وخارجه، وأن القرآن والسُّنة حفلا بالنصوص التي تحث على
السير في الأرض وطلب الرزق والاعتبار بأحوال الأمم؛ ما يجعل حرية التنقل من الحقوق
الأساسية التي كفلها الإسلام للإنسان، غير أن هذه الحرية –شأنها شأن سائر الحقوق–
ليست مطلقة، وإنما تقيدها الضوابط الشرعية والمصلحة العامة.
ومن أبرز ما
يميز زاوية المعالجة هنا أن الباحثة لم تتعامل مع التنقل باعتباره حقًا ثابتًا على
درجة واحدة، بل تدرجه ضمن منظومة الأحكام التكليفية الخمسة؛ فقد يكون التنقل
مباحًا، أو مندوبًا، أو واجبًا، أو مكروهًا، أو محرمًا بحسب مقصده ووسيلته وآثاره.
فالسفر للتجارة
أو الترفيه المباح يأخذ حكم الإباحة، والسفر لطلب العلم أو صلة الرحم قد يكون
مندوبًا، والسفر للحج الواجب أو لأداء فرض متعين يصبح واجبًا، بينما يكره السفر
المنفرد في بعض الأحوال، ويحرم السفر الذي يقصد به ارتكاب المعصية أو يؤدي إليها.
ومن خلال هذا
التقسيم يؤكد الكتاب أن الحرية في الفقه الإسلامي ليست قيمة منفصلة عن منظومة
الأحكام، بل تخضع لها وتتغير بتغير المقاصد والمآلات.
وبعد تأصيل حرية
التنقل بوجه عام، ينتقل الكتاب إلى القضية الرئيسة؛ وهي حرية المرأة في التنقل،
ويقرر أن الأصل في هذا الحق هو اشتراك الرجال والنساء فيه، وأن المرأة تملك حق
الحركة والخروج كما يملكه الرجل، إلا أن الشريعة راعت خصوصية بعض الأحكام المتعلقة
بها، بالنظر إلى طبيعة الأسرة، والعلاقة الزوجية، والمصالح التي تتعلق بها، لا
بوصفها انتقاصًا من إنسانيتها أو أهليتها.
اتفاقية «سيداو»
ثم يفرد الكتاب
مساحة واسعة لمناقشة اتفاقية «سيداو»، فيستعرض أهداف الاتفاقية ثم يناقش عددًا من
موادها، مع تركيز خاص على المادة (15) المتعلقة بحرية التنقل والسكن، إضافة إلى ما
يراه من آثار لبعض مواد الاتفاقية في قضايا الأسرة، والقوامة، والميراث، والعلاقات
الزوجية، وأدوار الرجل والمرأة داخل الأسرة.
كما يتناول
العلاقة بين الاتفاقية والمؤتمرات الدولية اللاحقة لها، ويعرض جملة من الملاحظات
والانتقادات التي يوجهها إليها من منظور الشريعة الإسلامية.
ويختتم الكتاب
بخلاصة للنتائج التي توصلت إليها الدراسة، من أبرزها تقرير حرية تنقل المرأة ضمن
الضوابط الشرعية التي يعتمدها البحث، واعتبار حق اختيار المسكن من الحقوق المرتبطة
ببنية الأسرة في الفقه الإسلامي، مع التأكيد على وجود تباين بين التصور الذي
تتبناه الدراسة وما تنص عليه اتفاقية «سيداو» في عدد من القضايا المتعلقة بالأسرة
والعلاقة بين الزوجين.
كما يورد مجموعة
من التوصيات، منها الدعوة إلى تعزيز الوعي بالحقوق والواجبات الأسرية في الإسلام،
وتطوير برامج التأهيل الأسري، ومناقشة الاتفاقيات الدولية ذات الصلة في ضوء
المرجعية الشرعية التي يعتمدها الكتاب.
ويمتاز الكتاب
بعدة جوانب؛ فهو يبدأ بتأصيل المفاهيم قبل الخوض في الأحكام، ويحرص على الاستدلال
بالنصوص الشرعية وأقوال الفقهاء، كما يعرض الخلاف الفقهي في عدد من المسائل قبل
ترجيح ما يراه، ولا يكتفي بالنقول المجردة، بل يحاول ربطها بمقاصد الشريعة
وبالواقع القانوني المعاصر، خصوصًا في سياق مناقشة اتفاقية «سيداو».
وتتجاوز الدراسة
مجرد تقرير الأحكام الجزئية إلى إبراز الفلسفة العامة التي تحكمها؛ فالباحثة ترى
أن الفرق الجوهري بين المنظور الإسلامي والمنظور الحقوقي المعاصر يكمن في أن الأول
ينظر إلى الإنسان داخل شبكة من الواجبات والعلاقات والمسؤوليات، بينما يغلب على
الثاني النظر إلى الحقوق الفردية بوصفها مستقلة عن البنية الأسرية والاجتماعية.
ومن هنا يفسر
اختلاف النتائج في قضايا مثل حرية التنقل، واختيار محل السكن، وإذن الزوج،
والمحرم، وغيرها من المسائل التي تتصل ببناء الأسرة ووظائفها.
المرأة والأسرة
من جهة أخرى،
غلب على الدراسة الطابع الفقهي التأصيلي، ولذلك فإن اهتمامها الأكبر انصب على بناء
الحكم الشرعي أكثر من تحليل التحولات الاجتماعية أو دراسة التطبيقات الواقعية لهذه
الأحكام في المجتمعات الإسلامية المعاصرة، كما أن مناقشتها للخطاب الحقوقي الدولي
جاء في الغالب من زاوية التقويم الشرعي، لا من زاوية التحليل الفلسفي أو القانوني
المقارن.
وفي الجملة،
يقدم كتاب «المرأة المسلمة: حرية تنقلها وسكنها» معالجة فقهية منظمة لإحدى أكثر
القضايا حضورًا في النقاشات المعاصرة حول المرأة والأسرة، وتنبع أهميته من محاولته
إعادة تأصيل مفهوم الحرية نفسه قبل مناقشة تطبيقاته، ومن سعيه إلى بيان أن تنظيم
الشريعة لحرية التنقل لا يقوم –في تصوره– على مصادرة هذا الحق، وإنما على إدخاله
ضمن منظومة أوسع من المقاصد والواجبات والحقوق التي تحكم بناء الأسرة والمجتمع،
ولهذا يعد الكتاب مرجعًا مناسبًا للباحثين في الفقه الإسلامي، والدراسات الأسرية،
وقضايا المرأة، والمهتمين بدراسة العلاقة بين المرجعية الإسلامية والاتفاقيات
الدولية المتعلقة بحقوق المرأة.
التعليقات (0)
لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلق!
اترك تعليقاً