حين يكشف التعب رسوخ العادة
قيام الليل رغم التعب.. كيف ثبت طاووس بن كيسان؟
أورد الذهبي، في
«سير أعلام النبلاء»، عن عَبْدالرَّزَّاقِ، عَنْ دَاوُدَ بنِ إِبْرَاهِيْمَ: أَنَّ
الأَسَدَ حَبَسَ لَيْلَةً النَّاسَ فِي طَرِيْقِ الحَجِّ، فَدَقَّ النَّاسُ
بَعْضُهُم بَعْضاً، فَلَمَّا كَانَ السَّحَرُ، ذَهَبَ عَنْهُم، فَنَزَلُوا
وَنَامُوا، وَقَامَ طَاوُوْسٌ يُصَلِّي، فَقَالَ لَهُ رَجُلٌ: أَلَا تَنَامُ؟
فَقَالَ: وَهَلْ يَنَامُ أَحَدٌ السَّحَرَ(1).
ليلة طويلة في
طريق الحج، وخوف يطوق القافلة، وأسد يحبس الناس عن المسير حتى السَّحر، ثم يزول
الخطر، فتستجيب الأجساد لما تراكم عليها من السهر والإجهاد: ينزل الناس وينامون، وحده
طاووس بن كيسان يقوم إلى الصلاة.
ليست قيمة
المشهد في أن الناس ناموا وأن طاووسًا لم ينم؛ فقد كان نومهم بعد تلك الليلة
مفهومًا، ولا يحمل الخبر ذمًّا لهم، وإنما تكمن دلالته في أن ساعة السحر اكتسبت في
وجدان طاووس معنى بلغ من القوة حدًّا جعلها تتقدم، حتى بعد الخوف والسهر، على حاجة
الجسد الملحّة إلى الراحة.
استنكار السلف النوم في وقت السحر.. طاووس نموذجاً
قال طاووس: «وهل
ينام أحد السحر؟»، صيغة السؤال أبلغ من جواب مباشر مثل: «لا أنام»، فهو لا يتحدث
عن بطولة شخصية، بل عن تصوره للساعة نفسها؛ كأن السحر في وجدانه موعد معلوم لا
يخطر لمن عرف قيمته أن يمر به كما تمر سائر ساعات الليل.
وهذا المعنى له
أصل قرآني ظاهر، فقد وصف الله أهل الإحسان بقوله: (كَانُوا قَلِيلاً مِّنَ اللَّيْلِ مَا
يَهْجَعُونَ {17} وَبِالْأَسْحَارِ هُمْ يَسْتَغْفِرُونَ) (الذاريات)، ومدح كذلك المستغفرين بالأسحار في قوله: (الصَّابِرِينَ وَالصَّادِقِينَ
وَالْقَانِتِينَ وَالْمُنْفِقِينَ وَالْمُسْتَغْفِرِينَ بِالْأَسْحَارِ) (آل
عمران: 17).
وتزداد دلالة
هذه الساعة وضوحًا في حديث أبي هريرة رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم
أخبر أن الله تعالى ينزل إلى السماء الدنيا حين يبقى ثلث الليل الآخر فيدعو عباده
إلى الدعاء والسؤال والاستغفار، فعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ:
أَنَّ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: «يَنْزِلُ رَبُّنَا
تَبَارَكَ وَتَعَالَى كُلَّ لَيْلَةٍ إِلَى السَّمَاءِ الدُّنْيَا، حِينَ يَبْقَى ثُلُثُ
اللَّيْلِ الْآخِرُ، يَقُولُ: مَنْ يَدْعُونِي فَأَسْتَجِيبَ لَهُ، مَنْ
يَسْأَلُنِي فَأُعْطِيَهُ، مَنْ يَسْتَغْفِرُنِي فَأَغْفِرَ لَهُ»(2).
من هنا يمكن فهم
دهشة طاووس من السؤال؛ فالناس رأوا آخر الليل بعد ليلة الخوف فرصة للنوم، أما هو
فرأى فيه قبل ذلك فرصة للوقوف بين يدي الله، وتلك إحدى العلامات العميقة في تربية
النفس: قيمة الزمن لا تحددها الساعة وحدها، وإنما ما يعرفه القلب عن تلك الساعة.
ولهذا كان السلف
يجتهدون في أداء تهجدهم، لأن صلاة الليل أشق على النفوس فإن الليل محل النوم
والراحة من التعب بالنهار فترك النوم مع ميل النفس إليه مجاهدة عظيمة قال بعضهم:
أفضل الأعمال ما أكرهت عليه النفوس ولأن القراءة في صلاة الليل أقرب إلى التدبر
فإنه تنقطع الشواغل بالليل ويحضر القلب ويتواطأ هو واللسان على الفهم(3).
أثر اعتياد الطاعة في تجاوز مشقة الأزمات
يمر الإنسان في
الأزمات بطورين متعاقبين: استنفار حين يكون الخطر حاضرًا، ثم ميل قوي إلى
الاسترخاء حين يزول، وهذا ما حدث للقافلة بصورة طبيعية؛ فلما غاب الأسد استلقى
الناس وناموا، لكن العادة الطويلة تغير طريقة استجابة الإنسان للظروف.
لم يكن طاووس
يستحدث عبادة في تلك الليلة استجابةً لمشهد عابر؛ بل كان قيام الليل جزءًا من
بنائه التعبدي، ولهذا ورد في ترجمته خبر آخر يدل على شدة تعظيمه للسحر: جاء مرة في
هذا الوقت يطلب رجلًا، فقيل له إنه نائم، فقال: «ما كنت أرى أن أحدًا ينام في
السحر»(4).
هذه العبارة
تكشف أن موقف ليلة الأسد لم يكن لحظة حماس طارئة؛ فالسحر عنده كان له مقام مستقر، وهنا
تتضح قيمة العادة الصالحة، فالإنسان لا يصنع ثباته كله لحظة الأزمة، وإنما تكشف
الأزمة ما صنعه في الأيام الهادئة، من اعتاد الصلاة وجد طريقه إليها في التعب، ومن
اعتاد الذكر رجع إليه عند الخوف، ومن بنى حياته على قيم ثابتة قلَّ أن تعيد الظروف
ترتيب أولوياته كل مرة.
وفي واقع الناس
اليوم تظهر هذه القاعدة بوضوح: من جعل عباداته مرتبطة بصفاء المزاج هجرها عند ضغط
العمل والسفر والقلق، أما من جعل لها موضعًا راسخًا في يومه فيتعامل مع الظروف
باعتبارها عوارض لا تعيد تشكيل حياته من الصفر.
من عبادة الحاجة إلى مقام الشكر العملي
ثمة معنى آخر
يضيئه المشهد: لقد نجا الركب من خطر كان حاضرًا أمامهم، فجاء السحر بعد النجاة
مباشرة، ويمكن قراءة قيام طاووس هنا بوصفه عبادة في وقت فاضل، وفي الوقت نفسه صورة
من صور استقبال النعمة بالقرب من الله؛ من غير أن نجزم بأن هذا كان قصده الخاص
الذي لم ينقله الراوي.
وهذا المعنى
يذكر بأصل نبوي عظيم، فقد كان النبي صلى الله عليه وسلم يقوم من الليل حتى تتفطر
قدماه، فلما سئل عن ذلك مع ما غفر الله له قال: «أفلا أكون عبدًا شكورًا»(5)،
فالشكر في التصور الإسلامي ليس كلمة تقال بعد زوال الخطر فحسب، وإنما عبادة تتحول
فيها النعمة إلى زيادة في الصلة بالمنعم.
والفرق واسع بين
من يخرج من الأزمة فيعود فورًا إلى الغفلة، ومن تجعله النجاة أكثر افتقارًا إلى
الله، ولهذا قد تكون المحنة كاشفة لا لما يفعله الإنسان أثناءها فقط، بل لما يفعله
بعد انتهائها.
فكم من إنسان
يعرف الدعاء حين تضيق به الأسباب، فإذا انفتح الباب انقطع الدعاء، أما التربية
الإيمانية فتنقل القلب من «عبادة الحاجة» إلى «عبادة المعرفة والشكر».
صناعة التأثير بالفعل بعيداً عن لوم الآخرين
من أجمل ما في
الخبر أن طاووسًا لم يوقظ الناس، ولم يقف على رؤوسهم يعاتبهم بعد ليلة شديدة، ولم
يحول قيامه إلى مقياس يدين به من نام، هو قام، ثم لما سئل أجاب.
وهذه صورة مهمة
من صور التربية بالفعل، فالقدوة الصامتة قد توقظ في النفوس سؤالًا لا تحدثه
الموعظة المباشرة، السائل نفسه هو الذي رأى طاووسًا منتصبًا يصلي بينما الناس
نيام، فدفعه المشهد إلى الاستفهام: «ألا تنام؟»؛ عندئذ جاءت الكلمة القصيرة: «وهل
ينام أحد السحر؟».
التربية هنا لم
تبدأ بالكلام؛ بدأت بصورة رجل يصلي؛ وهذا منهج يحتاج إليه البيت والمدرسة ومجالات
الدعوة، فالطفل الذي يرى أباه يقوم للصلاة لا يتلقى المعنى نفسه الذي يتلقاه من
عشر محاضرات عن فضلها، وطالب العلم الذي يرى شيخه يعمل بعلمه يقرأ درسًا لا يوجد
كله في الكتب، والعامل الذي يرى قائده أول الملتزمين بما يطالب به فريقه يكون أكثر
استعدادًا للاقتداء، فالسلوك الصادق يمنح الكلمة قوة، لأن المخاطَب يعلم أن
المتكلم لا يصف طريقًا لم يمش فيه.
حين يعيد السؤال ترتيب الأولويات
من الناحية
البلاغية، لم يقل طاووس للسائل: السحر وقت عظيم، ولا سرد عليه فضائل قيام الليل،
وإنما طرح استفهامًا يثير في ذهنه المعنى كله دفعة واحدة، والاستفهام هنا يحمل
معنى الإنكار والتعجب؛ كأنه يقول: كيف يصبح النوم في هذه الساعة هو الخيار الأول
لمن أدرك فضلها؟
وهذه الطريقة في
الخطاب أعمق أحيانًا من إصدار الأمر؛ لأن السؤال يجعل المخاطَب شريكًا في اكتشاف
الجواب، وقد استعمل القرآن هذا الأسلوب في مواضع كثيرة لإيقاظ النظر، مثل قوله
تعالى: (أَفَلَا تَعْقِلُونَ)
(البقرة: 44)، و(أَفَلَا
يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ) (النساء: 82)، فالسؤال لا يقدم دائمًا معلومة
جديدة، لكنه قد يهدم ألفة قديمة مع الخطأ أو الغفلة.
وفي التربية
المعاصرة قد يكون سؤال واحد من هذا النوع أبلغ من قائمة أوامر: لماذا صار الهاتف
آخر ما تراه قبل النوم وأول ما تراه عند الاستيقاظ؟ لماذا نجد وقتًا طويلًا لما
نحب ثم نقول إننا لا نجد دقائق لما نعده مهمًّا؟ السؤال الجيد لا يضيف عبئًا على
الوعي؛ بل يعيد ترتيب ما كان موجودًا فيه أصلًا.
فقه التماسك الفردي أمام تقلبات المزاج العام
في الخبر
جماعتان في الحقيقة؛ جماعة اضطربت حين ظهر الخطر، ثم جماعة نامت حين انتهى، وهذا
طبيعي في حركة الناس؛ فالجموع تؤثر في بعضها، وينتقل الخوف والهدوء والسلوك بينها
سريعًا، لكن طاووسًا لم يجعل فعل الجماعة هو المعيار النهائي لفعله.
وهذا المعنى
حاضر في مواضع أخرى من سيرته، فقد عُرف بقوة الاستقلال في مواقفه، حتى نقل الذهبي
أنه لما جلس إليه ابن سليمان بن عبد الملك لم يلتفت إليه، ثم قال في بيان مقصده
إنه أراد أن يعلم أن لله عبادًا يزهدون فيما في يديه، كما عُرف بكثرة قوله «لا
أدري»؛ ونقل حنظلة بن أبي سفيان: «ما رأيت عالمًا قط يقول لا أدري أكثر من طاووس»(6).
فالاستقلال الذي
جعله لا يتحرك بهيبة السلطان هو نفسه، من جهة البناء النفسي، الذي يساعد الإنسان
على ألا تتحكم فيه العادة الجمعية.
ولا يعني ذلك
مخالفة الناس لمجرد المخالفة؛ فقد يكون الصواب معهم، وإنما المقصود ألا تصبح كثرة
الفاعلين دليلًا مستقلًا على صواب الفعل، الشخصية الراسخة تسأل أولًا: ما الذي
ينبغي فعله؟ لا: ماذا يفعل الجميع؟
قيام الليل منبع للسكينة لا مشقة مجهدة
قد يبدو قيام
طاووس بعد ليلة الخوف نوعًا من إضافة المشقة إلى المشقة، لكن من عرف أثر العبادة
في أهلها يدرك أن المعادلة ليست بهذه البساطة.
فالعبادة عند
أهلها ليست دائمًا استنزافًا للطاقة؛ بل قد تكون مصدر السكينة التي يعيد بها
الإنسان ترتيب نفسه، قال تعالى: (الَّذِينَ
آمَنُوا وَتَطْمَئِنُّ قُلُوبُهُمْ بِذِكْرِ اللَّهِ أَلَا بِذِكْرِ اللَّهِ
تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ) (الرعد: 28)، وقال لنبيه صلى الله عليه وسلم: (وَمِنَ اللَّيْلِ فَتَهَجَّدْ بِهِ
نَافِلَةً لَّكَ عَسَى أَن يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقَاماً مَّحْمُوداً) (الإسراء: 79).
ومن الخطأ أن
نستخرج من موقف طاووس إلزامًا للناس بترك النوم بعد المشقة؛ فقيام الليل نافلة،
والنوم حاجة مشروعة، والشريعة لم تأمر بإهلاك الأبدان، قيمة الخبر في بيان علو همة
طاووس وتعلق قلبه بالسحر، لا في ذم من يحتاج إلى الراحة.
وهذا التفريق
ضروري في قراءة سير السلف؛ المقامات العالية تلهم الإنسان وتفتح له آفاق المجاهدة،
لكنها لا تتحول تلقائيًا إلى أحكام تلزم كل أحد بنفس المقدار.
المواقف الصعبة ميزان حقيقي لثبات القيم الراسخة
الخوف الذي أصاب
القافلة انتهى، والأسد ذهب، والمسافرون ناموا؛ لكن ما بقي من تلك الليلة عبر
القرون هو رجل يقف وحده يصلي، وكلمة قصيرة ما زالت تهز القارئ: «وهل ينام أحد
السحر؟».
ليس في المشهد
ازدراء لحاجة الجسد، ولا دعوة إلى صناعة المشقة، وإنما شهادة على ما يمكن أن تصنعه
العبادة حين تنتقل من عمل موسمي إلى جزء من هوية الإنسان.
الساعات التي
نكرر فيها أعمالنا الصغيرة تصنع في النهاية استجاباتنا الكبرى، ومن حافظ على خلوته
بالله في أيام الأمن قد يجدها ملاذه حين تأتي أيام الخوف، ومن عرف قيمة السحر في
الليالي العادية قد لا ينساه حتى في ليلة حبسه فيها الأسد عن الطريق.
ولهذا فإن أعمق
ما في قصة طاووس ليس أنه قاوم النوم ليلة واحدة، وإنما أن قلبه بلغ من الألفة
بساعة السحر أن السؤال عن النوم فيها بدا له غريبًا.
وهناك يصير معنى
العبادة مختلفًا؛ لا يعود الإنسان يسأل كل مرة هل يقوم، بل يصبح القيام جزءًا من
ترتيب العالم في قلبه، من خلال ما سبق يتبين أن طاووس لم يترك لنا في هذه الليلة
خطبة عن الصبر، ولا درسًا طويلًا عن إدارة الخوف، ولا حديثًا عن فضل نفسه، بل ترك
مشهدًا.
أسد يذهب عند
السحر، وقافلة أنهكها السهر فتنام، ورجل يقوم إلى الصلاة، ثم سؤال: «ألا تنام؟»، وجواب:
«وهل ينام أحد السحر؟».
وبين السؤال
والجواب تظهر منزلة لا يبلغها القلب بكثرة المعلومات وحدها؛ منزلة يصبح فيها الوقت
الفاضل معروفًا كما يعرف الإنسان مواعيده التي لا يحب أن تفوته.
ومن هنا تبقى القصة أوسع من قيام ليلة في طريق الحج: إنها سؤال لكل إنسان عن الأشياء التي بلغت في قلبه من القيمة حدًّا لا تسمح الظروف بسهولة أن تنتزعها منه، ففي الشدائد تظهر العادات، وعند التعب تنكشف الأولويات، وحين ينام الجميع يعرف الإنسان حقًا ما الذي استيقظ قلبه له.
الهوامش
التعليقات (0)
لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلق!
اترك تعليقاً